235

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

أول الوقت متقدم على انتظار الإمامِ الأفضلِ.
وفيه: أن المؤذن هو الذي يقيم وهذا السنة، فإن أقام غيرُه كان خلاف السنة. قيل: يعتد بإذنه عند الجمهور. قال العيني: وبغير إذنه أيضا يُعتَدُّ به، وإذا أقام غير المؤذن أيضًا يُعتَدُّ عندنا، لقوله ﵇ لعبد الله بن زيد حين رأى الأذان: «ألقها على بلال فإنه أمدُّ صوتًا منك، وأقم أنت». وقولُه ﵇: «مَن أذَّن فهو يقيمُ» كان في حق زياد بن الحارث الصُّدائي، وكان حديث العهد بالإسلام، أمره به لئلا يدخلَه الوحشةُ.
وفيه: جواز التسبيح والحمد في الصلاة لأنه من ذكر الله، ولو كان مرادُ المسبِّحِ إعلامُ غيره بما صدر منه، وسيأتي في باب مفرد.
وفيه: رفع الأيدي في الصلاة عند الدعاء والثناء وسيأتي كذلك.
وفيه: استحبابُ حمد الله لمن تجددتْ له نعمةٌ ولو كان في الصلاة. وأما إذا قال: الحمد لله، وأراد الجواب اختلف المشايخ في فساد صلاته. وفي «المحيط»: لو حمد الله العاطسُ في نفسه ولا يحرك لسانه عن أبي حنيفة لا تفسد، فلو حرك يفسد. وفي «فتاوى العتَّابي»: لو قال السامع: الحمد لله على رجاء الثواب من غير إرادة الجواب لا تفسد، وإذا فتح على إمامه لا تفسد، وعلى غيره تفسد. وقال ابن قدامة: قال أبو حنيفة: إن فتح على إمامه بطلت صلاته قال العيني: هذا غير صحيح. انتهى. ومذهبُ مالك والشافعي: إذا سبح لأعمى خوفَ أن يقع في بئرٍ أو دابةٍ أو حيةٍ أنه جائز.
وفيه: جواز الالتفات للحاجة، وأن مخاطبة المصلي بالإشارة أَوْلَى من مخاطبته بالعِبارة، وأنها تقوم مَقام النطق لمعاتبة النبي ﷺ أبا بكر على مخالفة إشارته، قاله ابن عبد البر (^١)، وجمهور الفقهاء على أن الالتفات لا يفسد الصلاة إذا كان يسيرًا. قال العيني: هذا إذا كان لحاجة، لما رَوَى سهلُ بن الحنظلية من حديث فيه: فجعل رسول الله ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشِّعبِ. وقال أبو داود: كان أَرسَلَ فارسًا إلى الشِّعْبِ يحرس. وقال الحاكم: سنده صحيح، وأما إذا كان لا لحاجة فإنه يكره، لما رُوي عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يزال الله تعالى مقبلًا على العبد وهو في صلاتِه ما لم يلتفتْ، فإذا التفَتَ انصرفَ عنه». وعند ابن خزيمة عن ابن عباس: كان ﵇ يلتَفِتُ يمينًا وشِمالًا ولا يَلوي عنقه خلفَ ظهرِه. وعند ابن خزيمة عن علي بن شيبان - وكان أحد الوفد - قال: صليتُ خلف النبي ﷺ فلَمَحَ بمؤخَّر عينه إلى رجل لا يقيم صلبَه في الركوع ولا في السجود. فإن قلتَ: روى أبو داود: «لا صلاة لملتفت» قال العيني: ضعَّفَه ابن القطان وغيرُه.
وفيه: جواز شقِّ الصفوفِ والمشيِ بين المصلين لقصد الوصول إلى الصف الأول، لكنَّه مقصور على من يليق ذلك به كالإمام، أو من كان بصدد أن يحتاج الإمام إلى استخلافه، أو من أراد سد فُرجة في الصف الأول أو ما يليه مع ترْكِ من يليه سدَّها، ولا يكون ذلك معدودًا من الأذى. قال المهلب: ولا تعارض بين هذا وبين النهي عن التخطي لأن النبي ﷺ

(^١) في (الأصل): «قال» وبعده بياض، والمثبت من عمدة القاري.
ليس كغيره في أمر الصلاة ولا غيرِها، لأن له أن يتقدم بسبب ما ينزل عليه من الأحكام. وأطال في تقرير ذلك، وتُعُقِّبَ بأن هذا ليس من الخصائص، وقد أشار هو إلى المعتمد في ذلك فقال: ليس في ذلك شيء من الأذى والجفاء الذي يقع في التخطي، وليس كمن شق الصفوفَ والناسُ جلوسٌ لما فيه من تخطي رقابهم. انتهى.
وفيه: الحمد والشكر على الوجاهة في الدِّين، وأن من أُكرِم بكرامةُ يتخَيَّر بين الَقبول والترك إذا فَهم أن ذلك الأمر على غير جهة اللزوم، وكأنَّ القرينة التي بيَّنَت لأبي بكرٍ ذلك هي كونه ﷺ شقَّ الصفوف إلى أن انتهى إليه فكأنه فهم من ذلك أن مراده أنَّ يؤمَّ الناسَ وأنَّ أمره إياه بالاستمرار في الإمامة من باب الإكرام له والتنويهِ بقدْره فسلك هو طريقَ الأدب والتواضع ورجَّح ذلك عنده احتمالُ نزول الوحي في حالة الصلاة لتغيير حكمٍ من أحكامها، وكان لأجل هذا لم يَتَعَقَّبْ ﵇ اعتذارَه بِرَدٍّ عليه.
وفيه: جوازُ إمامة المفضولِ للفاضلِ. وفيه: سؤال الرئيس عن سببِ مخالفة أمرِه قبل الزجر عن ذلك. وفيه: إكرامُ (^١) الكبير بمخاطبته بالكنية، و[اعتماد] (^٢) ذكر الرجل لنفسه بما يُشعر بالتواضع من جهة استعمال أبي بكر خطاب الغيبة مكان الحضور إذْ كان حَدُّ الكلام أن يقول أبو بكر: ما كان لي. فعَدَل عنه إلى قوله: ما كان لابن أبي قحافة، لأنه أَدَلُّ على التواضع من الأول.
وفيه: جواز العمل القليل في الصلاة، لتأخُّرِ أبي بكر عن مَقامه إلى الصف الذي يليه، وأَنَّ مَن احتاج إلى مثل ذلك يرجِع القَهقَرى ولا يستدبر (^٣) القبلة ولا ينحرف عنها، واستنبط ابن عبد البر منه جواز الفتح على الإمام لأن التسبيح إذا جاز جازت التلاوة من باب الأولى.
وفيه: أن المصلي إذا نابه شيء فليسبح، أي فليقل: سبحان الله. وعن مالك: المرأةُ تُسَبِّح كالرجل، لأن كلمة (مَنْ) في الحديث تقع على الذكور والإناث. قال: والتصفيقُ منسوخٌ بقوله: (مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيُسَبِّحْ)، وأنكره بعضهم وقال: أنه لا يُختَلَف أن أول الحديث لا يَنسخ آخره، ومذهب الشافعي والأوزاعي تخصيصُ النساء بالتصفيق، وهو ظاهرُ الحديث، وفي «سنن أبي داود»: «إذا نابَكُم شيءٌ في صلاة فلْيسبِّح الرجالُ ولْيصفح النساء».
(٤٩) (بَابٌ: إِذَا اسْتَوَوْا فِي القِرَاءَةِ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ)
أي هذا باب ترجمته: إذا استووا... إلى آخره، يعني إذا استوت الحاضرون للصلاة في القراءة فليؤمهم من كان أكبر السن منهم.
قال شيخنا: هذه الترجمة مع ما سأبيِّنُه من زيادةٍ في بعض طرق حديث الباب منتَزعة من حديثٍ أخرجه مسلم من رواية أبي مسعود الأنصاري مرفوعًا: «يؤم القومَ أقرؤُهم لكتاب الله فإن كانت قراءَتُهم سواء فلْيؤمَّهم أقدمُهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فلْيؤمَّهم أكبرهم سنًَّا...» الحديثُ ومداره على إسماعيل بن رجاء عن أوس بن ضَمْعَجٍ عنه وليسا جميعًا مِن

(^١) في (الأصل): «إلزام»، والصواب: «إكرام».
(^٢) كلمة غير واضحة في (الأصل): «اعتماد».
(^٣) في (الأصل): «يستدير»، والصواب: «يستدبر».

1 / 235