Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī
مزيد فتح الباري بشرح البخاري
Publisher
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
Publisher Location
https
Genres
•Commentaries on Hadiths
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
ومرادُها زيادةٌ على ذلك، وهو أنه لا يتشاءم الناسُ به، وقيل: لأنها علمت أن الناس علموا أن أباها يصلح للخلافة فإذا رأوه استشعروا بموت رسول الله ﷺ بخلاف غيره.
قال شيخنا: وقد صرحت عائشة فيما بعدَ ذلك بقضية التشاؤم فقالت: لقد راجعتُه وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعدَه رجلًا قام مقامَه أبدًا. الحديث، وسيأتي بتمامه في باب وفاة النبي ﷺ في أواخر المغازي إن شاء الله تعالى، وأخرجه مسلم أيضًا، قال شيخنا: وبهذا التقدير يندفع إشكال من قال: إن صواحب يوسف لم يقع منهن إظهارٌ يخالف ما في الباطن، قلت: مراد شيخنا بقوله: وبهذا التقدير... إلى آخر قوله إن المراد بصواحب يوسف زليخا فقط. انتهى. قال: ووقع في مرسل الحسن عند ابن أبي خُثَيمة أن أبا بكر ﵁ أمر عائشة أن تكلم النبي ﷺ أنْ يَصرف ذلك عنه، فأرادت التوصُّل إلى ذلك بكل طريق فلم يَتِمَّ، ووقع في «أمالي ابن عبدالسلام» أن النسوة أتين امرأة العزيز يظهرن (^١) تعنيفها ومقصودُهن في الباطن أن يدعون يوسف إلى أنفسهن، كذا قال، وليس في سياق الآية ما يساعد ما قاله.
فائدة: زاد حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم في هذا الحديث أن أبا بكر هو الذي أمر عائشة أن تشير على رسول الله ﷺ بأن يأمر عمر بالصلاة، أخرجه الدورقي في «مسنده»، وزاد مالك في روايته التي ذكرناها فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منكِ خيرًا، ومثلُه للإسماعيلي في حديث الباب، وإنما قالت حفصةُ ذلك لأن كلامها صادف المرةَ الثالثة من المعاودة وكان ﷺ لا يراجَع بعدَ ثلاثٍ، فلما أشار إلى الإنكار عليها بما ذَكَر من أنهن صواحبُ يوسف وجدت حفصة في نفسها من ذلك لكون عائشة هي التي أمرتها بذلك، ولعلها تذكرت ما وقع لها معها أيضا في قصة المغافير كما سيأتي في موضعه. انتهى.
قوله: (فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ) وفي رواية الكُشْمِيهَني: (لِلنَّاسِ).
قوله: (فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي) فإن قلت: كيف تتصور الصلاة وقت الخروج؟ يقال: لفظُ يصلي، وقع حالا من الأحوال المنتظرة. وفي رواية: (فَصَلَّى)، بفاء العطف، وهي رواية المستملي والسَّرَخْسي، ورواية غيرهما: (يُصَلِّي) بالياء آخر الحروف، وظاهرُه أنه شرع في الصلاة، ويحتمل أنه تهيأ لها، ويؤيده رواية الأكثرين لأنه حال، ففي حالة الخروج كان متهيأً للصلاة ولم يكن مصليًا.
فإن قلتَ: في رواية أبي معاوية عن الأعمش: فلما دخل في الصلاة، يقال: يحتمل أن يكون المعنى: فلما أراد الدخول في الصلاة، أو: فلما دخل في مكان الصلاة، وفي رواية موسى بن أبي عائشة: فأتاه الرسولُ، أي بلالٌ لأنه هو الذي أعلَمَ بحضور الصلاة. وفي رواية: فقال له: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصليَ بالناس. فقال
(^١) في (الأصل): «يظهر» والصواب «يظهرن».
أبو بكرٍ -وكان رجلًا رقيقًا-: يا عمر صل بالناس. فقال له عمر: أنت أحق بذلك. وقولُ أبي بكر هذا لم يُرِدْ به ما أرادت عائشة. قال النووي: تأولَّه بعضهم على أنه قال ذلك تواضعًا وليس كذلك، بل قاله للعذر المذكور، وهو أنه رقيق القلب كثيرُ البكاء، فخشيَ ألّا يُسمع الناس. وقيل: يحتمل أن يكون فهم ﵁ من الإمامةِ الصغرى الإمامةَ الكبرى، وعلم ما في تحمُّلها من الخطر، وعلم قوة عمر ﵁ على ذلك فاختاره. ويؤيده أنه عند البيعة أشار عليهم أن يبايعوه أو يبايعوا أبا عبيدة بن الجراح.
قلت: ويحتمل أن أبا بكر ﵁ أراد بذلك تطييب قلب عمر وتسكين خواطر المأمومين، لكون النبي ﷺ منع عمر من الإمامة مع وجود أبي بكر ﵄، فكأنه يقول له: يا عمر وإن قدمَني النبيُّ ﷺ عليك فأنا راض بتقديمك عَلَيَّ، فإنَّ قول أبي بكر: يا عمر صلِّ بالناس يدل على رضاه بأن يكون إمامًا له في الصلاة وقد عُلِم من تقديم النبي ﷺ لأبي بكر على عمر فضلُه عليه فيكون رضي مَن عمر أفضل منه من باب أولى. انتهى.
قوله: (فَوَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً) ظاهرُه أنه ﵇ وجدها في تلك الصلاة بعينها، ويحتمل أن يكون ذلك بعدَها. وفي رواية موسى بن أبي عائشة: فصلى أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول الله ﷺ وجد من نفسه خفة، فعلى هذا لا يتعين أن تكون الصلاة المذكورة هي العشاء.
قوله: (يُهَادَى) بلفظ المجهول من المفاعلة، يقال: جاء فلان يهادَى بين اثنين، إذا كان يمشي بينهما معْتمدًا عليهما من ضعفه، متمايلًا إليهما في مشيه من شدة الضعف، والتهادي التمايل في المشي البطيء.
قوله: (بَيْنَ رَجُلَيْنِ) سيأتي في الحديث الثاني من حديثَيْ الباب أنهما العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب ﵄، وقد مر في بيان اختلاف الروايات: فخرج بين بَرِيرة ونُوبَة، بضم النون وفتح الباء الموحدة، وكان عبدًا أسود، ويدل عليه حديث سالم بن عبيد في «صحيح ابن خزيمة» بلفظ: فخرج بين بَرِيرة ورجلٍ آخر، قال شيخنا: وذكره بعضُهم في النساء الصحابيات فوهِم، وإنما هو عبد أسود كما وقع عند (^١) سيف في كتاب «الردة»، ويؤيده حديث سالم بن عبيد أي المذكور، قال العيني: أراد بالبعضِ الذهبيَّ، فإنه ذكر نُوبة في باب النون في الصحابيات، وقال: خرج رسول الله ﷺ، في مرضه بين بريرة ونُوبة، وإسناده جيد، وقد علمتَ أن الذهبي من جهابذة المتأخرين لا يجارىَ في فنِّه.
قلت: هذا مشهورٌ بين أئمة الفن وغيرهم، لكن لا يلزم من ذلك عدم وهمِه، بل هذا شيء لا ينفك
(^١) في (الأصل): «عبد» والصواب «عند»، وسيف بن عمر التميمي له كتاب الردة والفتوح.
1 / 215