162

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

يكون التقدير: بين كل أذانين صلاة نافلة غير المفروضة.
قوله: (ثَلَاثًا) أي قالها ثلاثًا. وعند أبي داود: قالها مرتين. وسيأتي بعدُ بابُ بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة، ثم قال في الثالثة: «لِمَنْ شَاءَ». وهل بين أنه لم يقل: (لِمَنْ شَاءَ) إلا في المرة الثالثة بخلاف ما ُيشعِر به ظاهر الرواية الأولى من أنه عند كل مرة بقوله: (لِمَنْ شَاءَ).
ولمسلم والإسماعيلي: قال في الرابعة: «لِمَنْ شَاءَ». وكأن المراد بالرابعة قوله: «لِمَنْ شَاءَ». فأطلق بعضُهم عليها رابعةً باعتبار مطلق القول. وبهذا يوافق رواية البخاري. وقد تقدم في العلم حديثُ أنس أنه ﷺ كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا وكأنه قال بعد الثالثة: (لِمَنْ شَاءَ) ليدل على أن التكرار لتأكيد الاستحباب.
وقال ابن الجوزي: فائدةُ هذا الحديث أنه يجوز أن يُتَوهَّم أن الأذان للصلاة، ويمنع أن تُفعل سوى الصلاة التي أُذِّن لها، فبيَّن أن التطوع بين الأذان والإقامة جائز. وقد صح ذلك في الإقامة كما سيأتي. ووقع عند أحمد: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت». وهو أخص من الرواية المشهورة: «إلا المكتوبة». انتهى.
فيه: جواز الصلاة بين كل أذانين يعني بين الإقامة والأذان.
قال العيني: والحاصلُ أن الوصل بينهما مكروه، لأن المقصود بالأذان إعلام الناس بدخول الوقت ليتأهبوا للصلاة بالطهارة فيحضروا المسجد لإقامة الصلاة، وبالوصل ينتفي هذا المقصود.
ثم اختلف أصحابنا في حد الفصل، فذكر التمرتاشي في «جامعه»: أن المؤذن يقعد مقدار ركعتين أو أربع أو مقدار ما يفرغ الآكلُ من أكله والشارب من شربه والحاقنُ من قضاء حاجته. وقيل: مقدارَ ما يقرأ عشر آيات ثم يثوب ثم يقيم. كذا في «المجتبى». وفي «شرح الطحاوي»: يفصِل بينهما مقدارَ ركعتين يقرأ في كل ركعةٍ نحوًا من عشرِ آيات، وينتظر المؤذن الناس ويقيم للضعيف المستعجل ولا يَنتظر رئيسَ المحلة وكبيرَها فهذا كله إلا في صلاة المغرب عند أبي حنيفة، لأن تأخيرَها مكروه فيكتفي بأدنى الفصل وهو سكتة يسكت قائمًا ساعة ثم يقيم.
فإن قلتَ: ما مقدار السكتة عنده؟ قال العيني: قدْر ما يتمكن فيه من قراءة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة. وروي عن أبي حنيفة: مقدار ما يخطو لثلاث خطوات. وقال أبو يوسف ومحمد: يفصل بينهما بجلسة خفيفة مقدار الجلسة بين الخطبتين. ومذهب الشافعي ما ذكره النووي فإنه قال: يُستحب أن يفصل بين أذان المغرب وإقامتها فصلًا خفيفًا بقعدةٍ أو سكوت ونحوهما، وهذا لا خلاف فيه عندنا. ونقل صاحب «الهداية» عن الشافعي أنه يفصِل بركعتين اعتبارًا بسائر الصلوات. قال العيني: وفيه نظر. انتهى.
قلتُ: من قال فيه نظر مَا له نظر. وكيف يكون فيه نظر وقد ثبت الأمر بهما في الحديث الصحيح. انتهى.
وقال أحمد: يفصِل بينهما بصلاة ركعتين في المغرب اعتبارًا بسائر الصلوات، واحتج بالحديث المذكور.
قال العيني: روى الدارقطني ثم البيهقي في «سننيهما» عن حيان بن عبيد الله العدوي حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ:
«عند كل أذانين ركعتين إلا المغرب».
فإن قلتَ: ذكر ابن الجوزي هذا الحديث في «الموضوعات» ونقل عن الفلاس أنه قال: كان حيان هذا كذَّابًا. قال العيني: الحديث رواه البزار في «مسنده» وقال: لا نعلم رواه عن ابن بريدة إلا حيان بن عبد الله وهو رجل مشهور من أهل البصرة لا بأس به. انتهى.
قلتُ: ومع ذلك فروايته شاذة، لأنه خالف الحفاظ من أصحاب عبد الله بن بريدة في إسناد الحديث ومتنه وسيأتي لهذا تتمة في الكلام على الحديث الآتي. انتهى.
٦٢٥ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) أي على وزن فَعَّال بالتشديد والباء الموحدة والشين المعجمة، ولا يُغتر بما وقع في خط العيني أنه بالسين المهملة، ترجمته في باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَاْ غُنْدَرٌ) أي بضم الغين المعجمة. لقب محمد بن جعفر ابن امرأة شعبة، ترجمته باب ظلمٌ دون ظلمٍ.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجاج، ترجمته في بابٍ يتلو بابَ أمور الإيمان.
قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الأَنْصَارِيَّ) أي بفتح العين. مرَّ في باب الوضوء من غير حدث.
قوله: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ ترجمته في باب من الإيمان أن يحب.
في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار كذلك في موضع. وفيه: السماع. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بصري ومدني وواسطي وهو شعبة.
قوله: (كَانَ المُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ، حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُمْ يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ، قال: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ شَيْءٌ)
مطابقته للترجمة في قوله: (وَهُمْ يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ) فإن صلاتهم قبل المغرب بعد الأذان فصْلٌ بينه وبين الإقامة.
قال شيخنا: مطابقته للترجمة من جهة الإشارة إلى أن الصحابة ﵃ إذا كانوا يبتدرون به إلى الركعتين قبل صلاة المغرب مع قِصَرِ وقتها فالمبادرة إلى التنفل قبل غيرها من الصلوات يقع من باب الأولى ولا يتقيد بركعتين إلا بما ضاهى المغرب من قِصَر الوقت كالصبح. انتهى.
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الصلاة عن قبيصة عن سفيان. وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم عن أبي عامر عن سفيان فيه نحوه، وفي نسخة: <عن شعبة> بدل عن سفيان.
قوله: (إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ) في رواية الإسماعيلي: إذا أخذ المؤذن في أذان المغرب.
قوله: (قَامَ نَاسٌ)، في رواية النسائي: قام كبار أصحاب رسول الله ﷺ. وكذا تقدم للمؤلف في أبواب السترة.
قوله: (يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ) أي يتسارعون ويستبقون. و(السَّوَارِي) جمع سارية وهي: الأسطوانة، وكان غرضهم بالاستباق إليها الاستتار بها ممن يمر بين أيديهم لكونهم يصلون فرادى.
قوله: (وَهُمْ كَذَلِكَ) أي في تلك الحال، هم مبتدرون منتظرون الخروج، وفي رواية مسلم من طريق عبد العزيز (^١) بن صهيب عن أنس: فيخرج فيجيء الغريب فيحسِب أن الصلاة قد

(^١) في (الأصل): «عبد الله العزيز» والصواب «عبد العزيز».

1 / 162