189

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

غيره إن بعُدَ مكان الإمام ولم يخف فيه.
٦٤٥ - ٦٤٦ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) أي التنيسي، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) أي الإمام، ترجمته فيه أيضًا.
قوله: (عَنْ نَافِعٍ) أي مولى ابن عمر، ترجمته في باب العلم والفتيا في المسجد.
قوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) أي ابن الخطاب ترجمته في كتاب الإيمان.
في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: السماع. وفيه: أن رواته ما بين بصري ومدني. وفيه: أن بين مالك بن أنس والنبي ﷺ اثنان.
قلت: وهو أصح الأسانيد على قول. انتهى.
قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الفَرْدِ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً») مطابقته للترجمة ظاهرة.
وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا في الصلاة، ولفظ مسلم: «صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده»، رواه من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع.
قوله: (صَلَاةِ الفَرْدِ) والرواية المشهورة: «صلاة الفَذِّ» بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة، ومعناه: المنفرد. يقال: فَذَّ الرجل من أصحابه إذا بقي وحده.
قال العيني: وقد استقصينا الكلام في لفظ: (سَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) في باب الصلاة في مسجد السوق فيما مضى. انتهى.
قال شيخنا: سياق مسلم أوضح، ولفظه: «صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده بسبع وعشرين درجة». قال الترمذي: عامة من رواه قالوا: خمسًا وعشرين، إلا ابن عمر فإنه قال: سبعًا وعشرين. قلتُ: لم يُختَلَف عليه في ذلك إلا ما وقع عند عبد الرزاق عن عبد الله العمري عن نافع فقال فيه: خمس وعشرون. لكن العمري ضعيفٌ.
ووقع عند أبي عوانة في «مستخرجه» من طريق أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع فإنه قال فيه: «بخمس وعشرين»، وهي شاذةٌ مخالفةٌ لرواية الحفاظ من أصحاب عبيد الله وأصحابِ نافع، وإن كان راويها ثقة، وأما ما وقع عند مسلم من رواية الضحاك بن عثمان عن نافع بلفظ: «بضع وعشرين»، فليست مغايرة لرواية الحفاظ لصدقِ البِضعِ على السبع.
وأما غير ابن عمر فصح عن أبي سعيد وأبي هريرة كما في هذا الباب، وعن ابن مسعود عند أحمد وابن خزيمة، وعن أُبَي بن كعب عند ابن ماجه والحاكم، وعن عائشة وأنس عند السراج، وورد أيضا من طرق ضعيفة عن معاذ وصهيب وعبد الله بن زيد وزيد بن ثابت، وكلها عند الطبراني، واتفق الجميع على خمس وعشرين سِوى رواية أُبَي فقال: أربع أو خمس على الشك، وسِوى روايةٍ لأبي هريرة عند أحمد قال فيها: سبع وعشرون. وفي إسنادها شريك القاضي، وفي حفظه ضعف، وفي رواية لأبي عوانة: بضعًا وعشرين، وليست مغايرة أيضًا لصدق البضع على الخمس.
فرجعت الروايات كلها إلى الخمس والسبع إذْ لا أثر للشك.
واختُلِف في أيهما أرجح: فقيل: الخمس، لكثرة رواتها. وقيل: رواية السبع لأن فيها زيادةً من عدلٍ حافظٍ.
ووقع الاختلافُ في موضع آخر من الحديث وهو:
مميزُ العدد المذكور، ففي الروايات كلِّها التعبيُر بقوله: «درجة» أو حذفُ المميَّز، إلا طرق حديث أبي هريرة، ففي بعضها: «ضِعفًا»، وفي بعضها: «جزءًا»، وفي بعضها: «درجة»، وفي بعضها: «صلاة». ووقع هذا الأخيرُ في بعض طرق حديث أنس، والظاهر أن ذلك من تصرف الرواة، ويحتمل أن يكون ذلك من التفنن في العبارة.
وأما قول بن الأثير: إنما قال: «درجة» ولم يقل جزءًا ولا نصيبًا ولا حظًّا ولا يجوز (^١) ذلك، لأنه أراد الثواب من جهة العلو أو الارتفاع، فإن تلك فوق هذه بكذا وكذا درجة، لأن الدرجات إلى جهة العلو فوق فكأنه بناه على أن الأصل لفظ درجة، وما عدا ذلك من تصرف الرواة، لكن نفيه ورود الجزء مردود، فإنه ثابت، وكذلك الضِّعف.
وقد جُمِع بين روايتي الخمس والسبع بوجوه:
منها: أن ذكر القليل لا ينفي الكثير. وهذا قول من لا يعتبر مفهوم العدد، لكن قد قال به جماعة من أصحاب الشافعي، وحُكِي عن نصِّه.
وعلى هذا فقيل: - وهو الوجه الثاني - لعله ﷺ أخبرنا بخمس ثم أعلمه الله بزيادة الفضل فأخبرنا بسبع. وتُعُقِّبَ بأنه يحتاج إلى التاريخ، وبأن دخول النسخ في الفضائل مختلَفٌ فيه. لكن إذا فرَّعْنَا على المنع تعيُّنَ تقدُّمِ الخمس على السبع من جهة أن الفضل من الله يقبل الزيادة لا النقص.
ثالثها: أن اختلاف العددين باختلاف مميَّزِهما، وعلى هذا فقيل: الدرجة أصغر من الجزء، وتُعُقِّبَ بأن الذي رُوي فيه الجزء رُوي عنه الدرجة. وقال بعضهم: الجزء في الدنيا والدرجة في الآخرة. وهو مبني على التغاير.
رابعها: الفرق بقرب المسجد وبُعدِه.
خامسها: الفرق بحال المصلي كأن يكون أعلم أو أخشع.
سادسها: الفرق بإيقاعها في المسجد أو في غيره.
سابعها: الفرق بين منتظر الصلاة وغيره.
ثامنها: الفرق بين إدراك كلها أو بعضها.
تاسعها: الفرق بكثرة الجماعة وقلتهم.
عاشرها: السبع مختصة بالفجر والعشاء، وقيل: بالفجر والعصر، والخمسُ بما عدا ذلك.
حادي عاشرها: السبع مختصة بالجهرية والخمس بالسرية. وهذا الوجه عندي أوجهُها لِمَا سأبينه.
ثم الحكمةُ في هذا العدد الخاص غيرُ محققةِ المعنى، ونقل الطيبي عن التوربشتي ما حاصله أن ذلك لا يُدرك بالرأي بل مرجعه إلى علم النبوة التي قصرَت علوم الألِبَّاءِ عن إدراك حقيقتها كلها، ثم قال: ولعل الفائدة هي اجتماع المسلمين مصطفين كصفوف الملائكة والاقتداء بالإمام وإظهار شعائر الإسلام وغير ذلك. وكأنه يشير إلى ما قدمتُه عن غيره، وغفل عن مراد من زعم أن هذا لا يفيد المطلوب.
لكن أشار الكِرماني إلى احتمال أن يكون أصله كون المكتوبات خمسًا فأريد المبالغة في تكثيرها فضُرِبت في مثلها فصارت خمسًا وعشرين، ثم ذَكَر للسبع مناسبةً أيضًا من جهة عدد ركعات الفرائض ورواتبها. انتهى.
وقال بعضهم: الحسنةُ بعشر للمصلي منفردًا فإذا انضم إليه آخر بلغت عشرين ثم زيد بقدر عدد الصلوات الخمس أو يزاد عدد أيام الأسبوع. قال شيخنا:

(^١) كذا في (الأصل): «يجوز»، ولعل الصواب: «نحو».

1 / 189