245

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

عن الشعبي، وهو قوله ﵇: «لا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بعدي جالسًا»، وهذا لو صح إسناده لكان مرسلًا، والمرسل عندنا وما لم يُروَ سِيَّان، لأنَّا لو قبلنا إرسال تابعيٍّ وإن كان ثقة لَلَزِمَنا قَبول مثله عن أتْباع التابعين، ويؤدي ذلك إلى أن يُقبل من كل أحد إذا قال: قال رسول الله ﷺ. وفي هذا نقض (^١) الشريعة، والعجب أن أبا حنيفة يجرح جابرًا ويكذِّبه، ثم لما اضطره الأمر جعل يحتج بحديثه، وذلك كما أخبرنا به الحسين بن يزيد القطان بالرَّقة حدثنا أحمد بن أبي الحوراء سمعت أبا يحيى الجُمَّاني سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء، ولا لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيتُه بشيء إلا جاءني فيه بحديث.
قال العيني: أما إنكاره النسخ فليس له وجه لأنَّ الذي يجب به العمل هو ما استقرَّ عليه آخرُ الأمرين منه ﵇ صلاتُه قاعدًا والناس وراءَه قيامٌ دلَّ على أنَّ ما كان قبلَه من ذلك مرفوعُ الحكم.
وأما قوله: أفتى به من الصحابة جابر وغيره، فقد قال الشافعي: إنهم لم يبلغهم النسخ، وعلم الحاجة يوجد عند بعض ويعزب عن بعض، وأما قوله: والإجماع إجماع الصحابة، فغير مُسَلَّم، لأن الأدلة غير فارقة بين أهل عصر بل يتناول لكل أهل عصر كتناولها لأهل عصر الصحابة، إذْ لو كان خطابًا للموحِّدِين وقتَ النزول فقط يلزم أن لا ينعقد إجماع الصحابة بعد موت من كان موحِّدًا وقت النزول، لأنه حينئذ لا يكون إجماعُهم أجماعَ جميع المخاطبين وقت النزول، ويلزم أن لا يُعتَدَّ بخلاف من أسلم أو وُلِد من الصحابة بعد النزول لكونهم خارجين عن الخطاب، وقد اتفقتم معنا على إجماع هؤلاء فلا يختص بالمخاطَبين، والخطاب لا يختص بالموجودين كالخطاب بسائر التكاليف، وهذا الذي قاله ابن حبان هو من مذهب داودَ وأتباعِه.
وأما قوله: والمرسل عندنا وما لم يُرْوَ سِيَّان... إلى آخره، فغير مسَلَّم أيضًا لأن إرسال العدل من الأئمة تعديلٌ له، إذْ لو كان غيرَ عدل لوجب عليه التنبيهُ على جرحه والإخبارُ عن حاله، فالسكوت بعد الرواية عنه يكون تلبيسًا أو تحميلًا للناس على العمل مِمَّا ليس بحجة، والعدلُ لا يُتَّهَم بمثل ذلك، فيكون إرساله توثيقًا (^٢) له، لأنه يُحتمل أنه كان مشهورًا عنده فروى عنه بناءً على ظاهر حاله، وفوَّض تعريف حالِه إلى السامع حيث ذَكَرَ اسمَه. وقد استدل بعضُ أصحابنا لقَبول المرسل باتفاق الصحابة، فإنهم اتفقوا على قبول روايات ابن عباس مع أنه لم يسمع من النبي ﷺ إلا أربعَ أحاديث لصغر سنه كما ذكره الغزالي، أو بضعَ عشر حديثًا كما ذكره شمس الأئمة السرَخْسي. وقال ابن سيرين: ما كنا نسند الحديث إلى أن وقعت الفتنة، وقال بعضهم: رد المراسيل بدعة حادثة

(^١) في (الأصل): «بعض»، والصواب: «نقض».
(^٢) في (الأصل): «توقيفًا»، والصواب: «توثيقًا».
بعد المائتين، والشعبي والنخعي من أهل الكوفة، وأبو العالية والحسن من أهل البصرة، ومكحول من أهل الشام كانوا يرسلون، ولا يُظن بهم إلا الصدق، فدلَّ على كون المرسل حجةً. نعم، الاختلافُ في مراسيل من دونَ القرن الثاني والثالث، فعند أبي الحسن الكرخي: يُقبَل إرسالُ كلِّ عدل في كل عصر، لأن العلة الموجبة لقَبول المراسيل في القرون الثلاثة وهي: العدالة والضبط، تشمل سائر القرون، فبهذا التقدير انتقض قوله: وفي هذا نقض الشريعة.
وأما قوله: والعجب من أبي حنيفة... إلى آخره، كلامٌ فيه إساءة أدب ومجردُ تشنيع بدون دليل جلي: فإن أبا حنيفة في أين احتجَّ بحديث جابر الجعفي في كونه ناسخا؟ ومن نقل هذا من الثقات عن أبي حنيفة حتى يكون متناقضا في قوله وفعله؟ بل احتج أبو حنيفة في نسخ هذا الباب مثلَ ما احتج به غيره كالثوري والشافعي وأبو ثور وجمهور السلف، كما مر مستوفى. انتهى.
(٥٢) (بابٌ: مَتَى يَسْجُدُ مَنْ خَلْفَ الإِمَامِ؟)
أي هذا باب ترجمته: متى يسجد من خلف الإمام، يعني إذا اعتدل أو جلس بين السجدتين. وقوله: (مَنْ) فاعلُ قولِه: (يَسْجُدُ).
قوله: (وَقَالَ أَنَسٌ) أي ابن مالك.
قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» وقال صاحب «التلويح»: وفي بعض النسخ: (قَالَ أَنَسٌ: فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا) يعني: من غير ذكرِه ﷺ.
مطابقته للترجمة من حيث إنه يبين معنى متى يسجد مَن خلف الإمام، وهو أنه إذا سجد الإمام، بناء على تقدم الشرط على الجزاء، وحديث الباب يفسره.
وهذا التعليق أخرجه موصولًا في: باب إيجاب التكبير، فإن فيه: (فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا). قال العيني: قال شيخنا: وهو طرف من حديثه الماضي في الباب الذي قبله. قال العيني: ليست هذه اللفظة في الحديث الماضي، وإنما هي في باب إيجاب التكبير، كما ذكرنا. انتهى. قلتُ: فكأنَّ العيني ﵀ لَمَّا لم ير هذه اللفظة مذكورة في الباب الماضي نفى أن تكون منه، وهذا لا يلزم، لأنها قد تكون منه لكن لم يذكرها في الباب على عادته في تقطيع الحديث، أو تكون مذكورةً في بعض النسخ دون بعض لأن هذا قَدرٌ يبعُد أن يغفل شيخنا عنه. انتهى.
٦٩٠ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مُسرهَد، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب لأخيه.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) أي القطان، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (عَنْ سُفْيَانَ) أي الثوري، ترجمته في باب علامات المنافق.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ) واسمه: عمرو بن عبد الله السَّبِيعي، بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة، نسبةً إلى سَبِيع بطنٍ من همدان، ترجمته في باب الصلاة من الإيمان.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) أي من الزيادة، الخطمي كذا وقع منسوبًا عند الإسماعيلي في روايةٍ لشعبة عن أبي إسحاق،

1 / 245