Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī
مزيد فتح الباري بشرح البخاري
Publisher
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
Publisher Location
https
Genres
•Commentaries on Hadiths
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
على أنه مصدر منصوب، على أنه حال بمعنى مخفيًا.
قوله: (بِصَدَقَةٍ) نكَّرها ليشمل كل ما يتصدق به من قليل وكثير، وظاهره أيضًا يشمل المندوبة والمفروضة، لكن نقل النووي عن العلماء أنَّ إظهار المفروضة أولى من إخفائها، وسيأتي في فقه الحديث طرق من ذلك.
قوله: (حَتَّى لا تَعْلَم) بضم الميم وفتحها، نحو: مرض حتى لا يرجونه، وسرت حتى تغيب الشمس.
قوله: (شمَالُه) مرفوع لأنه فاعل لقوله: (لا تعْلَم).
قوله: (مَا تُنْفِقُ يَميْنُه) جملة في محل النصب على أنها مفعول. ثم اعلم أنَّ معظم الروايات في هذا الحديث في البخاري وغيره «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»، ووقع في صحيح مسلم مقلوبًا «حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله» وهو نوع من أنواع علوم الحديث أغفله ابن الصلاح، وإن ْكان أفرد نوع المقلوب لكنه قصره على ما يقع في الإسناد.
ونبه عليه شيخ الإسلام البُلْقِيْنِي في «محاسن الاصطلاح»: ومثَّل له بحديث ابن أم مكتوم يؤذن بليل وقد قدمنا الكلام عليه في كتاب الأذان، وقال شيخ الإسلام البُلْقِيْنِي: ينبغي أنْ يسمى هذا النوع المعكوس. انتهى.
قال شيخنا: والأولى تسميته مقلوبًا فيكون المقلوب تارة في الإسناد وتارة في المتن، كما قالوه في المدرج سواء، وقد سمَّاه بعض من تقدم مقلوبًا. قال عياض: هكذا في جميع النسخ التي وصلت إلينا من صحيح مسلم وهو مقلوب والصواب الأول أي قوله: (مَا تنْفِقُ يمِيْنُه) وهو وجه الكلام لأنَّ السنة المعهودة في الصدقة بإعطائها باليمين، وقد ترجم عليه البخاري في الزكاة باب الصدقة باليمين.
قلت: ويحتمل أنَّه جعل التصدق بالشمال في هذه الصورة لأنه من أسباب الإخفاء لكون المعهود أنْ تكون الصدقة باليمين، فإذا بالغ في إخفائها تصدق بشماله حتى لا يتفطن لذلك. انتهى.
قال عياض: ويشبهه أنْ يكون الوهم فيه ممن دون (^١) مسلم بدليل قوله في رواية مالك لما أوردها عقب رواية عبيد الله بن عمر، فقال: بمثل حديث عبيد الله، فلو كانت بينهما مخالفة لبينها كما نبه على الزيادة في قوله: «ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه». انتهى.
قال شيخنا: وليس الوهم فيه ممن دون مسلم ولا منه، بل هو من شيخه أو من شيخ شيخه يحيى القطان فإنَّ مسلمًا أخرجه عن زهير بن حرب وابن نمير كلاهما عن يحيى، وأشعر سياقه بأن اللفظ لزهير وكذا أخرجه أبو يعلى في مسنده عن زهير وأخرجه الجَوْزَقِي في «مستخرجه» عن أبي حامد بن الشرقي فقول يحيى القطان عندنا واهم في هذا، إنما هو: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه».
قال شيخنا: والجزم بكون يحيى هو الواهم فيه نسبة نظر؛ لأنَّ الإمام أحمد قد رواه عنه على الصواب، ولذلك أخرجه البخاري هنا عن محمد بن بشار، وفي الزكاة عن مسدد.
وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق يعقوب الدَّوْرَقِي وحفص بن عمر وكلهم عن يحيى، وكأنَّ أبا حامد لما رأى عبد الرحمن تابع زهيرًا ترجح عنده أنَّ
(^١) قوله: «ممن دون» ليس في الأصل وما أثبته من الفتح.
الوهم من يحيى وهو محتمل بأن يكون منه لما حدث به هذين خاصة مع احتمال أن يكون الوهم منهما تواردا عليه.
وقد تكلف بعض المتأخرين توجيه هذه الرواية المقلوبة وليس بجيد، لأن المخرج متحد ولم يختلفوا فيه على عبيد الله بن عمر شيخ يحيى فيه ولا على شيخه خبيب ولا على مالك رفيق عبيد الله بن عمر فيه، وأمَّا استدلال عياض على أنَّ الوهم فيه ممن دون مسلم بقوله في رواية مالك مثل عبيد الله لكونهما ليستا متساويتين، والذي يظهر أنَّ مسلمًا لا يقصر لفظ المثل على المساوي في جميع اللفظ، والترتيب بل في المعظم إذا تساويا في المعنى.
والمعنى المقصود من هذا الموضع: إنَّما هو أخفى الصدقة، ولم نجد هذا الحديث من وجه من الوجوه إلا عن أبي هريرة إلا ما وقع عند مالك من التردد هل هو عنه أو عن أبي سعيد كما قدمناه قبل، ولم نجده عن أبي هريرة إلا من رواية حفص ولا عن حفص إلا من رواية خبيب، نعم أخرجه البيهقي في «الشعب» من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، والراوي له عن سهيل عبيد الله بن عامر الأسلمي وهو ضعيف لكنه ليس بمتروك، وحديثه حسن في المتابعات.
ووافق في قوله: (تَصَدَّق بِيَمِيْنِه) وكذا أخرجه سعيد بن منصور من حديث سلمان الفارسي بإسناد حسن مرفوعًا: «أنَّ الملائكة قالت: رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم الحديد، قالت: فهل أشد من الحديد قال نعم النار قالت فهل أشد من النار قال نعم الماء، قالت فهل أشد من الماء قال نعم الريح قالت فهل أشد من الريح قال نعم بن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها عن شماله».
ثم إن المقصود منه المبالغة في إخفاء الصدقة بحيث إنَّ شماله مع قربتها من يمينه وملازمتها بحيث لو تصور أنها تعلم لما علمت ما فعلت اليمين لشدة إخفائها، فهو على هذا من مجاز التشبيه.
ويؤيده رواية حماد بن زيد عند الجَوْزَقِي: «تصدق بصدقة كأنما أخفى يمينه من شماله»، ويحتمل أن يكون من مجاز الحذف، والتقدير حتى لا يعلم ملك شماله.
وأبعد من زعم أنَّ المراد بشماله نفسه وأنه من تسمية الكل باسم الجزء فإنه ينحل إلى أن نفسه لا تعلم ما تنفق نفسه،
قلت: ويمكن أنْ يراد بهذا أنَّ المتصدق لا ينظر إلى صدقته فأطلق العلم على النظر. انتهى.
وقيل: هو من مجاز الحذف والمراد بشماله من على شماله من الناس كأنَّه قال: مجاور شماله، وقيل: المراد أنه لا يرائي بصدقته فلا يكتبها كاتب الشمال، وحكى القرطبي عن بعض مشايخه: أنَّ معناه أن يتصدق على الضعيف المكتسب في صورة الشراء لترويج سلعته أو رفع قيمتها واستحسنه.
قال شيخنا: وفيه نظر، إن كان أراد أنَّ هذه الصورة مراد الحديث خاصة، وإنْ أراد أنَّ هذا من صور الصدقة المخفية فمُسَلَّمٌ والله أعلم. انتهى.
قوله: (وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله) أي: السابع رجل ذكر الله خاليًا أي خاليًا من الخلق لأنه حينئذٍ
1 / 205