244

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

رَكَعَ، فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ»).
مطابقته للترجمة مثلُ ما ذكرنا في الحديث الذي قبله.
قوله: (رَكِبَ فَرَسًا) بفتح الفاء والراء. قلتُ: هو الحيوان الصاهل وله خواصٌّ منها: أن المرأة إذا سُقيت من لبنه ولم تعلم أنه لبن فرس وواقعها زوجُها حملت في ساعتها، ومنها: أنه إذا أخذت شعرةً من ذنب فرس وجُعِلت على باب بيتٍ ممدودةً لم يدخله بَقٌّ ما دامت ممدودةً عليه، فهذه فائدتان إحداهما لِجلبِ نفعٍ والأخرى لدفع ضرر، وأنتَ إذا تأملتَ حالَ الفرس رأيتَه لجلب نفعٍ أو دفعِ ضرر. انتهى.
قوله: (فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ) وفي رواية سفيان عن الزهري: (فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ)، وكذا في رواية حميد عن أنس عند الإسماعيلي. وقال القرطبي: اللام للعهد ظاهرًا، والمراد الفرضُ لأن المعهود من عادتهم اجتماعُهم للفرض بخلاف النافلة، وحكى عياض عن ابن القاسم: أن هذه الصلاة كانت نفلًا. قال شيخنا: وتُعُقِّبَ: بأن في رواية جابر عند ابن خزيمة وأبي داود الجزمُ بأنها فرضٌ كما سيأتي، لكن لم أقف على تعيينها إلا في حديث أنس: فصلى بنا يومئذ. فكأنها نهاريَّةُ الظهر أو العصر. انتهى. قال العيني: لا ظاهر هنا يدل على ما ادَّعاه وَلِمَ لا يجوز أن تكون التي صلى بهم يومئذ نفلًا. انتهى. قلتُ: ظهورُ كونها فرضًا ثابتٌ من جزم روايةِ ابن خزيمة وأبي داود وتعليلِ القرطبي فلا وجه لنفيِ الظهورِ والله أعلم. انتهى.
قوله: (فَجُحِشَ) بجيم مضمومة ثم حاءٍ مهملة مكسورة أي: خُدِشَ، وهو أن يتقشَّر جِلدُ العضو.
قوله: (فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا) أي حال كوننا قاعدين. ظاهرُه يخالف حديث عائشة، لأن فيه: (فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا). وفي الجمع بينهما وجوه: الأول: أنَّ في رواية أنس اختصارًا وكأنه اقتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس. الثاني: ما قاله القرطبي وهو أنه: يحتمل أن يكون بعضُهم قعد من أول الحال، وهو الذي حكاه أنس، وبعضُهم قام حتى أشار إليه بالجلوس، وهو الذي حكته عائشة.
قال شيخنا: وتُعُقِّبَ باستبعاد قعودِ بعضِهِم بغير إذنِه ﷺ لأنه يستلزم النسخ بالاجتهاد، ولأن فرضَ القادر في الأصلِ القيامُ. انتهى. الثالث: ما قاله قومٌ وهو احتمال تعدد الواقعة، وقال شيخنا: وفيه بُعْدٌ لأن حديث أنسٍ إن كانت القصةُ سابقةً لزم منه ما ذكرنا من النسخِ بالاجتهاد، وإن كانت متأخرةً لم يُحَتج إلى إعادة قولِه: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ...) إلى آخره، لأنهم قد امتثلوا أمره السابق وصلَّوْا قعودًا لكونه قاعدًا. انتهى.
قال العيني: البُعد في الوجهين الأوَّلين، والوجه الثالث هو القريب، ويدل عليه ما وقع في رواية أبي داود عن جابر: أنهم دخلوا يعودونه مرتين، فصلى بهم فيهما. وبيَّنَ أنَّ الأولى كانت نافلةً وأقرَّهُم على القيام وهو جالس، والثانية كانت فريضةً وابتدأوا قيامًا فأشار إليهم بالجلوس. وفي رواية بشر عن حميد
عن أنس نحوُه عند الإسماعيلي.
قوله: (وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا) استُدِلَّ به على صحة إمامة الجالس كما تقدم، وادَّعى بعضُهم أن المراد بالأمر أن يقتدي به في جلوسه في التشهد وبين السجدتين لأنه ذَكَرَ ذلك عقب ذكر الركوع والرفع عنه والسجود، قال: فيُحمل على أنه لما جلس للتشهد قاموا تعظيمًا له فأمرهم بالجلوس تواضعًا، وقد نبه على ذلك بقوله في حديث جابر: «إنْ كدتم آنفًا تفعلون فعلَ فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا». وتعقَّبَه ابن دقيق العيد وغيرُه بالاستبعاد وبأنَّ سياق طرق الحديث تأباه وبأَّنهُ لو كان المراد الأمرُ بالجلوس في الركن لقال: وإذا جلستُ فاجلسوا، لتُناسب قوله: «وإذا سجد فاسجدوا»، فلما عَدَل عن ذلك إلى قوله: (وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا) كان كقوله: (وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا) والمراد بذلك جميعُ الصلاة. ويؤيد ذلك قولُ أنس: فصلينا وراءه قعودًا.
قوله (أَجْمَعُونَ) تقدم الكلام عليه آنفًا.
فيه من الفوائد غير ما تقدم في الحديث السابق: مشروعيةُ ركوب الخيل والتدرب على أخلاقها. واستحبابُ التأسي إذا حصل له منها سقوطٌ أو غيرُه أو غيرُ ذلك بما اتَّفَقَ للنبي ﷺ في هذه الواقعة. وبه الأسوة الحسنة. وفي ذلك أنه يجوز على النبيِّ ﷺ ما يجوزُ على البَشَر من الأسقام ونحوِها من غير نقصٍ في مقدارِه بذلك بل ليزداد قدرُه رِفْعَةً ومنصبُه جلالة عليه أفضل الصلاة والسلام.
قوله: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أي البخاري ﵀، ترجمته في مقدمة هذا الشرح.
قوله: (قَالَ الحُمَيْدِيُّ) أي عبد الله بن الزبير بن عيسى ابن عبيد الله بن حميد القرشي الأسدي المكي، ويكنى أبا بكر، وهو شيخ البخاري ومن أفراده وتلميذُ الشافعي ﵀، مات سنة تسع عشر ومائتين، قلتُ: تقدمت ترجمته في بدء الوحي. انتهى.
قولُه: (قَوْلُهُ: «إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا» هُوَ فِي مَرَضِهِ القَدِيمِ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامٌ، لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالقُعُودِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ، مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ قد تقدم أنه يُفهم من هذا ميلُ البخاري إلى ما قاله الحميدي ومذهب الأئمة.
قال ابن حبان - كما تقدم بعضُه وتعقبه شيخنا بعد أن روى حديث عائشة المذكور -: في هذا الخبر بيانٌ واضحٌ أنَّ الإمام إذا صلى قاعدًا كان على المأمومين أن يصلوا قعودًا، وأفتى به من الصحابة جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأسيد بن حضير وقيس بن قَهْدٍ، ولم يُرْوَ عن غيرهم من الصحابة خلافُ هذا بإسناد متصل ولا منقطع، فكان إجماعًا، والإجماع عندنا إجماع الصحابة. وقد أفتى به من التابعين أيضًا، وأولُ من أبطل ذلك من الأئمة المغيرةُ بن مقسم، وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ثم أخذه عنه أبو حنيفة ثم عنه أصحابه، وأعلى حديثٍ احتجوا به حديثٌ رواه جابر الجعفي

1 / 244