Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī
مزيد فتح الباري بشرح البخاري
Publisher
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
Publisher Location
https
Genres
•Commentaries on Hadiths
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
صاحب «الجَنَى الدَّانِي» في واو الثمانية فقد علمت بهذا لأن الشارع ﵇ ذكر أول الأعداد الكاملة لأصحاب المقامات الكاملة.
قلت: وقد وقع في هذا الحدث عددان باعتبارين، عدد باعتبار الأوصاف، وعدد باعتبار المتصفين، فالأوصاف سبعة والمتصفين ثمانية لأن المحبة من اثنين فكأنهما جَامِعَان لمعان السِتَّة، من عمل بمجموع الأوصاف غلقت عنه أبواب النار، وفتحت له أبواب الجنة انتهى.
قوله: (يُظِلُّهُم الله) جملة في محل الرفع على أنَّها خبر المبتدأ وهو قوله (سَبْعَة).
قوله: (في ظِلِّه) قال عياض: إضافة الظل إلى الله إضافة ملك، وكل ظل فهو ملكه كذا قال، وكان حقه أن يقول إضافة تشريف ليحصل امتياز هذا على غيره كما قيل للكعبة بيت الله مع أن المساجد كلها ملكه، وأما الظل الحقيقي فالله تعالى منزه عنه لأنَّه من خواص الأجسام، وقيل المراد بظله كرامته وحمايته كما يقال فلان في ظل الملك وهو قول عيسى بن دينار وقواه عياض، يقول العرب: أنَا في ظل فلان، أي في ستره وكنفه. وتسمي العرب الليل ظلًا لبرده، ويقال المراد ظل عرشه.
ويؤيده ما رواه سعيد بن منصور بإسناد حسن من حديث سلمان ﵁: «سبعة يظلهم الله في ظل عرشه...» فذكر الحديث، وإذا كان المراد ظل العرش استلزم ما ذكر من كونهم في كنف الله وكرامته من غير عكس، قال شيخنا: فهو أرجح، وبه جزم القرطبي، ويؤيد أيضًا تقييد ذلك بيوم القيامة كما صرح به عبد الله بن المبارك في روايته عن عبيد الله بن عمر وهو عنْد البخاري في كتاب الحدود، وبهذا يندفع قول من قال المراد ظل طوبى أو ظل الجنة لأنَّ ظلهما إنما يحصل لهم بعد الاستقرار في الجنة،
ثم إنَّ ذلك مشترك لجميع من يدخلها والسياق يدل على امتياز أصحاب الخصال المذكورة ولا يكون ذلك إلا يوم يقوم الناس لرب العالمين ودنت منهم الشمس ويشتد عليهم حرها ويأخذهم العرق ولا ظل إلا العرش فترجح أنَّ المراد ظل العرش.
وروى الترمذي وحسنه من حديث أبي سعيد مرفوعا: «أحب الناس إلى الله تعالى يوم القيامة منه إمام عادل».
قوله: (يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه) أي يوم القيامة الذي ليس لأحد فيه الشفاعة لدفع مكروه عن غيره، وإنَّما الحماية له.
قوله: (الإمَامُ العَادِلُ) خبر مبتدأ محذوف تقديره أحد السبعة الإمام العادل، والعادل اسم فاعل من العدل، وقال أبو عمر: أكثر رواة الموطأ عادل، وقد رواه بعضهم عدل وهو المختار عند أهل اللغة، يقال رجل عدل ورجال عدل وامرأة عدل، ويجوز إمام عادل على اسم الفاعل يقال عدل فهو عادل كما يقال ضرب فهو ضارب.
وقال ابن الأثير: العدل في الأصل مصدر سمي به ووضع موضع العادل فهو أبلغ منه لأنَّه جعل المسمى نفسه عدلًا. انتهى.
ومعنى الإمام العدل الواضع كل شيء في موضعه، وقيل الوسط بين طرفي
الإفراط والتفريط سواء كان في العقائد أو في الأعمال أو في الأخلاق، وقيل: الجامع بين أمهات كمالات الإنسان الثلاث.
وهي الحكمة والشجاعة والعفة التي هي أوساط القوى الثلاث أعني القوة العقلية والغضبية والشهوانية، وقيل: المطيع لأحكام الله، وقيل: المراعي لحقوق الرعية.
قال شيخنا: وأحسن ما فسر به العادل أنَّه الذي يتبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط والمراد به صاحب الولاية العظمى؛ وهو الخليفة أو السلطان، ويلتحق به كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين فعدل فيه ويؤيده رواية مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رفعه: «أنَّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» قال العلماء: وبدأ به في الحديث لكثرة مصالحه وعموم نفعه، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: العادل من الأئمة والولاة والحكام أعظم أجرًا من جميع الأنام بإجماع أهل الإسلام.
قوله: (وشَابٌّ نَشَأ في عِبَادَة ربِّه) أي: والثاني من السبعة شاب آخره، يقال: نشأ الصبي ينشأ نشأ فهو ناشئ إذا كبر وشب. يقال: نشأ وأنشأ إذا خرج وابتدا، وأنشأ يفعل كذا أي: ابتدا يفعل، وفي رواية الإمام أحمد عن يحيى القطان: «شاب نشأ بعبادة ربه»، وهي رواية مسلم أيضًا، وزاد حماد بن زيد عن عبيد الله بن عمر: «حتى توفي على ذلك»، أخرجه الجَوْزَقِي.
وفي حديث سلمان: «أفنى شبابه ونشاطه في عبادة الله». فإنْ قلت: لم خص الثاني من السبعة بالشباب، ولم يقل: ورجل نشأ في عبادة ربه؟ كما قال: ورجل قلبه متعلق، يقال: لأن العبادة في الشباب أشد وأشق لكثرة الدواعي وغلبة الشهوات، وقوة البواعث على متابعة الهوى تلازمه العبادة مع ذلك تدل على غلبة التقوى.
قوله: (ورجُلٌ قَلْبُهٌ مُتَعلِّقٌ في المسَاجد) أي: الثالث رجل قلبه معلق أي بفتح اللام هكذا في الصحيحين وظاهره أنَّه من التعليق كأن شبهه بالشيء المعلق في المسجد كالقنديل مثلًا إشارة إلى طول الملازمة بقلبه وإن كان جسده خارجًا عنه، ويدل عليه رواية الجوزقي: «كأنما قلبه معلق في المسجد» ويحتمل أنْ يكون من العلاقة وهي شدة الحب، ويدل عليه رواية الحموي والمستملي «متعلق» بزيادة
التاء المثناة بعد الميم وكسر اللام، زاد سلمان «من جهة» وزاد مالك «إذا خرج منه حتى يعود إليه» وهذه الخصلة هي المقصودة من هذا الحديث للترجمة كما تقدم.
قلت: وقد تقدم الكلام على لفظة (رَجُلٌ) في بدء الوحي عند قوله: «يتمثل إلي الملك رجلًا» انتهى.
قوله: (ورجُلَانِ تَحَابَّا) أي: الرابع: رجلان تحابا، بتشديد الباء الموحدة، وأصله تحابَبَا، فلما اجتمع الحرفان المتماثلان أسكن الأول منهما وأدرج في الثاني وهو حد
1 / 203