194

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

وهي أم الدرداء الصغرى التابعية، لا الكبرى التي اسمها: خَيرة، بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف، وهي الصحابية. فإنما قلنا كذلك لأن الكبرى ماتت في حياة أبي الدرداء، وعاشت الصغرى بعده بزمان طويل، وقد جزم أبو حاتم بأن سالم بن أبي الجعد لم يدرك أبا الدرداء، فعلى هذا لم يدرك أمَّ الدرداء الكبرى.
وقال الكِرماني: وأم الدرداء هي: خَيْرة بنت أبي حدرد الأسلمية، من فاضلات الصحابيات وعاقلاتهن وعابداتهن، ماتت بالشام في خلافة عثمان. قال شيخنا: فسَّرها الكِرماني هنا بصفات الكبرى، وهو خطأٌ لقول سالم: (سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ)
قوله: (دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ) أي عويمر بن مالك، ترجمته في باب من حمل معه الماء الطهور.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: السماع في موضعين. وفيه: القول في سبعة مواضع. وفيه: رواية الابن عن الأب. وفيه: رواية التابعية عن الصحابي. وفيه: رواية التابعي عن التابعية. وفيه: أن رواته (^١) الأربعة كوفيون، وهذا من أفراد البخاري.
قوله: (وَهُوَ مُغْضَبٌ (^٢)، فَقُلْتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟ فَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ شَيْئًا إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا»).
مطابقته للترجمة من حيث إن أعمال الذين يصلون بالجماعة قد وقع فيها النقص والتغيير ما خلا صلاتهم في الجماعة، ولم يقع فيها شيء من ذلك، فدل ذلك على أن فضل الصلاة بالجماعة عظيم.
فإن قلتَ: الترجمة في فضل الصلاة بالجماعة في الفجر، والذي يُفهَم من الحديث أعم من ذلك، فكيف يكون التطابق؟ قال العيني: إذا طابقَ جزءٌ من الحديث الترجمة يكفي، ومثلُ هذا وقع له كثيرًا في هذا الكتاب.
قوله: (مُغْضَبٌ) بضم أوله وفتح الضاد المعجمة.
قوله: (مَا أَعْرِفُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كذا في رواية أبي ذر وكَريمة، وفي رواية الباقين: <من (^٣) محمد> بدون لفظة: «أمة»، وعليه شرح ابن بطال ومَن تبعه، قال: يريدُ: من شريعة محمد شيئًا لم يتغير عما كان عليه إلا الصلاة في جماعة، فَحَذَفَ المضاف إليه لدلالة الكلام عليه، ووقع في رواية أبي الوقت: <من أمر محمد> بفتح الهمزة وسكون الميم وفي آخره راء، وكذا ساقه الحميدي في «جمعه»، وكذا هو في «مسند أحمد» و«مستخرجي الإسماعيلي وأبي نعيم» من طُرُقٍ عن الأعمش، وعندهم بلفظ: ما أعرف فيهم، أي: في أهل البلد الذي كان فيه أبو الدرداء، كأنَّ لفظ «فيهم» لَمَّا حُذف من رواية البخاري صَحَّف بعضُ النَّقَلة «أمر» بـ «أمة»، ليعود الضمير في: (أَنَّهُمْ) على الأمة. قال العيني: لا محذور في كون لفظة: «أمة»، بل الظاهر هذا على ما لا يخفى. انتهى.
قوله: (يُصَلُّونَ جَمِيعًا) أي: مجتمعين، وانتصابُه على الحال، ومفعول: (يُصَلُّونَ) محذوفٌ تقديرُه: يصلون الصلاة أو الصلوات.
قال شيخنا: مرادُ أبي الدرداء أن أعمال المذكورين حصل في جميعها النقصُ أو التغيير إلا التجميع في الصلاة، فهو أمر نسبي، لأن حال الناس في زمن النبوة كان أتمَّ مما صار إليه بعدها، ثم كان في زمن الشيخين أتم مما صار إليه بعدَهما، وكأن ذلك صدر من أبي الدرداء في أواخر عُمُرِه وكان ذلك في أواخر خلافة عثمان ﵁، ويا ليت شعري

(^١) في (الأصل): «رواية»، والصواب: «رواته».
(^٢) في (الأصل): «مصعب»، والصواب: «مغضَب».
(^٣) في (الأصل): «من رواية»، والصواب: «من».
إذا كان ذلك العصر الفاضلُ بالصفة المذكورة عند أبي الدرداء فكيف بمن جاء بعدهم من الطبقات إلى هذا الزمان! قلتُ: الذي قَلَّ أن يَجِدَ فيه مَن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه ويرتضيه، مع أن القرن الذي قال فيه أبو الدرداء هذا خيرُ القرون بنص الشارع.
وفي هذا الحديث جواز الغضب عند تغير شيءٍ من أمور الدين، وإنكارِ المنكر بإظهار الغضب إذا لم يستطع أكثرَ منه.
٦٥١ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أي بضم الباء الموحدة (عَنْ أَبِي بُرْدَة) بضم الباء أيضًا، عامر وقيل: الحارث (عَنْ أَبِي مُوسَى) أي عبد الله بن قيس.
رجال هذا السند قد ذُكِروا بهذا الترتيب في باب من علم، لكنَّ ذِكْرَ أبو أسامة ثَمَّةَ باسمه حَمَّاد، وههنا بكنيته.
قوله: (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ، فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّي، ثُمَّ يَنَامُ»).
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الصلاة.
قوله: (أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا) أي أكثرهم ثوابًا والناس: جماعةُ الحيَوان المتميزة بالصور الإنسانية.
قوله: (أَبْعَدُهُمْ) بالرفع خبرُ المبتدأ: أعني.
قوله: (أَعْظَمُ النَّاسِ) ونصب أجرًا على التمييز.
قوله: (فَأَبْعَدُهُمْ) قال الكِرماني: الفاء فيه للاستمرار، كما في قولهم: الأمثل فالأمثل.
قال العيني: لم يذكر أحد من النُّحاةِ أن الفاء تجيء بمعنى الاستمرار، ولكن يمكن أن تكون الفاء هنا لترتيبٍ مع تفاوت من بعض الوجوه.
قال الزمخشري: للفاء مع الصفات ثلاثة أحوال:
أحدها: أن تدل على ترتيب معانيها في الوجود كقوله:
يا لهف زَيَّابة للحارثِ... الصابحِ (^١) فالغانم فالآيبِ
أي الذي صبح فغنم فآب.
والثاني: يدل على ترتيبها في التفاوت من بعض الوجوه، نحو قولك: خذ الأكمل فالأفضل، واعمل الأحسن فالأجمل.
والثالث: أن يدل على ترتيب موصوفاتها في ذلك، نحو: رحم الله الْمُحلِّقين فالمقصرين. وقيل: تقع الفاء تارة بمعنى «ثم»، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤] فالفاءات فيها بمعنى «ثم»، لتراخي موصوفاتها، فعلى هذا يجوز أن تكون الفاء هنا بمعنى «ثم»، بمعنى: أبعدُهم ثم أبعدُهم (^٢).
قوله: (مَمْشًى) بفتح الميم الأولى وسكون الثانية اسم مكان، وهو منصوب على التمييز، والمعنى: أبعدُهم مسافة إلى المسجد.
قوله: (مَعَ الإِمَامِ) زاد مسلم: «في جماعة» وبيَّنَ أنها رواية أبي كريب وهو محمد بن العلاء الذي أخرجه البخاري عنه.
قوله: (مِنَ الَّذِي يُصَلِّي) أعمُّ من أن يكون مع جماعة أو وحده.
قوله: (ثُمَّ يَنَامُ) قال الكِرماني: فإن قلتَ: هذا التفضيل أمرٌ ظاهر ضروري، فما الفائدة في ذِكره؟ قلتُ: معناه أن الذي ينتظرها حتى يصليها مع الإمام آخرَ الوقت أعظمُ أجرًا من الذي يصلي في وقت الاختيار وحدَه، أو الذي ينتظرها حتى يصليها مع الإمام أعظمُ أجرًا من الذي يصليها أيضًا

(^١) في (الأصل): «من رواية»، والصواب: «من».
(^٢) في (الأصل): «فأبعدهم»، والصواب: «ثم أبعدهم».

1 / 194