211

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

بالضعف، لأن كثيرًا من علل الضعف يوجد في الصالحين، وعن ابن مسعود أنه دخل المسجد وقد أقيمت صلاة الصبح فركع ركعتي الفجر إلى أسطوانة بمحضر حذيفة وأبي موسى، قال ابن بَطَّال: ورُوي مثلُه عن عمر بن الخطاب وأبي الدرداء وابن عباس، وعن ابن عمر أنه أتى المسجد لصلاة الصبح فوجد الإمام يصلي، فدخل بيت حفصة فصلى ركعتين ثم دخل في صلاة الإمام، وعند ابن أبي شيبة عن إبراهيم كان يقول: إن بقي من صلاتك شيء فأتممه، وعنه: إذا افتتحتَ الصلاة تطوعًا وأقيمت الصلاة فأتمّ.
الثاني: من الوجوه في حكمة إنكار النبي ﷺ الصلاةَ عند إقامة الفرض، فقال عياض: لئلا يتطاول الزمانُ فيُظن وجوبُها، ويؤيده قوله ﵇ فيما رواه مسلم من حديث إبراهيم بن سعد: «يوشك أحدكم أن يصلي الصبح أربعًا»، وقد ذكرناه عن قريب، وعلى هذا إذا حصل الأمنُ لا يُكره ذلك، قال شيخنا: وهو متعقَّب بحديث الترجمة، قال العَيْنِي: قولُه تعالى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣] يخُص هذا، مع ما روي من هؤلاء الصحابة المذكورين آنفًا، وقال شيخنا أيضًا: وقيل لئلا تلتبس صلاةُ الفرض بالنفل، وإلى هذا جنح الطحاويُّ واحتج له، ومقتضاه أنه لو كان خارج المسجد أو في زاويةٍ منه لم يُكره، وهو متعقب أيضًا بما ذُكِر، قال العَيْنِي: دعواه التَعقُّب متعَقبةٌ لأن الأصل في النصوص التعليلُ، وهو وجهُ الحكمةِ، فالعلة في حديث الترجمة هي كونه جامعًا بين الفرض والنفل في مكان واحد، فإذا صلى خارج المسجد أو في زاوية منه لا يلزم ذلك، وهو كنهيه ﵇ من صلى الجمعة أن يصلي بعدها تطوعًا في مكان واحد، كما نهى من صلى الجمعة أن يتكلم أو يتقدم.
قال شيخنا أيضًا: وذهب بعضهم إلى أن سبب الإنكار عدم الفصل بين الفرض والنفل لئلا تلتبسان، وإلى هذا جنح الطحاوي واحتج له بالأحاديث الواردة بالأمر بذلك، ومقتضاه أنه لو كان في زاوية المسجد لم يكره، وهو متعقب بما ذكرنا، إذ لو كان المراد مجرد الفصل بين الفرض والنفل لم يحصل إنكارٌ أصلًا، لأن ابن بُحَيْنة سلَّم من صلاته قطعًا ثم دخل في الفرض، قال العَيْنِي: ذَكَر شيئا لا يجدي لرده ما قاله الطحاوي، فلو نقل ما رواه الطحاوي أيضًا لكان علم أن رده ليس بشيء، وهو أنه رَوى بسنده أن رسول الله ﷺ مرَّ بابن بُحَيْنة وهو يصلي بين يدي نداء (^١) الصبح فقال: «لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة الظهر واجعلوا بينهما فصلًا»، فما بان بهذا أن الذي كرهه رسول الله ﷺ لابن بُحَيْنة وصْلُه إياها بالفريضة في مكان واحد دون أن يفصِل بينهما بشيء يسير، يُعلَم بذلك أنه ما اعتبر الفصل اليسير والسلامَ منه، وكان سببَ الكراهة الوصلُ بين الفرض والنفل في مكان واحد، والاعتبارُ بالفصل بالسلام، فمقتضى ذلك أنْ لا يُكره خارجَ المسجد ولا في زاويةٍ منه وهذا هو التحقيق

(^١) في (الأصل): «بين نداء» والصواب «بين يدي نداء».
في استنباط (^١) الأحكام من النصوص، وليس ذلك بالتحسيس من الخارج. انتهى.
قلت: لا شك في قوة شيخنا في استنباط الأحكام من النصوص، ومن تأمل سياق كلامه في هذا الباب وفي الباب الذي قبله علم ذلك، وغالب ما قاله العَيْني ﵀ متعقِّبًا به كلامَ شيخنا فيه نظر، غيرَ أنه أطال وبِرَدِّه يطول الأمرُ لكن نُنَبِّه بشيءٍ يدل على ذلك، قال شيخنا عقب قوله لأن ابن بُحَيْنة سلَّم من صلاتِه قطعًا ثمَّ دخل في الفرض: ويدل على ذلك حديث قيس بن عمر، والذي أخرجه أبو داود وغيره أنه صلى ركعتين الفجر بعد الفراغ من صلاة الصبح متصلًا بها فدل على أن الإنكار على ابن بُحَيْنة إنما كان للتنفيل حالَ صلاةِ الفرض، وهو موافق لعموم حديث الترجمة، وقال ابن عبد البرِّ وغيرُه: الحجة عند التنازع للسنة فمن أولى بها فقد أفلح، وتَركُ التنفل عند إقامة الصلاة ويداركها (^٢) بعد قضاء الفرض أقرب إلى اتباع السنة، ويتأيد ذلك من حيث المعنى بأن قوله في الإقامة: حيَّ على الصلاة معناه هلموا إلى الصلاة، أي التي تقام لها، فأسعد الناس بامتثال هذا الأمر من لم يتشاغل عنه بغيره.
وقال النووي: الحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع عقب شروع الإمام، والمحافظةُ على مكملات الفريضةِ أولى من التشاغل بالنافلة، وهذا يليق بقول من يرى بقضاء النافلة ومن ثَم قال من لا يرى بذلك إذا علم أنه يدرك الركعة الأولى مع الإمام، وقال بعضهم: الأخيرة، لم يكره له التشاغل بالنافلة بشرط الأمن من الالتباس كما تقدَّم، والأولُ عن المالكية والثاني عن الحنفية ولهم في ذلك سلفٌ عن ابن مسعودٍ وغيرِه، وكأنهم لما تعارض عندهم الأمرُ بتحصيل النافلة والنهي عن إيقاعها في تلك الحال جمعوا بين الأمرين بذلك. انتهى.
فانظر -رحمك الله- إلى هذه العبارةِ التي جمع شيخنا فيها جُمَلًا مما قدمناه بأوجز مقالةٍ وألطف إشارةٍ وقال أيضًا واستدل بعموم قوله: «فلا صلاة إلا المكتوبة» لمن قال بقطع النافلة إذا أقيمت الفريضةُ، وقد قدمنا أنه قول الظاهرية، قال: وبه قال أبو حامد - أي الغزالي- وغيرُه من الشافعية، وخص آخرون النهيَ بمن ينشئ النافلةَ عملًا بقوله ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، وقيل: يُفَرَّقُ بين من يخشى فوْت الفريضة في الجماعة فيقطَعُ وإلا فلا، واستدل بقوله: التي أقيمت، بأن المأموم لا يصلي فرضًا ولا نفلًا خلف من يصلي فرضًا آخر كالظهر مثلًا خلف من يصلي العصر، وإن جازت إعادةُ الفرض خلف من يصلي ذلك الفرض. انتهى.
الوجه الثالث: أن قوله في الترجمة (إِلَّا المَكْتُوبَةَ) أي المفروضة، يشمل الحاضرةَ والفائتة كما تقدَّم، ولكن المراد الحاضرة، وصرح بذلك أحمد والطَّحاوي من طريقٍ أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وقد تقدم عن قريب.
قوله:

(^١) كذا في (الأصل): «الاستنباط» والصواب «استنباط».
(^٢) كذا في (الأصل): «يداركها» ولعلها «تداركها».

1 / 211