233

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

مواضع: هنا وفي الصلاة أيضًا فيما يجوز من التسبيح والحمدِ للرجال ورفعِ الأيدي فيها لأمرٍ ينزل به والإشارةِ فيها والسهو والصلح والأحكام. وأخرجه مسلم في الصلاة عن قتيبة وعن محمد بن عبد الله بن بَزِيع وعن يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو دواد عن القَعْنَبي وعن عمرو بن عون، وأخرجه النسائي عن محمد بن عبد الله وعن أحمد بن عبده.
قوله: (إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) هم من ولد مالك بن الأوس والخزرج، وبنو عمرو بن عوف بطنٌ كبير من الأوس فيه عدة أحياء منهم: بنو أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف، وبنو ضبيعة بن زيد، وبنو ثعلبة بن عمرو بن عوف. والسبب في ذهابه ﵇ إليهم ما رواه البخاري في الصلح من طريق محمد بن جعفر عن أبي حازم: (أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالحِجَارَةِ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ: «اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ»). وروَى في الأحكام من طريق حماد بن زيد أن توجهه كان بعد أن صلى الظهر. وروى الطبراني من طريق عمر بن علي عن أبي حازم أن الخبر جاء بذلك وقد أذَّن بلال لصلاة الظهر.
قوله: (فَحَانَتِ الصَّلَاةُ) أي صلاة العصر، وصرَّح به في الأحكام. ولفظه: (فَلَمَّا حَضَرَتْ صَلَاةُ العَصْرِ، فَأَذَّنَ بِلَالٌ وَأَقَامَ، وَأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ) ولم يبين فاعلَ ذلك، وقد أخرجه أبو داود في «سننه» بسند صحيح، ولفظه: كان قتالٌ بين بني عمرو بن عوف فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فأتاهم ليصلح بينهم بعد الظهر، فقال لبلال: «إن حضرتْ صلاةُ العصر ولم آتك فمُرْ أبا بكر فليصل بالناس»، فلما حضرت صلاة العصر أذن بلال ثم أقام ثم أمر أبا بكر فتقدم. وعُلم من ذلك أن المراد من قوله: (فَجَاءَ المؤَذِّنُ) هو: بلال.
قال شيخنا: وأخرجه أحمد وابن حبان من رواية حماد المذكورة، ونحوُه للطبراني من رواية موسى بن محمد عن أبي حازم.
قوله: (فَقَالَ) أي المؤذن الذي هو بلال.
قوله: (أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ؟) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل التقرير، وبهذا يندفع إشكال من يقول: هذا يخالف ما ذُكِر في رواية أبي داود من قوله: ثم أمَرَ أبا بكر فتقدم. لأنه يُحمل على أنه استفهمه هل يبادر أولَ الوقت أو ينتظر قليلًا ليأتي النبيُّ ﷺ، ورجح عند أبي بكر المبادرة، لأنها فضيلة محققة فلا تُترك لفضيلة متوهمة. قال شيخنا: وفي هذه الزيادة أي التي في رواية أبي داود رَدٌّ لما اختاره الروياني أن الإمام الراتب إذا غاب ولم يستنِبْ أحدًا أنَّ الحاضرين يقدمون منهم رجلًا يؤمُهم، واحتج مِن حديث الباب بفعل أبي بكر ولم ينكر النبي ﷺ ذلك، وقد أفادت الزيادة المذكورة أنَّ النبي ﷺ عَهِد إلى بلال أن يقدم أبا بكر إذا أبطأ هو عن العادة التي كان يصلي فيها، لأن محله إذا لم يقع من الإمام الراتب استنابةٌ.
قوله: (فَأُقِيمَ) قال الكِرماني: بالرفع والنصب، وسكت على ذلك. قال العيني: وجه الرفع على أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ تقديره: فأنا أقيمُ، ووجه النصب على أنه جواب الاستفهام، والتقدير: فأن أقيمَ؟
قوله: (قَالَ نَعَمْ) أي قال أبو بكر: نعم أقم الصلاة، وزاد في رواية عبد العزيز (^١) عن أبي حازم عن أبيه لفظة: (إِنْ شِئْتَ). وأخرج البخاري هذه الرواية في باب رفع الأيدي، ووجه هذا التفويض إليه لاحتمال أن يكون عنده زيادةُ علمٍ من النبي ﷺ في ذلك. قلت: قال علماء اللسان: نعم بفتح العين وكذا بكسرها، وهي حرفُ تصديقٍ ووعد وإعلام: فالأول: بعد الخبر كقام زيدٌ أو ما قام زيدٌ، والثاني: بعد افعل أو لا تفعل وما في معناهما نحو: أتفعل؟ وهلَاّ لم تفعل؟ وبعد الاستفهام في نحو: هل تعطيني؟ ويحتمل أن تفسر في هذا بالمعنى. والثالث: المعنيين بعد الاستفهام في نحو: هل جاءك زيد؟ ونحو: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤]، ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾؟ [الأعراف: ١١٣]. وهي في الحديث بالمعنى الثاني. انتهى.
قوله: (فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ) ليس على حقيقته، بل معناه دخل في الصلاة، ويدل عليه رواية عبد العزيز: (وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَكَبَّرَ) وفي رواية المسعودي عن أبي حازم: (فَاسْتَفْتَحَ أَبُو بَكْرٍ الصَّلَاةَ)، وهي عند الطبراني. وبهذا يجاب عن الفرق بين المقامين حيث امتنع هنا أن يستمرَّ إمامًا وحيث استمر في مرض موته ﵇ حين صلى خلفه الركعة الثانية من الصبح، كما صرح به موسى بن عقبة في «المغازي» فكأنه لَمَّا أن مضى معظم الصلاة حسُن الاستمرارُ، ولما أنْ لم يمض منها إلا اليسيرُ لم يستمر، وكذا وقع لعبد الرحمن بن عوف حيث صلى النبي ﷺ خلفه الركعة الثانية من الصبح، فإنه استمر في صلاته إمامًا لهذا المعنى، وقصة عبد الرحمن عند مسلم من حديث المغيرة بن شعبة.
قوله: (وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ) جملة حالية، يعني: شرعوا فيها مع شروع أبي بكر.
قوله: (فَتَخَلَّصَ) قال الكِرماني: صار خالصًا من الأشغال. قال العيني: ليس المراد هذا المعنى ههنا، بل معناه فتخلص من شق الصفوف حتى وصل إلى الصف الأول. انتهى. قال شيخنا: في رواية عبد العزيز: فجاء النبي ﷺ يمشي في الصفوف يشقها شقًا حتى قام في الصف الأول، ولمسلم: فخرَق الصفوف حتى قام عند الصف الْمُقَدَّم.
قوله: (فَصَفَّقَ النَّاسُ) بتشديد الفاء، من التصفيق. قال الكِرماني: التصفيق الضربُ الذي يُسمَع له صوت، والتصفيق باليد التصويتُ بها. انتهى. قال العيني: التصفيق هو التصفيحُ بالحاء سواءٌ صفَّق بيده أو صفح. وقيل: هو بالحاء الضربُ بظاهر اليد إحداهما على صفحة الأخرى، وهو للإنذار والتنبيه. وبالقاف: ضرب إحدى الصفحتين على الأخرى، وهو لَّلهو واللعب. وقال أبو داود: قال عيسى بن أيوب: التصفيحُ للنساء ضربٌ بإصبعين من يمينها على كفها اليسرى. وقال الداودي: في بعض الروايات: فصفَّح القوم. وإنما التصفيح للنساء. يحتمل أنهم ضربوا أكفهم على أفخاذهم. قال العيني: في رواية عبد العزيز: فأخذ الناس في التصفيح، قال سهل: أتدرون ما التصفيح؟ هو التصفيق. قال شيخنا: وهذا

(^١) في (الأصل): «عبد الرزاق» والصواب «عبد العزيز».

1 / 233