214

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: «أحضرت الصلاة؟» قلن: نعم. قال: «مروا بلالًا فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس»، ثم أغمي عليه. فذكر الحديث. وفيه: «أقيمت الصلاة؟» قلن: نعم. قال: «جيئوني بإنسان أعتمد عليه»، فجاؤوا ببريرة ورجل آخر فاعتمد عليهما. ثم خرج إلى الصلاة، فأُجلِس إلى جنب أبي بكر فذهب أبو بكر يتنحى، فأمسكه حتى فرغ من الصلاة.
وفي كتاب عبد الرزاق: أخبرني ابن جريج أخبرني عطاء قال: اشتكى رسول الله ﷺ فأمر أبا بكر فصلى بالناس، فصلى النبي ﷺ للناس يومًا قاعدًا وجعل أبا بكر وراءه بينَه وبين الناس، قال: وصلى الناسُ وراءه قياماَ، فقال النبي ﷺ: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما صليتم إلا قعودًا، فصلُّوا صلاة إمامكم ما كان، إنْ صلى قائمًا فصلُّوا قيامًا وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا».
وعند أبي داود من حديث عبد الله بن زمعة: فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكرٍ غائبًا، فقال: قم يا عمر فصل بالناس، فتقدمَ فلما سمع رسول الله ﷺ صوتَه قال: «أين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون». فبعث إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى أبو بكر بالناس. قوله: (وَالتَّعْظِيمَ لَهَا) بالنصب عطفا على المواظبة. قوله: (مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ) قال شيخنا: سيأتي الكلام عليه مبيَّنًا في آخر المغازي في سببه ووقتِ ابتدائه وقدرِه، وقد بيَّن الزهريُّ في روايته كما في الحديث الآتي من هذا الباب أن ذلك كان بعد ما اشتد به المرض واستقر في بيت عائشة ﵂. انتهى.
قوله: (فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ) هي العشاء كما في رواية موسى بن أبي عائشة الآتية في باب إنما جعل الإمام ليؤتمَّ به، وسنذكر هناك الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى، قال العيني: وفي رواية أخرى أن هذه الصلاة صلاةُ الظهر، وفي مسلم: خرج لصلاة العصر.
قوله: (فَأُذِّنَ لَهُ) على صيغة المجهول مِن التأذين. قال شيخنا: وفي رواية الأصيلي: (وَأُذِّنَ) بالواو، وهو أوجه، والمراد به أذان الصلاة ويحتمل أن يكون معناه: أُعلِمَ، ويقويه رواية أبي معاوية عن الأعمش الآتية في باب الرجل يأتم بالإمام، ولفظه: جاء بلال يؤْذِنه بالصلاة. انتهى.
قال العيني: لم يبيِّن ما وجه الأوجهية، بل الفاء أوجه على ما لا يخفى. انتهى.
قلت: لم يبيِّن العيني أيضًا ما وجه الأوجهية، فما تَعَقَّب به تُعُقِّب به عليه. انتهى.
قوله: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ) أصلُه: اؤمروا، لأنه من أَمَرَ فحذفت الهمزة للاستثقال واستغني عن الألف فحذفت، فبقي مُروا على وزن عُلوا، لأن المحذوف فاءُ الفعل. وقال الكِرماني: وهذا أمرٌ من رسول الله ﷺ لأبي بكر، ولفظ مُروا، يدل على أنهم الآمِرون لا رسولُ الله ﷺ، ثم أجاب بقوله: الأصح عند الأصولي أن المأمور بالأمر بالشيء ليس آمرًا به، سِيَما وقد صرح النبيُّ ﷺ
بقوله ههنا بلفظ الأمر، حيث قال: فليصل. قال العيني: هذه مسألة معروفة في الأصول، وفيها خلاف. فبعضهم قال: إن الأمر به بالشيء يكون أمرًا به، ومنهم من منع ذلك، وقالوا: معناه: بلِّغوا فلانًا أني أمرته. قال شيخنا: وفصْلُ النزاع أنَّ النافي إن أراد أنه ليس آمرًا حقيقةً فمُسَلَّمٌ لأنه ليس فيه صيغة أمرٍ للثاني، وإن أراد أنه لا يستلزم فمردود والله أعلم.
قوله: (فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ) الفاء فيه للعطف، تقديره: فقولوا له قَوْلي لِيُصَلِّ.
قوله: (فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ) قائل ذلك هي عائشة كما جاء في بعض الروايات الآتية.
قوله: (أَسِيفٌ) على وزن: فعيل بمعنى فاعل، من الأسف وهو شدة الحزن، والمراد أنه رقيقُ القلب سريعُ البكاء، ولا يستطيع لغلبة البكاء وشدة الحزن، والأسفُ عند العرب شدة الحزن والندم، يقال منه: أسف فلان على كذا يأسف (^١) إذا اشتد حزنُه، وهو رجل أسيف وأَسوف، ومنه قول يعقوب ﵇: ﴿يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف:٨٤] يعني: واحُزناه واجَزَعاه تأسفًا وتوجعًا لفقده، وقيل: الأسيف: الضعيفُ من الرجال في بطشه. وأما الآسف فهو: الغضبان المتلهف. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف:١٥٠]، وسيأتي بعد ستة أبواب من حديث ابن عمر في هذه القصة: فقالت له عائشة: إنه رجل رقيق القلب إذا قرأ غلبه البكاء. ومن رواية مالك عن هشام عن أبيه عنها بلفظ: قالت عائشة: قلت: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يُسمع الناس من البكاء، فمُرْ عمر، كما ذكرنا عن قريب.
قوله: (وَأَعَادَ) أي رسولُ الله ﷺ، مقالته في أبي بكر بالصلاة.
قوله: (فَأَعَادُوا لَهُ) أي من كان في البيت، يعني الحاضرون له مقالتَه (^٢) في كون أبي بكر أسيفا. قال شيخنا: والمخاطِب بذلك عائشة كما ترى، لكن جمَعَ لأنهم كانوا موافقين لها على ذلك، ووقع في حديث أبي موسى بالإفراد، ولفظه: فعادت. ولابن عمر: فعاودته. انتهى.
قوله: (فَأَعَادَ الثَّالِثَةَ) أي فأعاد ﵇ المرةَ الثالثة من مقالته تلك. وفي رواية أخرى: فراجعتُه مرتين أو ثلاثة.
وفي قوله: (إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ) حذفٌ بيَّنَهُ مالكُ في روايته المذكورة، وأن المخاطِب له حينئذٍ حفصةُ بنت عمر بأمرِ عائشةَ وفيه أيضًا: فمُرْ عمرَ، فقال: «مه إنكن لأنتن صواحبُ يوسف»، وصواحبُ جمع صاحبة على خلاف القياس، وهو شاذ. قاله العيني. والمراد أنهن مثلُ صواحب، في إظهار خلافِ ما في الباطن، ثم إن هذا الخطاب وإن كان بلفظ الجمع فالمراد به واحدٌ وهي عائشة فقط، كما أن صواحب صيغة جمعٍ، والمراد زليخا فقط، ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن زليخا استدعت النسوة وأظهرتْ لهن الإكرامَ بالضيافة ومرادُها زيادةٌ على ذلك، وهو أن ينظرن إلى حُسْنِ يوسف ويعذرْنها في محبته، وأن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرفُ الإمامة عن أبيها كونُه لا يُسمع المأمومين القراءةَ لبكائه،

(^١) في (الأصل): «تأسف» والصواب «يأسف».
(^٢) كذا في (الأصل): «مقالته» ولعل الصواب «مقالتهم».

1 / 214