190

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

ولا يخفى فساد هذا. قلتُ: لأنه جعل الحسنة بعشر أمثالها للمنفرد ولم يعتبره في غيره. انتهى.
وقيل: الأعداد عشرات ومِئينَ وألوف، وخير الأمور الوسط فاعتبرت المئة، والعدد المذكور رُبعها. وهذا أشدُّ فسادًا من الذي قبله. قلت لم يقل أحدٌ أنَّ الأقل من الأجر خير من الأكثر. انتهى.
قال شيخنا: وقرأت بخط شيخنا البُلقيني - أي سراج الدين عمر - فيما كَتَبَ على «العمدة»: ظهرَ لي في هذين العددين شيءٌ لم أُسبَق إليه، لأن لفظ ابن عمر: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ»، ومعناه: الصلاة في الجماعة كما وقع في حديث أبي هريرة: «وصلاة الرجل في الجماعة»، وعلى هذا فكل واحد من المحكوم له بذلك صلى في جماعة، وأدنى الأعداد التي يتحقق فيها ذلك ثلاثةٌ، حتى يكون كلُّ واحد صلى في جماعة وكلُّ واحد منهم أتى بحسنة وهي بعشرة، فيحصل من مجموعه ثلاثون، فاقتصر في الحديث على الفضل الزائد وهو سبعة وعشرون دون الثلاثة التي هي أصل ذلك. انتهى.
قال شيخنا: وظهر لي في الجمع بين العددين أن أقل الجماعة إمام ومأموم فلولا الإمام ما سُمي المأموم مأمومًا، وكذا عكسُه فإذا تفضل الله على من صلى جماعة بزيادة خمس وعشرين درجةً حُمِل الخبرُ الوارد بلفظها على الفضل الزائد والخبرُ الوارد بلفظ سبعة وعشرين على الأصلِ والفضلِ. انتهى.
وقد خاض قومٌ في تعيين الأسباب المقتضية للدرجات المذكورة، قال ابن الجوزي: وما جاؤوا بطائل. وقال المحب الطبري: ذَكَر بعضُهم أن في حديث أبي هريرة (^١) - يعني ثالث أحاديث الباب - إشارةً إلى بعض ذلك، ويضاف إليه أمور أخرى وردت في ذلك، وقد فصَّلها ابن بَطَّال وتبعه جماعة من الشارحين، وتعقب الزينُ ابن المنير بعضَ ما ذكر واختار تفصيلًا آخر أورده.
قال شيخنا: وقد نقَّحتُ ما وقفتُ عليه من ذلك وحذفتُ ما لا يختص بصلاة الجماعة.
فأوَّلُها: إجابةُ المؤذن بنية الصلاة في جماعة، والتبكيرُ إليها في أول الوقت، والمشيُ إلى المسجد بالسكينة، ودخولُ المسجد داعيًا، وصلاة التحية عند دخوله، كلُّ ذلك بنية الصلاة في الجماعة.
سادسها: انتظار الجماعة.
سابعها: صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له.
ثامنها: شهادتهم له.
تاسعها: إجابةُ الإقامة.
عاشرها: السلامةُ من الشيطان عند نفره عند الإقامة.
حادي عشرها: الوقوف منتظرًا إحرام الإمام، أو الدخول معه في أي هيئة وجده عليها.
ثاني عشرها: إدراك تكبيرة الإحرام كذلك.
ثالث عشرها: تسوية الصفوف، وسد فرجها.
رابع عشرها: جواب الإمام عند قوله: سمع الله لمن حمده.
خامس عشرها: الأمنُ من السهو غالبًا، وتنبيه الإمام إذا سها بالتسبيح أو الفتحِ عليه.
سادس عشرها: حصول الخشوع والسلامة عما يلهي غالبًا.
سابع عشرها: تحسين الهيئة غالبًا.
ثامن عشرها: احتفافُ الملائكة به.
تاسع عشرها: التدربُ على تجويد القراءة، وتعلمُ الأركان والأبعاض.
العشرون: إظهارُ شعائر الإسلام.
الحادي والعشرون: إرغامُ الشيطان بالاجتماع للعبادة والتعاون على الطاعة ونشاط المتكاسل.
الثاني والعشرون: السلامةُ من صفة النفاق ومِن

(^١) «أبي هريرة» ليست في (الأصل) والصواب إثباتها.
إساءةِ غيرِه به الظنَّ بأنه ترك الصلاة رأسًا.
الثالث والعشرون: نيةُ ردِّ السلام على الإمام.
الرابع والعشرون: الانتفاعُ باجتماعهم على الدعاء والذكرِ وعود برَكَة الكاملِ على الناقص.
الخامس والعشرون: قيام نظام الأُلْفة بين الجيران وحصولُ تعاهدِهم في أوقات الصلوات.
فهذه خمس وعشرون خَصلة وَرَدَ في كُلٍّ منها أمرٌ أو ترغيبٌ يخُصُّهُ، وبقي منها أمران يختصان بالجهرية وهما: الإنصاتُ عند قراءة الإمام والاستماعُ لها والتأمين عند تأمينه ليوافق تأمين الملائكة، وبهذا يترجح أن السبع تختص بالجهرية، والله ﷾ أعلم بالصواب.
قال شيخنا أيضًا: تنبيهات: الأول: مقتضى الخصال التي ذكرتُها اختصاصُ التضعيف بالتجميع في المسجد وهو الراجح في نظري كما سيأتي البحث فيه، وعلى تقدير أن لا يختص بالمسجد فإنما يسقط مما ذكرتُه ثلاثةُ أشياء وهي: المشيُ والدخولُ والتحيةُ، ويمكن أن يعوضَ من بعض ما ذُكِر مما تشتمل على خصلتين متقاربتين أقيمتا مقام خصلة واحدة كالأخيرتين، لأن منفعة الاجتماع على الدعاء والذكر غير منفعة فائدةِ عود بركة (^١) الكامل على الناقص، وكذا فائدة قيام نظام الأُلفة غير فائدةِ حصول التعهد، وكذا فائدة أمن المأمومين من السهو غالبًا غير تنبيه الإمام إذا سها. فهذه ثلاثة يمكن أن يعوض بها الثلاثةُ المذكورة فيحصل المطلوبُ.
الثاني: لا يرد على الخصال التي ذكرتُها كونُ بعض الخصال يختص ببعض من صلى جماعةً دون بعض، كالتبكير في أول الوقت وانتظار الجماعة وانتظار إحرام الإمام ونحو ذلك، لأن أجر ذلك يحصُل لقاصده بمجرد النية ولو لم يقع كما سبق والله أعلم. انتهى.
الثالث: معنى الدرجة والجزء حصولُ مقدارِ صلاة المنفرد بالعدد المذكور للمجمع، وقد أشار ابن دقيق العيد إلى أن بعضهم زعم خلافَ ذلك، قال: والأول أظهر لأنه قد ورد مثلها في بعض الروايات. انتهى. وكأنه يشير إلى ما عند مسلم في بعض طرقه بلفظ: «صلاة الجماعة تعدِل خمسًا وعشرين من صلاة الفذِّ»، وفي أخرى: «صلاةٌ مع الإمام أفضلُ من خمسٍ وعشرين صلاةً يصليها وحده»، ولأحمد من حديث بن مسعود بإسناد رجاله ثقاتٌ نحوُه. وقال في آخره: «كلها مثل صلاته»، وهو مقتضى لفظ رواية أبي هريرة الآتية حيث قال: «تضعف» لأن الضِّعف كما قال الأزهري: المِثْلُ إلى ما زاد، ليس بمقصور على المثلين، كقوله: هذا ضِعف الشيء، مثلُه أو مِثْلَاه فصاعدًا، لكن لا يزاد على العشرة.
وظاهر قوله: «تضعف» وكذا قوله في روايتي ابنِ عمر وأبي سعيد: «تفضُل» أي تزيد، وقولُه في رواية أبي هريرة السابقة في باب مساجد السوق يريد أن صلاة الجماعة تساوي صلاة المنفرد وتزيد عليها العددَ المذكور، فيكون لمصلي الجماعة ثوابُ سِتٍّ أو ثمانٍ وعشرين من صلاة المنفرد.
قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) أي التنيسي المذكور في الإسناد السابق.

(^١) في (الأصل): «تركه»، والصواب: «بركة».

1 / 190