196

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

(فَأَخَذَهُ)، وفي رواية الكُشْمِيهَنِي: <فَأَخَّرَهُ> أي فأخَّره عن الطريق.
قوله (فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ) معناه: رضي فعله وتقبل منه وأثنى عليه، يقال: شكرتُه وشكرتُ له بمعنى واحد.
قوله: (الشُّهَدَاءُ) جمع: شهيد، سُمِّيَ به لأن الملائكة يشهدون موتَه، فكان مشهودًا. وقيل: مشهودٌ له بالجنة، فعلى هذا يكون الشهيد على وزن: فعيل، بمعنى: مفعول، وقيل: لأنه حيٌّ عند الله حاضرٌ ويشهد حضر القدس ويحضرها، وقيل: لأنه شهِدَ ما أعدَّ اللهُ له من الكرامة. وقيل: لأنه ممن يستشهد مع النبي ﷺ يوم القيامة على سائر الأمم المكذِّبين، فعلى هذه المعاني يكون الشهيد بمعنى: شاهد.
قوله: (خَمْسٌ) بدون التاء، هكذا في رواية أبي ذر عن الحموي، وفي رواية الباقين: <خمسة> بالتاء، وهذا هو الأصل. ولكن إذا كان المميَّز غير مذكور جاز الأمران، وفي رواية مالك في «الموطأ»: «الشهداء سبعة»، ونقص: (الشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّه)، وزاد: «صاحب ذات الجنب، والحريق، والمرأة تموت بجمع» أي التي تموت وولدُها في بطنها. وفي رواية أبي داود والنسائي وابن حبان والحاكم من حديث جابر بن عتيك مرفوعًا: «الشهادة سبعة سوى القتل في سبيل الله: المطعون والغريق وصاحب الجنب والمبطون وصاحب الحريق والذي يموت تحت الهدم والمرأة تموت بجمع».
وفي حديث ابن ماجه من حديث عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا: «موت الغريب شهادة»، وإسناده ضعيف.
وَرَوَى سُويد بن سعيد الحَدَثاني عن علي بن مُسهِر عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن عشِقَ فعفَّ وكتمه ثم مات، مات شهيدًا». وقد أنكره علَى سُويد الأئمةُ، قاله ابن عدي في «كامله»، وكذا أنكره البيهقي وابن طاهر، وقال ابن حبان: من روى مثل هذا عن علي بن مسهر تجب مجانبة روايته، وسويد بن سعيد هذا وإن كان مسلم أخرج له في «صحيحه» فقد اعتذر مسلم عن ذلك، وقال: إنه لم يأخذ عنه إلا ما كان عاليًا وتوبع عليه، ولأجل هذا أعرَضَ عن مثل هذا الحديث.
وذكر ابنُ عساكر عن ابن عباس في تعداد الشهداء: الشريقُ وما أكله السبع. فإن الشهداء في «الصحيح»: خمسة، وفي رواية مالك: سبعة، ومع رواية ابن ماجه عن ابن عباس تكون: ثمانية، ومع رواية سويد بن غفلة عن ابن عباس تكون: تسعة، وفي رواية ابن عساكر عن ابن عباس يكون أحد عشر؟ قال العيني: لا تناقض بينها لأن الاختلاف في العدد بحسب اختلاف الوحي على رسول الله ﷺ.
قوله: (المَطْعُونُ) هو الذي يموت في الطاعون (^١)، أي الوباء، ولم يُرِد المطعونَ بالسِّنان، لأنه الشهيد في سبيل الله، والطاعون مرض عام يفسد له الهواء فتفسد الأمزجة والأبدان.
قوله: (وَالمَبْطُونُ) هو صاحب الإسهال، وقيل: هو الذي به الاستسقاء، وقيل: هو الذي يشتكي بطنَه. وقيل: من مات بداء بطنه مطلقًا.
قوله: (وَصَاحِبُ الهَدْمِ) هو الذي يموت تحت الهدم، وقال ابن الجوزي: بفتح الدال المهملة، وهو اسم ما يقع، وأما بتسكين الدال فهو الفعل

(^١) «في الطاعون» ليست في (الأصل) والاستدراك من عمدة القاري.
والذي يقع هو الذي يقتل ويجوز أن يُنْسب القتل إلى الفعل.
قوله: (والشَّهيْد في سَبيْل الله) هذا هو الخامس من الشهداء، قال الطيبي: فإنْ قلت خمسة خبر المبتدأ والمعدود هذا بيان له فكيف يصح في الخامس فإنَّه حمل الشيء على نفسه فكأنَّه قال الشهيد هو الشهيد؟ قلت هو من باب:
أنا أبو النَّجْم وشِعْري شِعْرِي
وقال الكرماني: الأولى أن يُقال المراد القتيل، فكأنَّه قال الشهيد كذا وكذا والقتيل في سبيل الله.
قلت: أما السرُّ في خصوصية هؤلاء المذكورين بهذه الكرامة مع أنَّ كثيرًا من الأمراض أشدُّ ألمًا من أمراضهم، فلعلنا نذكره في كتاب الجهاد إنْ شاء الله تعالى.
قوله: (إلا أنْ يَسْتَهِمُوا) أي إلا أن يقترعوا، وتقدم الكلام فيه في باب الاستهام في الأذان.
قوله: (ولو حَبْوًا) الحبو: حبو الصغير على يديه ورجليه، وقال ابن الأثير: الحيوان يمشي على يديه وركبتيه أو استه، وحبا البعير إذا برك ثم زحف من الإعياء، وحبا الصغير إذا زحف على استه. فإنْ قلت بمَ انتصب حبوًا؟ قال العيني: على أنَّه صفة لمصدر محذوف، أي لأتوهما ولو كان إتيانًا حبوًا، ويجوز أنْ يكون خبر كان المقدر والتقدير ولو كان إتيانكم حبوًا. انتهى.
ذكر ما يستفاد من الحديث وهو على وجوه:
الأول: فيه إماطة الأذى عن الطريق وهي أدنى شعب الإيمان، فإذا كان الله يشكر عبده ويغفر له على إزالة غصن شوك من الطريق فلا يدري ماله من الفضل والثواب إذا فعل ما فوق ذلك.
الثاني: فيه بيان الشهداء؛ الشهيد عند الحنفية من قَتله المشركون، أو وجد في المعركة وبه أثر الجراحة، أو قتله المسلمون ظلمًا ولم يجب بقتله دية قاله العيني. وعند مالك والشافعي وأحمد: الشَّهيد هو الذي قتله العدو غازيًا في المعركة ثم الشهيد يكفن بلا خلاف، ولا يغسَّل.
وفي «المغني»: إذا مات في المعْتَرك فإنه لا يغسل رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم.
قال العيني: ولا نعلم فيه خلافًا إلا عن الحسن وابن المسيب فإنهما قالا: يغسل الشهيد ولا يعمل به. ويصلى به عند الحنفية، وهو قول ابن عباس وابن الزبير وعقبة بن عامر وعكرمة وسعيد بن المسيب والحسن البصري ومكحول والثوري والأوزاعي والمزني وأحمد في رواية واختارها الخلَّال، وقال مالك والشافعي وإسحاق: لا يُصلَّى عليه وهو قول أهل المدينة، وقال النووي في «شرح المهذب»: المذهب الجزم بتحريم الصلاة عليه، وقال ابن حزم: إنْ شاؤوا صلوا عليه وإن شاؤوا تركوها. وقال الكَرْمَاني: فإنْ قلت الشهيد حكمه أنْ لا يغسل ولا يصلى عليه وهذا الحكم غير ثابت في الأربعة الأُوَل باتفاق، قلت معناه أنه يكون لهم في الآخرة مثل ثواب الشَّهداء.
قالوا الش «في الطاعون» ليست في (الأصل) والاستدراك من عمدة القاري. هداء على ثلاثة أقسام: شهيد الدنيا والآخرة وهو من مات في قتال الكفار بسببه، وشهيد الآخرة دون أحكام الدنيا، وهم هؤلاء المذكورين، وشهيد الدنيا دون الآخرة وهو من قتل مدبرًا أو غلَّ في الغنيمة،

1 / 196