Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī
مزيد فتح الباري بشرح البخاري
Publisher
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
Publisher Location
https
Genres
•Commentaries on Hadiths
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
الإدغام، وهو من باب: التفاعل،
وقال الكرماني فإن قلت: التفاعل هو للإظهار أن أصل الفعل حاصل له وهو منتف ولا يريد حصوله نحو تجاهلت، قلت: يجيء لغير ذلك نحو: باعدته فتباعد. انتهى.
قال العيني: التحقيق في هذا أن تفاعل لمشاركة أمرين أو أكثر في أصله، يعني في مصدر فعله الثلاثي صريحًا، نحو: تضارب زيد وعمرو، فلذلك نقص مفعولًا عن فاعل.
وحاصله أنَّ وضع فاعل لنسبة الفعل إلى الفاعل متعلقًا بغيره، مع أنَّ الغير فعل مثل ذلك، ووضع تفاعل لنسبة المشتركين فيه من غير قصد إلى تعلق له، فلذلك جاء الأول زائدًا على الثاني بمفعول أبدًا، فإذا كان الأمر كذلك كان المقام يقتضي أنْ يقال: ورجلان تحاببا، من باب: المفاعلة، لا من باب: التفاعل،
ليدل على أن الغير فعل مثل ما فعل هو، فالجواب عنه: أن تفاعل قد يجيء للمطاوعة وهو كونها دالة على معنى حصل عن تعلق فعل آخر متعد كقولك: باعدته فتباعد، فقولك: تباعد، عبارة عن معنى حصل عن تعلق تحاببا عبارة عن معنى حصل عن تعلق حابب.
والجواب الذي قاله الكرماني غير مستقيم، لأنَّ معنى ذاك هو الدلالة على أنَّ الفاعل أظهر أن المعنى الذي اشتق منه: تفاعل حاصل له مع أنه ليس في الحقيقة كذلك. فمعنى: تجاهل زيد أنه أظهر الجهل من نفسه، وليس عليه في الحقيقة فافهم، فإنَّه موضع دقيق. انتهى.
قال شيخنا: (تَحَابَّا) أي: اشتركا في جنس المحبة وأحب كل منهما الآخر حقيقة لا إظهار فقط، ووقع في رواية حماد بن زيد: «ورجلان قال كل منهما للآخر إني أحبك في الله فصدرا على ذلك» ونحوه في حديث سلمان قوله: (فِي الله) أي: لأجل الله لا لغرض دنيوي، وكلمة: (في) قد تجيء للسببية كما في قوله ﵇: «في النفس المؤمنة مائة إبل» أي بسبب قتل النفس المؤمنة. قلت: وقد تقدم الكلام في الاسم العظيم الأعظم في أول كتاب الوحي. انتهى.
قوله: (اجْتَمَعا عَلَى ذَلِك وتَفَرَّقَا عَلَيْه) في رواية الكُشْمِيهَنِي اجتمعا عليه وهي رواية مسلم أي على الحب يعني كان سبب اجتماعهما حب الله واستمروا عليه حتى تفرقا من مجلسهما، كذا قاله الكَرْمَاني.
قال العيني: ولا نحتاج إلى قوله: (حَتَّى يَتَفَرَّقَا مِنْ مَجِلسِهِمَا) بل المعنى أنهما داما على المحبة الدينية ولم يقطعاها بعارض دنيوي سواء اجتمعا حقيقة أم لا حتى فرق بينهما الموت. انتهى.
قال شيخنا: ووقع في «الجمع» للحميدي «اجتمعا على خير» ولم أر ذلك في شيء من نسخ «الصحيحين» ولا غيرهما من «المستخرجات» وهي عندي تحريف. انتهى.
فإن قلت: قال ﵇: (سَبْعَةٌ) ثم قال في التفصيل: (رَجُلَان) فيكون المتصفون ثمانية لا سبعة؟ أجيب عن ذلك: بأنَّ المعنى ورجل يحب غيره في الله، والمحبة أمر نسبي فلا بد لها من المنتسبين فلذلك قال: (رجُلَان)، ولأنَّ الغرض عد الخصال لا عد جميع من اتصف بها.
قلت: قد تقرر آنفًا أنَّ المراد الاجتماع على المحبة سواء اجتمعا حقيقة
أم لا حتى لو كان أحدهما في المشرق والآخر في المغرب وسمع كل واحد منهما أنَّ الآخر من الطائعين لله فأحب كل واحد صاحبه لله كان الحكم كذلك، إذا علمت ذلك فاعلم أنَّ في هذا بشارة عظيمة لجميع الأمة لأنهم يحبون رسول الله ﷺ وهو يحبهم وذلك في الله بلا شك، ويؤيده قوله ﵇: للذي سأله عن الساعة «أنت مع من أحببت». انتهى.
قوله: (وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ) أي: الخامس رجل طلبته ذات منصب، قال شيخنا: بين المحذوف أحمد في روايته عن يحيى القطان فقال: (دَعَتْهُ امْرَأةٌ) وكذا في رواية كريمة، ولمسلم وهو عند المصنف في الحدود عن ابن المبارك انتهى. وزاد ابن المبارك: (إلى نَفْسِهَا) وفي رواية البيهقي في «شعب الإيمان» من طريق أبي صالح عن أبي هريرة: (فَعَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْه) والمراد بالمنصب: الأصل أو شرف.
وفي رواية قال: (دَعَتْه ذَاتُ حَسَبٍ) وهو يطلق أيضًا على الأصل وعلى المال أيضًا ووصفها بأكمل الأوصاف التي جرت العادة بمزيد الرغبة لمن تحصل فيه وهو المنصب الذي يستلزم الجاه والمال مع الجمال وقلَّ من يجتمع ذلك فيها من النساء.
قال شيخنا: والظَّاهر أنها دعته إلى الفاحشة وبه جزم القرطبي ولم يحك غيره، وقيل: يحتمل أنْ تكون دعته إلى التزوج بها فخاف أن يشتغل عن العبادة بالافتتان بها، أو خاف أنْ لا يقوم بحقها لشغله بالعبادة عن التكسب لما يليق بها، والأول أظهرٌ ويؤيده وجود الكناية في قوله: (إلى نفسها) ولو كان المراد التزويج لصرح به والصبر عن الموصوفة بما ذكر من أكمل المراتب لكثرة الرغبة في مثلها وعسر تحصيلها لا سيما وقد أغنت من مشاق التوصل إليها بمراودة ونحوها.
قلت: قد وقع هذا بعينه ليوسف ﵇، وحكي أنَّه وقع مثله لابن سيرين فرأى يوسف في المنام وقال له أنت الذي راوَدَتْك فلانةٌ عن نفسها فتركتها خوفًا من الله كما وقع لي مع زليخة، فقال: نعم، فقال: افتح فاك فخذ ما وهبني الله من العلم، ففتح فاه فتفل فيه فأوتي ما حصل له من علم التعبير. انتهى.
قوله: (فَقَالَ إنِّي أخَافُ الله) زاد في رواية كريمة رب العالمين، قال القاضي عياض: يحتمل أنْ يقول ذلك بلسانه ويحتمل بقلبه ليزجر نفسه.
قال القرطبي: إنما يصدر ذلك عن شدة خوف من الله والصبر عنها لخوف الله من أكمل المراتب وأعظم الطاعات.
قوله: (ورجُلٌ تَصَدَّقَ) أي: السادس (رَجُلٌ تَصَدَّق أخفَى) بلفظ الماضي وهو جملة وقعت حالًا بتقدير: قد، ومفعول: أخفى، محذوف أي: أخفى الصدقة، ووقع في رواية أحمد: (فأخفى)، وكذا في رواية البخاري في الزكاة: عن مسدد عن يحيى: «تصدق بصدقة فأخفاها»، ومثله لمالك في «الموطأ».
ظاهر أنَّ راوي الأول حذف العاطف. ووقع في رواية الأَصِيْلِي: تصدق إخفاء، بكسر الهمزة ممدودًا
1 / 204