210

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

قوله: (الصُّبْحَ أَرْبَعًا) بهمزة ممدودة في أوله، ويجوز قصرها، وهو استفهام للإنكار التوبيخي، و(الصُّبْحَ) منصوب بإضمار فعل مقدر تقديره: أتصلي الصبح، وقال الكِرماني: ويجوز الصبحُ بالرفع، أي الصبحُ تصلي أربعًا، قال العَيْنِي: يكون الصبح على هذا مبتدأً.
وقوله: (تُصَلِّي (^١) أَرْبَعًَا) جملةٌ وقعت خبرًا والضمير محذوف لأن تقديره تصليه أربعًا، والضمير الذي يقع مفعولًا حذفه شائع ذائع، وانتصاب (أَرْبَعًَا) على الحال، قاله ابن مالك، وقال الكِرماني: على البدلية، قال العَيْنِي: يكون بدل الكل من الكل لأن الصبح صار في معنى الأربع، ويجوز أن يكون بدل الكل من البعض لأن الأربع ضِعف صلاة الصبح، ويجوز أن يكون بدل الاشتمال لأن الذي صلاها الرجل أربع ركعات في المعنى.
ذِكرُ ما يستفاد من هذا الحديث، وهو على وجوه:
الأول: اختُلف فيمن دخل المسجد لصلاة الصبح فأقيمت الصلاة هل يصلي ركعتي الفجر أم لا؟ فكرهت طائفة أن يركع ركعتي الفجر في المسجد والإمامُ في صلاة الفجر محتجين بهذا الحديث، وروي ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة وسعيد بن جبير وعروة وابن سيرين وإبراهيم وعطاء والشافعي وأحمد واسحاق وأبي ثور، وقالت طائفة: لا بأس أن يصليها خارج المسجد إذا تيقن أنه يدرك الركعة الأخيرة مع الإمام، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي إلا أن الأوزاعي أجاز أن يركعهما في المسجد، وقال الثوري: إن خشي فوت ركعة دخل معه ولم يصليهما وإلا صلاهما في المسجد، وقال صاحب «الهداية»: ومن انتهى إلى الإمام في صلاة الفجر وهو لم يصل ركعتي الفجر إن خشي أن يفوته ركعة -يعني من صلاة الفجر- لاشتغاله بالسنة ويدرك الركعة الأخرى -وهي الثانية- يصلي ركعتي الفجر عند باب المسجد ثم (^٢) يدخل المسجد، لأنه أمكنه الجمع بين الفضيلتين، يعني فضيلة السنة وفضل الجماعة. قال العَيْنِي: وإنما قيد بقوله: عند باب المسجد، لأنه لو صلاهما في المسجد كان متنفلًا فيه مع اشتغال الإمام بالفرض وإنه مكروه، لقوله ﵇: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، وخصت سنة الفجر بقوله ﵇: «لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل» رواه أبو داود عن أبي هريرة، هذا إذا كان عند باب المسجد موضعٌ لذلك فإن لم يكن يصليهما في المسجد خلف سارية من سواريه خلف الصفوف، وذكر فخرُ الإسلام وأشدُّها كراهةً أن يصلي مخالطًا للصف مخالفًا للجماعة، والذي يلي ذلك خلفَ الصف من غير حائلٍ بينه وبين الصف، وفي «الذخيرة»: السنةُ في سنة الفجر يعني ركعتي الفجر أن (^٣) يأتي بهما في بيته، فإن لم يفعل فعند باب المسجد إذا كان الإمام يصلي فيه، فإن لم يمكِنه ففي المسجد الجامع إذا كان الإمام في المسجد الداخل، وفي الداخل إذا كان الإمام في الجامع وفي المحيط، وقيل: يكره ذلك كله لأن ذلك بمنزلة مسجد واحد.
وعند الظاهرية أنه قطع (^٤) الصلاة إذا أقيمت الصلاة، وفي [الخلاف] (^٥) يصليهما وإن فاتته

(^١) في (الأصل): «يصلي» والصواب «تصلي».
(^٢) طمس في (الأصل): ولعلها «ثم».
(^٣) طمس في (الأصل): ولعلها «أن».
(^٤) كذا في (الأصل): «قطع» ولعلها «يقطع».
(^٥) كلمة غير مفهومة.
الصلاة مع الإمام إذا كان الوقت واسعًا، واستدل من كره بحديث الباب وبما في مسلم من حديث عبد الله بن جرجس: جاء رجل والنبي ﷺ يصلي الصبح فصلى الركعتين ثم دخل مع النبي ﷺ في الصلاة، فلما انصرف قال له: «يا فلان أيتُهما صلاتُك التي صليتَ وحدَك أو التي صليتَ معنا»، وبما ذكره ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث ابن عباس قال: كنت أصلي... الحديث، وقد ذكرناه عن قريب، وعند ابن خزيمة عن أنس: خرج النبي ﷺ حين أقيمت الصلاة فرأى ناسًا يصلون ركعتين بالعجلة فقال: «أصلاتان معًا» فنهى أن يُصَلَّيا في المسجد إذا أقيمت الصلاة.
فإن قلتَ: قد روى ابن عباس أن النبي ﷺ كان يصلي عند الإقامة في بيت ميمونة، قال العَيْنِي: هذا الحديث وهّاهُ ابن القطان وغيرُه، وفي كتاب الصلاة للدُّكَيني (^١) عن سُوَيْد بن غَفَلة: كان عمر بن الخطاب ﵁ يضرب على الصلاة قبل الإقامة، ورأى ابن جبير رجلًا يصلي حين أقيمت الصلاة فقال: ليست هذه ساعة صلاة، وعن صفوان بن موهب أنه سمع مسلم بن عقيل يقول للناس وهم يصلون وقد أقيمت الصلاة: ويلكم إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، وعند البيهقي: رأى ابن عمر رجلًا يصلي الركعتين والمؤذن يقيم فحصَبَه وقال: أتصلي الصبح أربعًا؟ وذكر أبو أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي في كتاب «مسند ابن عمر» يرفعه من حديث قدامة بن موسى عن رجلٍ من بني حنظلة عن أبي علقمة عن يسار بن نمير مولى ابن عمر قال: رآني وأنا أصلي الفجر فقال: يا يسار إن النبي ﷺ خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فتغيظ علينا وقال: «ليبلغ شاهدكم غائبكم لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتين»، وذكر ابن حزم نحوَه عن ابن سيرين وإبراهيم وعند أبي نعيم الفضل عن طاوُس: إذا أقيمت الصلاة وأنت في الصلاة فدعها، وعند عبد الرزاق قال سعيد بن جبير: اقطع صلاتك عند الإقامة، وعند ابن أبي شيبة قال بَيَان: كان قيسُ بن أبي حازم يؤمُّنا فأقام المؤذن الصلاة وقد صلى ركعةً فتركها ثم تقدم فصلى بنا، و[كذا] (^٢) قال الشعبي، قلت: هذه أدلة الظاهرية. انتهى.
واستدل من أجاز ذلك بقوله تعالى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، وبما رواه البيهقي من طريق حجاج بن نصير عن عباد بن كثير عن ليث عن عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الفجر»، قال البيهقي: هذه الزيادة لا أصل لها وحجَّاج وعبَّاد ضعيفان، قال العَيْنِي: قال يعقوب بن شيبة: سألتُ ابن مَعين عن حجَّاج بن نُصَيْر الفساطِيطي البصري فقال: صدوق، وذكره ابن حِبان في «الثقات»، وعباد بن كثير كان من الصالحين. انتهى. قلت: كونُه من الصالحين لا ينفي وصفَه

(^١) هو أبو نعيم الفضل بن دكين له كتاب الصلاة.
(^٢) كلمة مستدركة في حاشية (الأصل).

1 / 210