Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī
مزيد فتح الباري بشرح البخاري
Publisher
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
Publisher Location
https
Genres
•Commentaries on Hadiths
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
سنة ست وثلاثين ومائة وعمره مائة سنة وثلاث سنين.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ) أي ابن أبي موسى، ووهِمَ مَن قال: إنه أخوه. واسمه: عامر، ترجمته في باب أيُّ الإسلام أفضل.
قوله: (عَنْ أَبِي مُوسَى) أي الأشعري، عبد الله بن قيس، ترجمته في الباب أيضًا.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع، وبصيغة الإفراد في موضعين، وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع. وفيه: القول في ثلاث مواضع، وفيه: نسبة الراوي إلى جده وهو شيخ البخاري، وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي، وفيه: أن رواته كلهم كوفيون سوى شيخ البخاري. وفيه: أن شيخه من أفراده.
قال شيخنا: والظاهر أن حديث أبي موسى من مراسيل الصحابة، ويحتمل أن يكون تلقَّاه عن عائشة أو بلال.
قوله: (قَالَ: مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، قَالَ: «مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»، فَعَادَتْ، فَقَالَ: «مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ»، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ.
مطابقته للترجمة ظاهرة، فإن أبا بكر أفضلُ الصحابة ﵃.
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في أحاديث الأنبياء ﵈، عن الربيع بن يحيى، وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة.
قد ذكرنا أكثر معاني هذا الحديث وما يتعلق به في باب حد المريض أن يشهد الجماعة، فإنه روَى هذا الحديث هناك من حديث الأسود عن عائشة، وبَيَّنَّا هناك ما ذُكِر فيه من اختلاف الروايات.
قوله: (رَقِيقٌ) أي رقيق القلب.
قوله: (لَمْ يَسْتَطِعْ) أي من البكاء لكثرة الحزن ورقة القلب.
قوله: (فَعَادَتْ) أي: عائشة إلى مقالتها الأولى.
قوله: (فَإِنَّكُنَّ)، الخطابُ لجنس عائشة، وإلا فالقياس أن يقال: إنكِ، بلفظ المفرد.
قوله: (فَأَتَاهُ الرَّسُولُ) أي فأتى أبا بكر رسولُ النبيِّ ﷺ بتبليغ الأمر بصلاته بالناس، وكان الرسولُ هو بلال.
قوله: (فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ أي إلى أن مات، وكذا صرَّح به موسى بن عقبة في «المغازي».
فيه: دلالة على فضل أبي بكر ﵁. وفيه: أن أبا بكر صلى بالناس في حياة النبي ﷺ، وكانت في هذه الإمامة - التي هي الصغرى - دلالة على الإمامة الكبرى.
وفيه: أن الأحق بالإمامة هو الأعلم، واختلف العلماء فيمن هو أولى بالإمامة، فقالت طائفةٌ: الأفقهُ، وبه قال أبو حنيفة ومالك والجمهور. وقال أبو يوسف وأحمد وإسحاق: الأقرأُ، وهو قول ابن سيرين وبعضِ الشافعية، ولا شك في اجتماع هذين الوصفين في حق الصِّديق، ألا ترى إلى قول أبي سعيد:
وكان أبو بكر أعلمَنا، ومراجعة الشارع بأنه هو الذي يصلي يدل على ترجيحه على جميع الصحابة وتفضيله. فإن قلتَ: في حديث أبي مسعودٍ البدري الثابت في مسلم: «يؤم (^١) القوم أقرؤهم لكتاب الله» يعارض هذا؟ قال العيني: لا، لأنه لا يكاد يوجد إذ ذاك قارئ إلا وهو فقيه. انتهى. وأجاب بعضهم: بأن تقديم الأقرأ كان في أول الإسلام حين كان حفاظ الإسلام قليلًا، وقد قُدِّمَ عمرو بن سلمة وهو صغير على الشيوخ لذلك، وكان سالم يؤم المهاجرين والأنصار في مسجد قباء حين أقبلوا من مكة لعدم الحُفَّاظِ حينئذ، وقال الحنفيةُ: أولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسُّنَّة، أي بالفقه والأحكام الشرعية إذا كان يُحسِن من القراءة ما تجوز به الصلاة، وهو قول الجمهور، وإليه ذهب عطاء والأوزاعي ومالك والشافعي. وعن أبي يوسف: أقرأ الناس أولى بالإمامة، يعني: أعلمهم بالقراءة وكيفية أداء حروفها ووقوفها وما يتعلق بالقراءة، وهو أحد الوجوه عند الشافعية. وفي «االمبسوط» وغيرِه: إنما قدم الأقرأ في الحديث لأنهم كانوا في ذلك الوقت يتَلَقَّوْنَه (^٢) بأحكامه، حتى روي أن ابن عمر حفظ سورة البقرة في اثني عشرة سنة، فكان الأقرأ فيهم هو الأعلم بالسنة والأحكام. وعن ابن عمر أنه قال: ما كانت تنزل السورة على رسول الله ﷺ إلا ويُعلم أمرُها ونهيُها وزجرُها وحلالُها وحرامُها، والرجل اليوم يقرأ السورة ولا يعرف من أحكامها شيئًا.
فإن قلتَ: لما كان أقرؤُهم أعلمَهم فما معنى قوله ﵇: «فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة»، وأقرؤهم هو: أعلمهم بالسنة في ذلك الوقت لا محالة على ما قالوا؟ قال العيني: المساواة في القراءة توجيهًا في العلم في ذلك الزمان ظاهرًا لا قطعًا، فجاز تصور مساواة الإثنين في القراءة مع التفاوت في الأحكام، ألا ترى أن أُبَيَّ بن كعب ﵁ كان أقرأ وابن مسعود كان أعلم وأفقه. وفي «االنهاية»: اشتغل بحفظ القرآن ستة: أبو بكر وعثمان وعلي وزيد وأُبَيَّ بن كعب وابن مسعود ﵃، وعمر ﵁ كان أعلم وأفقه من عثمان، ولكن كان يعسُر عليه حفظ القرآن، فجرى كلامه ﵇ على الأعم الأغلب.
فإن قلتَ: الكلام في الأفضلية مع الاتفاق على الجواز على أي وجه كان، وقوله ﷺ: «فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة» بصيغته تدل على عدم جواز إمامة الثاني عند وجود الأول، لأن صيغته صيغة إخبار، وهو في اقتضاء الوجوب آكد من الأمر، وأيضًا فإنه ذَكَره بالشرط والجزاء فكان اعتبارُ الثاني إنما كان بعد وجود الأول لا قبله. قال العيني: صيغة الإخبار لبيان الشرعية لا أنه لا يجوز
(^١) في (الأصل): «يقوم» والصواب «يؤم».
(^٢) في (الأصل): «ينقلونه» والصواب «يتلقونه».
1 / 228