216

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

عنه غالبُ أهل العلم. انتهى.
قوله: (تَخُطَّانِ الأَرْضَ) أي: لم يكن يَقدر على رفعهما من الأرض، وسقط لفظ الأرض من رواية الكُشْمِيهَني، وفي رواية عاصم المذكورة عند ابن حبان: إني لأنظر إلى بطون قدميه.
قوله: (فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ) زاد أبو معاوية عن الأعمش: فلما سمع أبو بكر حسَّه، وفي رواية أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس في هذا الحديث: فلما أحس الناس به سبَّحوا، أخرجه ابن ماجه وغيرُه بإسناد حسن.
قوله: (أَنْ مَكَانَكَ) كلمة أنْ، بفتح الهمزة وسكون النون، ومكانَك، منصوبٌ على معنى: الزم مكانك، وفي رواية عاصم: أن اثبت مكانك، وفي رواية موسى بن أبي عائشة: فأومأ إليه بأن لا يتأخر.
قوله: (ثُمَّ أُتِيَ بِهِ) كذا هنا بضم الهمزة أي: أُتي برسول الله ﷺ. وفي رواية موسى بن أبي عائشة أن ذلك بأمرِه ولفظه، فقال: «أجلساني إلى جنبه» فأجلساه، وعيَّن أبو معاوية عن الأعمش بإسنادِ حديث الباب كما سيأتي بعد أبواب مكانَ الجلوس فقال في روايته: حتى جلس عن يسار أبي بكر، وهذا هو مقام الإمام وسيأتي القول فيه، وأغربَ القرطبيُّ شارحُ مسلم لما حكى الخلافَ: هل كان أبو بكر إمامًا أو مأمومًا؟ فقال: لم يقع في الصحيح بيانُ جلوسِه ﷺ هل كان عن يمين أبي بكر أو عن يساره. انتهى. وروايةُ أبي معاوية هذه عند مسلمٍ أيضًا، قال شيخنا: فالعجب منه كيف يغفل عن ذلك في حال شرحه له.
قوله: (فقِيلَ لِلْأَعْمَشِ) أي سليمان، ويروى: (قِيلَ) بدون الفاء، وظاهرُ هذا أنه منقطعٌ لأن الأعمش لم يسنده، لكن في رواية أبي معاوية عنه ذكر ذلك متصلًا بالحديث، وكذا في رواية موسى بن أبي عائشة وغيرها.
ذِكْرُ ما يستفاد من هذه القصة، وهو على وجوه:
الأول: فيه الإشارة إلى تعظيم الصلاة بالجماعة.
الثاني: فيه تقديم أبي بكر وترجيحه على جميع الصحابة.
الثالث: فيه فضيلة عمر بن الخطاب بعده.
الرابع: فيه جواز الثناء في الوجه لمن أمِن على نفسه الإعجاب.
الخامس: فيه ملاطفة النبي ﷺ لأزواجه وخصوصا لعائشة.
السادس: في هذه القصة وجوب القسْم على النبي ﷺ حيث قال فيها: فأذِنَّ له، أي: فأذنت نساؤه له بالتمريض في بيت عائشة على ما سيأتي.
السابع: جواز مراجعة الصغير للكبير.
الثامن: المشاورة في الأمر العام.
التاسع: الأدب مع الكبير، حيث أراد أبو بكر التأخرَ عن الصف.
العاشر: البكاء في الصلاة لا يبطلها وإن كثر، وذلك لأنه ﵇ علم حال أبي بكر في رقة القلب وكثرة البكاء ولم يَعدِل عنه، ولا نهاه عن البكاء. قال العيني: وأما في هذا الزمان فقد قال أصحابنا -أي الحنفية-: إذا بكى في الصلاة فارتفع بكاؤه، فإن كان من ذِكْرِ الجنة والنار لم يقطع صلاته، وإن كان من وجعٍ في بدنه
أو مصيبةٍ في ماله أو أهلِه قطعها (^١)، وبه قال مالك وأحمد، وقال الشافعي ﵁: البكاء والأنين والتأوه تبطل الصلاة إذا كانت حرفين، سواء بكى للدنيا أو الآخرة.
الحادي عشر: أن الإيماء يقوم مقام النطق، لكن يحتمل أن اقتصار النبي ﷺ على الإشارة أن يكون لضعف صوته، ويحتمل أن يكون للإعلام بأنَّ مخاطبةَ مَن يكون في الصلاة بالإيماء أولى من النطق.
الثاني عشر: فيه تأكيدُ أمر الجماعة والأخذ فيها بالأشد، وإن كان المرض يرخص في تركها، ويحتمل أن يكون فَعَل ذلك لبيان جواز الأخذ بالأمثل، وإن كانت الرخصة أولى.
الثالث عشر: استدل به الشعبي على جواز ائتمام بعض المأمومين ببعض، قال العيني: وهو مختار الطبري أيضا، وأشار إليه البخاري كما يأتي إن شاء الله تعالى، ورُدَّ بأن أبا بكر ﵁ كان مبلغًا، وعلى هذا فمعنى الاقتداء اقتداؤهم بصوته، والدليل عليه أنه ﵇ كان جالسًا وأبو بكر كان قائمًا، فكان بعضُ أفعاله تخفى على بعض المأمومين، فلأجل ذلك كان أبو بكر كالإمام في حقهم.
الرابع عشر: استدل به البعض على جواز استخلاف الإمام لغير ضرورة، لصنع أبي بكر ﵁.
الخامس عشر: استدل به البعض على جواز مخالفة موقف المأموم للضرورة، كمن قصد أن يبلِّغ عنه، ويلتحق به من زُحِم عن الصف.
السادس عشر: فيه اتِّباعُ صوتَ المكبر، وصحةُ صلاة المستمع والسامع، ومنهم من شرَط في صحته تقدُّمَ إذن الإمام.
السابع عشر: استدل به الطبري على أن للإمام أن يقطع الاقتداء به ويقتدي هو بغيره من غير أن يقطع الصلاة.
الثامن عشر: فيه جواز إنشاء القدوة في أثناء الصلاة.
التاسع عشر: استدل به البعض على جواز تقدُّم إحرام المأموم على الإمام، بناءً على أن أبا بكر كان دخل في الصلاة ثم قطع القدوة وائتم برسول الله ﷺ، والدليل عليه ما رواه أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس: فابتدأ النبي ﷺ القراءة من حيث انتهى أبو بكر، كما قدمناه.
العشرون: استُدِل به على صحة صلاة القادر على القيام قائمًا خلف القاعد، خلافًا للمالكية وأحمد، حيث أوجب القعود على من يصلي خلف القاعد. وقال العيني: يصلي القائمُ خلف القاعد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قال الشافعي ومالك في رواية، وقال أحمد والأوزاعي: يصلون خلفه قعودًا، وبه قال حماد بن زيد وإسحاق وابن المنذر، وهو المروي عن أربعة من الصحابة وهم: جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأسيد بن حضير وقيس بن فهد، حتى لو صلوا قيامًا لا يجزئهم، وعند محمد بن الحسن: لا تجوز صلاة القائم خلف القاعد، وبه قال مالك في رواية ابن القاسم عنه وزفر.
الحادي والعشرون:

(^١) في (الأصل): «قطعًا» والصواب «قطعها».

1 / 216