163

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

صُلِّيَت من كثرة من يصليهما. وقال الكِرماني: وفي بعض الروايات: <وهي كذلك>، بدل: (وَهُمْ)، والأمران جائزان في ضمير العقلاء، نحو: الرجال فَعَلَتْ وفعلوا.
قوله: (وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا) أي الأذان والإقامة.
قوله: (شَيْءٌ) التنوين فيه للتعظيم أي لم يكن بينهما شيء كثير.
قال شيخنا: وبهذا يندفع قول من زعم أن الرواية المعلقة معارِضةٌ للرواية الموصولة بل هي مبيِّنةٌ لها، ونَفيُ الكثير يقتضي إثباتَ القليل، وقد أخرجها الإسماعيلي موصولةً من طريق عثمان بن عمر عن شعبة بلفظ: وكان بين الأذان والإقامة قريبٌ. ولمحمد بن نصر من طريق أبي عامر عن شعبة نحوه.
قال العيني: يدل عليه ما رواه عثمان بن جَبَلة وأبو داود عن شعبة: ولم يكن بينهما إلا قليل. وقال ابن المنير: يُجمع بين الروايتين بحمل النفي المطلق على المبالغة مجازًا، والإثباتِ القليل على الحقيقة. وقال الكِرماني: وجه الجمع بينهما أن هذا خاص بأذان المغرب وذاك عام، والخاص إذا عارض العام يخصصه عند الشافعية، سواء عُلِم تأخرُه أم لا، والمراد بقوله: «كُلِّ أَذَانَيْنِ» غير أذان المغرب.
وحمل بعضُ العلماء حديثَ الباب على ظاهره فقال: دل قوله: (وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ) على أن قوله: «بين كل أذانين صلاة» مخصوص بالمغرب، فإنهم لم يكونوا يصلون بل كانوا يَشرعون في الصلاة في أثناء الأذان ويفرغون مع فراغه. قال: ويؤيد ذلك ما رواه البزار من طريق حيان بن عبيد الله - أي بفتح الحاء المهملة والياء آخر الحروف المشددة - عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مثل الحديث الأول، زاد في آخره: «إلا المغرب».
وفي قوله: ويَفرغون مع فراغه. نظرٌ، لأنه ليس في الحديث ما يقتضيه، ولا يلزم من شروعهم في أثناء الأذان ذلك. وأما رواية حيان فقد ذكرنا أنها شاذةٌ خالف فيها الحفاظُ من أصحاب بريدة في إسناد الحديث ومتنه، وقد وقع في بعض طرقِه عند الإسماعيلي: وكان بُريدة يصلي ركعتين قبل صلاة المغرب. فلو كان استثناءً محفوظًا لم يخالفه بريدة راويه. وقد نقل ابن الجوزي عن الفلاس ما قدمناه في حيان.
وقال القرطبي وغيرُه: ظاهرُ حديث أنس أن الركعتين بعد الغروب وقبل صلاة المغرب كان أمرًا قَرَّر النبيُّ ﷺ أصحابَه عليه وعملوا به حتى كانوا يستبِقون إليه، وهذا يدل على الاستحباب وكأنَّ أصلَه قولُه ﷺ: «بين كل أذانين صلاة»، وأما كونه لم يصليهما فلا ينفي الاستحباب بل يدل على أنهما ليسا من الرواتب.
وإلى استحبابهما ذهب أحمد وإسحاق وأصحاب الحديث ورُوي عن ابن عمر قال: ما رأيتُ أحدًا يصليهما على عهد النبي ﷺ. وقال النخعي: إنها بدعة. وروي عن الخلفاء الأربعة وجماعةٍ من الصحابة أنهم كانوا لا يصلونهما، وهو قول مالك والشافعي.
وادعى بعض المالكية نسخَهما فقال: إنما كان ذلك في الأوَّل حيث نهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس فبيَّن لهم بذلك وقتَ
الجواز ثم ندب إلى المبادرة إلى المغرب في أول وقتها، فلو استمرت المواظبة على الاشتغال بغيرِها لكان ذريعةً إلى مخالفة إدراكِ أولِ وقتِها. وتُعُقِّبَ بأن دعوى النسخ لا دليل عليها والمنقول عن ابن عمر رواه أبو داود من طريق طاوس عنه، ورواية أنس المثبِتة مقدَّمةٌ على نفيه.
والمنقول عن الخلفاء الأربعة رواه محمد بن نصر وغيره من طريق إبراهيم النخعي عنهم، وهو منقطعٌ ولو ثبت لم يكن فيه دليل على النسخ ولا الكراهة، وسيأتي في باب التطوع أن عقبة بن عامر سئل عن الركعتين قبل المغرب فقال: كنا نفعلهما على عهد النبي ﷺ، قيل له: فما يمنعك الآن؟ قال: الشغل. فلعل غيره أيضًا منعه الشغل. وقد روى محمد بن نصر وغيره من طرق قوية عن عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبي بن كعب وأبي الدرداء وأبي موسى وغيرهم أنهم كانوا يواظبون عليهما.
قال شيخنا: وأما قول أبي بكر بن العربي: اختلف فيها الصحابة ولم يفعله أحدٌ بعدهم. فمردود بقول محمد بن نصر: وقد روينا عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون ركعتين قبل المغرب. ثم أخرج ذلك بأسانيد متعددة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن بريدة ويحيى بن عقيل والأعرج وعامر بن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن مالك، ومن طريق الحسن البصري أنه سئل عنهما فقال: حسنتين واللهِ لمن أراد الله بهما. وعن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: حق على مؤمن إذا أذن المؤذن أن يركع ركعتين. وعن مالك قولٌ آخر باستحبابهما.
وعند الشافعية وجهٌ رجحه النووي ومَن تبِعَهُ، وقال في شرح مسلم: قولُ من قال إنَّ فعلَهما يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها لخيال فاسد منابِذٍ للسنة، ومع ذلك فزمُنُهُما زمنٌ يسير لا يتأخر به الصلاة عن أول وقتها، ومجموعُ الأدلة يُرشِد إلى استحباب تخفيفِهما كما في ركعتي الفجر. قيل: والحكمةُ في الندب إليهما رجاءُ إجابةِ الدعاء، لأن الدعاء بين الأذان والإقامة لا يُرَدُّ، وكلما كان الوقت أشرف كان ثواب العبادة فيه أكثر.
قال شيخنا: واستدل بحديث أنس على امتداد وقتِ المغرب وليس بواضح. انتهى.
قوله: (قَالَ عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ) أي بفتح الجيم والباء الموحدة، ابنُ أبي رواد، ابنُ أخي عبد العزيز ابن أبي رواد، واسمه: ميمون الأزدي، مولاهم البصري، ترجمته في باب إذا ألقي على ظهر المصلي قَذَرٌ أو جيفة.
قوله: (وَأَبُو دَاوُدَ) أي سليمان بن داود الطيالسي، وهو من أفراد مسلم، ويقال: أبو داود هذا: عمر بن سعيد الحَفْري الكوفي، أي بفتح الحاء المهملة والفاء وحَفْر موضعٌ بالكوفة، وهو أيضًا من أفراد مسلم.
قوله: (عَنْ شُعْبَةَ) أي ابن الحجاج.
قوله: (لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا قَلِيلٌ) قال الكِرماني (^١): الظاهر أنه تعليقٌ منه، لأن البُخاري كان ابنَ عشرة عند وفاة الطيالسي.
قال شيخنا: لم تصل لنا روايةُ عثمان بن جبلة إلى الآن، وزعم مغلطاي ومن تبعه أن الإسماعيلي وصلها في «مستخرجه» وليس كذلك، لأن الإسماعيلي إنما أخرجه

(^١) «الكرماني» ليس في (الأصل)، والصواب إثباته.

1 / 163