195

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

مع الإمام بدون الانتظار، أي كما بُعْدُ المكان مؤثرٌ في زيادة الأجر كذلك طولُ الزمان، لأنهما يتضمنان لزيادة المشقة الواقعة مقدِّمَة للجماعة.
قال العيني: قد عُلِمَ من هذا أن السبب في تحصيل هذا الأجر العظيم انتظارُ الصلاة وإقامتُها مع الإمام، فإن وُجِد أحدُهُما دون الآخر فلا يحصل له ذلك، ويُعلَم من هذا أيضًا أن تأخير الصلاة عن وقت الاختيار لا يخلو عن أجر كما في تأخيرِ الظهر إلى أن يبرُد الوقتُ عند اشتداد الحر، وتأخيرِ العصر إلى ما قبلَ تغيُّرِ قرص الشمس، وتأخيرِ العشاء إلى ما قبل ثلُث الليل، وتأخيرِ الصبح إلى وقت الإسفار. فإن قلتَ: فما فائدة قوله: (ثُمَّ يَنَامُ)؟ قال الكِرماني: إشارةً إلى الاستراحة المقابِلة للمشقة التي في ضمن الانتظار. انتهى.
قال شيخنا: قيل: استُشكِل إيراد حديث أبي موسى في هذا الباب، لأنه ليس فيه لصلاة الفجر ذِكرٌ، بل آخره يُشعر بأنه في العشاء، وَوَجَّهَهُ ابنُ المنير وغيرُه بأنه دل على أن السببَ في زيادة الأجر وجودُ المشقة بالمشي إلى الصلاة، وإذا كان كذلك فالمشي إلى صلاة الفجر في جماعة أشقُّ من غيرِها، لأنها وإن شاركتها العشاء في المشي في الظُّلْمة فإنها تزيد عليها مفارقة أكثر المشتهاة طبعًا.
ولم أر أحدًا من الشُّرَّاح نبَّهَ على مناسبة حديث أبي الدرداء للترجمة إلا الزينُ ابن المنير فإنه قال: تدخل صلاة الفجر في قوله: يصلون جميعًا. وهي أخص بذلك من باقي الصلوات. وذكر بن رشيد نحوَه وزاد أن استشهاد أبي هريرة في الحديث الأول بقوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، يشير إلى أن الإتمامَ لها آكد.
قال شيخنا: وأقول: تفنن المصنف بإيراد الأحاديث الثلاثة في الباب، إذْ تؤخذ المناسبة من حديث أبي هريرة بطريق الخصوص ومن حديث أبي الدرداء بطريق العموم ومن حديث أبي موسى بطريق الاستنباط، ويمكن أن يقال: لفظُ الترجمة يَحتمِل أن يُراد به فضل الفجر على غيرها من الصلوات وأن يراد به ثبوت الفضل لها في الجملة، فحديث أبي هريرة شاهدٌ للأول وحديث أبي الدرداء شاهدٌ للثاني وحديثُ أبي موسى شاهدٌ لهما والله أعلم. انتهى.
قال العيني: ومما يستفاد من حديث أبي موسى: الدلالةُ على فضل المسجد البعيد لأجل كثرة الخطأ، وسيأتي بيان ذلك في الباب الذي يلي الباب الذي يلي هذا الباب، إن شاء الله تعالى. انتهى
(٣٢) بابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الظُّهْرِ
أي هذا بابٌ في بيان فضل التهجير إلى صلاة الظهر.
التهجير: التبكير إلى كل شيء والمبادرةُ إليه، يقال: هجَّر يُهَجِّرُ تَهجيرًا فهو مُهَجِّر، وهي لغة حِجازيَّة، أراد المبادرة إلى أول وقت الصلاة، وإنما قال: (إِلَى الظُّهْرِ) مع أن لفظ التهجير يُغني عنه لزيادة التأكيد، وعامة نسخ البخاري: (بابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الظُّهْرِ)، وعليه شَرْحُ ابنِ التين وغيرِه، وفي بعضها: <باب فضل التهجير إلى الصلاة> (^١)، وعليه شرح ابن بطال، وهذه النسخة أعم وأشمل.
٦٥٢ - ٦٥٣ - ٦٥٤ - قوله: (حَدَّثَني قُتَيْبَةُ بن سعيد) ترجمته في باب السلام من الإسلام.
قوله: (عَنْ مَالِكٍ) أي ابن أنس، ترجمته في كتاب الوحي.
قوله:

(^١) «وعليه شَرْحُ ابنِ التين وغيرِه، وفي بعضها: باب فضل التهجير إلى الصلاة» ليست في (الأصل) والاستدراك من عمدة القاري.
(سُمَيٍّ، مَوْلَى أَبِي بَكْرِ) أي بضم السين المهملة وفتح الميم، ترجمته في باب الاستهام في الأذان.
قوله: (عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ) أي ذكوان بالذال المعجمة، وكان يجلب السَّمْنَ والزيت إلى الكوفة، ترجمته في باب أمور الإيمان.
قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن، ترجمته في الباب أيضًا.
في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الإفراد في موضع واحد، وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: أن رواته مدنيون ما خلا قتيبةَ فإنه بغلاني، بغلان بلخ من خراسان.
قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَذَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ»
ثُمَّ قَالَ: «الشُّهَدَاءُ خَمْس: المَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿»
وَقَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ
وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ (^١) وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا»)
مطابقته للترجمة في قوله: (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ)، وتكلف الزينُ ابنُ المنير إبداء مناسبةٍ للأول من جهة أنه دال على أن الطاعة وإن قلَّتْ فلا ينبغي أن تُترك، واعترف بعدم مناسبة الثاني. انتهى.
قال شيخنا: في هذا المتن ثلاثة أحاديث: قصة الذي نحَّى غُصن الشوك، والشهداء، والترغيبُ في النداء وغيره ما ذُكِر، والمقصود منه ذِكرُ التهجير. وقد تقدم الحديث الثالثُ في باب الاستهام عن عبد الله بن يوسف عن مالك، ويأتي الثاني في الجهاد عنه أيضًا، والأولُ في المظالم كذلك، وكان قتيبةُ حدَّثَ به عن مالك هكذا مجموًعا فلم يتصرف فيه المصنفُ كعادته في الاختصار. انتهى.
وقال العيني: وهذا المتن الذي ذكره مشتملٌ على خمسة أحاديث: الأول: الذي أَخَّر الغصن. الثاني: الشهداء، الثالث: الاستهام. الرابع: التهجير. الخامس: الحبو. انتهى.
قلت: يظهر تحقيقُ ما قاله شيخُنا وما قاله العيني من مراجعة الأماكن التي قال شيخنا أنَّ الأحاديث الثلاثة فيه. انتهى.
قال العيني: أخرج البخاري قوله: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ...) إلى آخره في الصلاة عن عبد الله بن يوسف، وفي الشهادات عن إسماعيل، وأخرجه النَّسائي فيه عن عتبة بن عبد الله وقتيبة فرَّقَهما، وعن الحارث بن مسكين عن عبد الرحمن بن القاسم، سبعتهم عن مالك به، وأخرج قوله: (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي في طَرِيقٍ...) الحديث. في الصلاة عن قتيبة. وأخرجه مسلم في الأدب وفي الجهاد عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك. وأخرجه الترمذي في البِرِّ عن قتيبة به، وقال: حسن صحيح.
قوله: (بَيْنَمَا رَجُلٌ)، قد ذكرنا غير مرةٍ أن أصل «بينما»: «بين»، فأُشبِعت الفتحةُ فصارت ألِفًا، وزيدت فيه الميم فصارت «بينما»، ويقال: «بينَا» بدون الميم أيضًا، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم (^٢) به المعنى.
والمبتدأ هنا قوله: (رَجُلٌ) خُصِّصَ بالصفة وهي قوله: (يَمْشِي)، وخبرُه قولُه: (وَجَدَ).
قوله:

(^١) «وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ» ليست في (الأصل) والاستدراك من صحيح البخاري.
(^٢) في (الأصل): «يعم»، والصواب: «يتم».

1 / 195