206

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

يكون أبعد من الرياء، وقيل: خاليًا من الالتفات إلى غير الله ولو كان في ملأ، ويؤيده رواية البيهقي: «ذكر الله بين يديه» ويؤيد الأول رواية ابن المبارك وحماد بن زيد: «ذكر الله في خلاء» أي: في موضع خال وهو أصح.
وقال شيخنا: ذكر الله أي بقلبه من التذكر أو لسانه من الذكر. انتهى.
قال العيني: ليس كذلك فإنَّ الذكر بالقلب من الذكر بضم الذال، وباللسان من الذكر بكسر الذال وأيضًا لفظ ذكر ثلاثي لا يكون مشتقًا من التذكر فمن له يد في علم التصريف يفهم هذا. انتهى.
قال شيخنا: انظر وتعجب أي من قول العيني لأنَّ العيني أثبت أولًا الذكر بالقلب ثم جعله مشتقًا من الذكر بضم الذال وذلك بعد قوله ليس كذلك، فإن ْكان مراده أنَّ الذاكر بقلبه مع الفيض بعينه لا يعطى هذا الفضل فهو عجيب، مع أن الذكر بالقلب عمل، والمطلوب ذكر القلب.
حتى قال بعض العارفين: اعلم أنَّ المطلوب من الذكر ذكر القلب، وإنما جعل ذكر اللسان طريقًا إليه ممن لازم ذكر الله بلسانه مخلصًا وصلت بركة الذكر إلى قلبه فعاش قلبه بذكر الله فيصير محمولًا بعد أن كان حاملًا. انتهى.
قوله: (ففَاضَتْ عَيْنَاه) إنما أسند الفيض إلى العين مع أن العين لا تفيض، لأنَّ الفائض هو الدمع، مبالغة كأنها هو الفائض، وذلك كقوله: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣].
قال القرطبي: وفيض العين بحسب حال الذاكر وبحسب ما يكشف له، ففي حال أوصاف الجلال يكون البكاء من خشية الله وفي حال أوصاف الكمال يكون البكاء من الشوق إليه،
ويشهد للأول ما رواه الجَوْزَقِي في رواية حماد بن زيد: «ففاضت عيناه من خشية الله» ومثله في رواية البيهقي، ويشهد له ما رواه الحاكم من حديث أنس مرفوعًا: «من ذكر الله ففاضت عيناه من خشية الله حتى يصيب الأرض من دموعه لم يعذب يوم القيامة». انتهى.
قلت: فإنْ قال هل يتأتى العبد في حال وصاله البكاء، وإذا تَأتَّى ذلك فهل يكون بكاؤه حال جلال أو حالة كمال؟
فأقول: إنْ قصر نظره عن التلفت إلى ما فاته من محبوبه منْ ما لم ينله بعد فإن حالة الوصال لا تنتهي، واستشعر خوف البعد بعد الوصل فبكى يكون من خشية الله، وإن تلفت إلى ذلك فبكى يكون بكاؤه شوقًا إلى الله. انتهى.
وفي الحديث فضيلة الإمام العادل، وقد روي عن ابن عباس: «ما أخر قوم العهد إلا سلط عليهم العذاب، وما نقص قوم المكيال إلا منعوا القطر، ولا كثر الزنا في قوم إلا سلط عليهم الوباء، وما حكم قوم بغير حق إلا سلط عليهم إمام جائر»، فالإمام العادل يصلحه الله به،
وفيه: فضيلة الشاب الذي نشأ في عبادة ربه، وفي الحديث: «يعجب ربك من شاب ليست له صَبْوَة» وفيه: فضل منْ سلم من الذنوب واشتغل بطاعة ربه طول عمره. وقد يحتج به من قال إنَّ الملَك أفضل من البشر لأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وقيل لابن عباس: رجل
كثير الصلاة كثير القيام يقارف بعض الأشياء، ورجل يصلي المكتوبة ويصوم مع السلامة. قال: لا أعدل بالسلامة شيئًا، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢].
وفيه: فضيلة من يلازم المسجد للصلاة مع الجماعة، لأنَّ المسجد بيت الله وبيت كل تقي، وحقيق على المزور إكرام الزائر، فكيف بأكرم الكرماء؟ وفيه: فضيلة التَّحابُب في الله تعالى، فإنَّ الحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وعند مالك من الفرائض.
وروى ابن مسعود والبراء بن عازب مرفوعًا: «إن ذلك من أوثق عرى الإيمان»، وروى ثابت عن أنس يرفعه: «ما تحاب رجلان في الله إلا كان أفضلهما أشدهما حبًا لصاحبه».
وروى أبو رزين، قال: «قال لي النبي ﷺ: يا أبا رزين إذا خلوت حرك لسانك بذكر الله، وحب في الله وأبغض في الله، فإن المسلم إذا زار في الله شيعه سبعون ألف ملك يقولون: اللهم وصله فيك فصله، ومن فضل المتحابين في الله أن كل واحد منهما إذا دعا لأخيه بظهر الغيب أمن الملك على دعائه». رواه أبو داود مرفوعًا.
وفيه: فضيلة من يخاف الله قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠]. وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]
وروى أبو معمر عن سلمة بن نَبيْط عن عبيد بن أبي الجعد عن كعب الأحبار، قال: إن في الجنة لدارًا، درة فوق درة، ولؤلؤة فوق لؤلؤة، فيها سبعون ألف قصر، في كل قصر سبعون ألف دار، في كل دار سبعون ألف بيت، لا ينزلها إلا نبي أو صديق أو شهيد أو محكم في نفسه أو إمام عادل.
قال سلمة: فسألت عبيدًا عن المحكم في نفسه قال: هو الرجل يطلب الحرام من النساء أو من المال فيتعرض له، فإذا ظفر به تركه مخافة الله تعالى، فذلك المحكم في نفسه.
وفيه: فضيلة المخفي صدقته ومصداق هذا الحديث في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].
وقالت العلماء: هذا في صدقة التطوع، فالسر فيها أفضل لأنه أقرب إلى الإخلاص، وأبعد من الرياء. وأما الواجب فإعلانها أفضل ليُقْتَدى به في ذلك ويظهر دعائم الإسلام، وهكذا حكم الصوم فإعلان فرائضها أفضل.
واختلف في السنن: كالوتر وركعتي الفجر، هل إعلانهما أفضل أو كتمانهما؟ حكاه ابن التين.
وفيه: فضيلة ذكر الله في الخلوات مع فيضان الدمع من عينيه، وروى أبو هريرة مرفوعًا: «لا يلج النار أحد بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع».
وروى أبو عمران عن أبي الخَلْد، قال: قرأت في مسألة داود، عليه والسلام، ربه تعالى: إلهي ما جزاء من بكى من خشيتك حتى تسيل دموعه على وجهه؟ قال: أسَلِّمُ وجهه من لفح النار.
تنبيهات:
الأول: ذكر الرجال في هذا الحديث لا مفهوم له بل يشترك النساء معهم فيما ذكر

1 / 206