Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī
مزيد فتح الباري بشرح البخاري
Publisher
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
Publisher Location
https
Genres
•Commentaries on Hadiths
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
إدراج ويجاب عن ذلك بأنه لا يمنع كون ابن شهاب قاله أن يكون شيخه قاله وكذا شيخ شيخه.
وقد رواه البيهقي مِن رواية الربيع بن سليمان عن ابن وهب عن يونس والليث جميعًا عن ابن شهاب. وفيه قال سالم: «وكان رجلًا ضرير البصر». ففي هذا أن شيخ ابن شهاب قاله أيضًا. وسيأتي في كتاب الصيام عند المصنف من وجه آخر عن ابن عمر ما يؤدي معناه وسنذكر لفظه قريبًا فتثبت صحة وصله. ولابن شهاب فيه شيخ آخر أخرجه عبد الرزاق عن معمر عنه عن سعيد بن المسيب وفيه الزيادة.
قال ابن عبد البرِّ: هو حديث آخر لابن شهاب وقد وافق ابن إسحاق معمرًا فيه عن ابن شهاب.
قوله: (أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ) أي دخلتَ في الصباح. هذا ظاهره، واستُشكل لأنه جعل إذ إنه غاية للأكل فلو لم يؤذن حتى يدخل الصباح للزم منه جواز الأكل بعد طلوع الفجر والإجماع على خلافه إلا ما روي عن سليمان الأعمش جوازه بعد طلوع الفجر، قال شيحنا: وقد شذَّ الأعمش. انتهى.
وأجاب ابن حبيب وابن عبد البرِّ والأصيلي وجماعة مِن الشُّراح أَّن المراد: قاربتَ الصباح، قال العيني: لأن قرب الشيء قد يعبَّر به عنه كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [٢٣٤: البقرة]، أي قارَبن لأنَّ العدة إذا تمَّت فلا رجعة. انتهى.
قال شيخنا: ويعكِّر على جواب أبي حبيب أن في رواية الربيع التي قدمناها «ولم يكن يؤذن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر أذِّنْ». وأبلغ مِن ذلك أنَّ لفظ رواية المصنف التي في الصيام «حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر»، وإنما قلت إنه أبلغ لكون جميعه من كلام النبي ﷺ. وأيضًا فقوله: «إن بلالًا يؤذن بليل» يشعر أنَّ ابن أم مكتوم بخلافه لأنه لو كان قبل الصبح لم يكن بينه وبين بلال فرق لصدق أن كلًّا منهما أذَّن قبل الوقت، وهذا الموضع عندي في غاية الإشكال وأقرب ما يقال فيه: إنَّ أذانه جعل علامة لتحريم الأكل وكأن كان له مِن يراعي الوقت بحيث يكون أذانه مقارنًا لابتداء طلوع الفجر وهو المراد بالبزوغ، وعند أخذه في الأذان يعترض الفجر في الأفق ثم ظهر لي أنه لا يلزم مِن كون المراد بقولهم (أَصْبَحْتَ) أي قاربت الصباح وقوع أذانه قبل الفجر لاحتمال أن يكون قولهم ذلك يقع في آخر جزء مِن الليل وأذانه يقع في أول جزء مِن طلوع الفجر.
وهذا وإن كان مستبعدًا في العادة فليس بمستبعد مِن مؤذن النبي ﷺ المؤيد بالملائكة فلا يشاركه فيه مَن لم يكن بتلك الصفة، وقد روى أبو قرة مِن وجه آخر عن ابن عمر حديثًا فيه: «وكان ابن أم مكتوم يتوخى الفجر فلا يخطئه». انتهى.
فيه ما احتج به الأوزاعي وعبد الله بن المبارك ومالك والشافعي وأحمد وإسحق وداود وابن جرير الطبري فقالوا: يجوز أن يؤذن للفجر قبل دخول وقته، وممن ذهب إليه أبو يوسف. واحتجوا أيضًا بما رواه البخاري عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنَّ بلالًا يؤذِّن بليل فكلوا واشربوا،
وإذا أذَّن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا، وإن كانت المرأة منَّا ليبقى عليها شيء مِن سحورها فتقول لبلال: أمهِل حتى أفرغ مِن سحوري» وروى الدارِمي مِن حديث الأسود عن عائشة ﵂ قالت: «كان لرسول الله ﷺ ثلاثة مؤذنين: بلال وأبو محذورة وعمرو ابن أم مكتوم، فقال رسول الله ﷺ: إذا أذن عمرو فإنه ضرير البصر فلا يغرنكم، وإذا أذن بلال فلا يطعمن أحد». وروى النسائي أيضًا عن يعقوب عن هشيم عن منصور عن خبيب بن عبد الرحمن عن عمته أُنَيسَة نحو حديث ابن خزيمة.
قال العيني: يجوز أن يكون النبي ﷺ قد جعل الأذان بالليل نوبًا بين بلال وعمرو فأمر في بعض الليالي بلالًا أن يؤذن أولًا بالليل فإذا نزل بلال صعد عمرو فأذن بعده بالنهار، وإذا جاءت نوبة عمرو بدأ فأذن بليل فإذا نزل صعد بلال فأذن بعده بالنهار وكانت مقالة النبي ﷺ «إن بلالًا يؤذن بليل» في الوقت الذي كانت فيه النوبة لبلال في الأذان بالليل، وكانت مقالته ﵇ «إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل» في الوقت الذي كانت فيه النوبة في الأذان بالليل نوبة ابن أم مكتوم فكان ﵇ يُعلم الناس في كلا الوقتين: أنَّ أذان الأول منهما هو أذان بليل لا بنهار، وأنه لا يمنع مَن أراد الصوم طعامًا ولا شرابًا وأنَّ أذان الثاني إنما يمنع المطعم والمشرب إذ هو بنهار لا بليل. انتهى.
وقال الثوري وأبو حنيفة ومحمد وزفر بن الهُذيل: لا يجوز أن يؤذَّن للفجر أيضًا إلا بعد دخول وقتها كما لا يجوز لسائر الصلوات إلا بعد دخول وقتها لأنه للإعلام به. وقيل: دخوله تجهيل وليس بإعلام، فلا يجوز. وأما الجواب عن أذان بلال الذي كان يؤذن بالليل قبل دخول الوقت فلم يكن ذلك قبل دخول الوقت فلم يكن ذلك لأجل الصلاة بل إنما كان ذلك لينتبه النائم وليستحر الصائم وليرجع الغائب، بيَّن ذلك ما رواه البخاري مِن حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «لا يمنعن أحدَكم أو أحدًا منكم أذانُ بلال مِن سُحوره فإنه يؤذن أو ينادي بليل، ليرجع قائمكم ولينبه نائمكم» الحديث. على ما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى، وأخرجه مسلم أيضًا وأخرجه الطحاوي مِن ثلاث طرق ولفظه: «لا يمنعنَّ أحدَكم أذانُ بلال مِن سُحوره فإنه ينادي أو يؤذن ليرجع غائبكم ولينبه نائمكم» الحديث.
ومعنى «ليرجع غائبكم» مِن الغَيبة ورجع يتعدى بنفسه ولا يتعدى، والرواية المشهورة «ليرجع قائمكم» مِن القيام ومعناه ليكمل ويستعجل بقية وِرده ويأتي بوِتره قبل الفجر. وقال عياض ما ملخصه: إنَّ ما قاله الحنفية بعيد إذ لم يختص هذا بشهر رمضان وإنما أخبر عن عادته في أذانه ولأنه العمل المنقول في سائر الحول بالمدينة، وإليه رجع أبو يوسف حين تحققه، ولأنه لو كان للسحور
1 / 153