151

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

ذلك، فقال: (قَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ وَالمَطَرِ)، وبوَّب عليه ابنُ خزيمة، وتبعه ابن حبانَ والمحبُّ الطبري: حذفُ حيَّ على الصلاةِ في يوم المطر، وكأنَّه نظر إلى المعنى؛ لأن حيَّ على الصلاة معناه: هَلمُّوا إلى الصلاة، والصلاة في الرِّحال وصَلُّوا في بيوتكم يناقض ذلك.
قلت: وسيأتي في فقه الحديث الاختلاف في ذلك. انتهى.
وقوله: (الصَّلَاةَ) منصوب بعامل محذوف، تقديره: صلوا الصلاة وأدُّوها (فِي الرِّحَالِ)، وهو جمع رَحْل، وهو مسكن الرجل وما يستصحبه من الأثاث، أي: صلوها في منازلكم.
قوله: (فَنَظَرَ القَوْمُ) أي: نظرَ إنكارٍ على تغيير وضع الأذان، وتبديل الحيعلة بذلك، وفي رواية الحجبي: (كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ذَلِكَ)، وفي رواية أبي داود: (اسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ).
قوله: (فَقَالَ) أي: ابن عباس (فَعَلَ هَذَا) إشارته إلى ما أمر المؤذن بأن يقول: الصلاة في الرحال موضع: حي على الصلاة.
قوله: (مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ) قال العينيُّ: كلمة (من) في محل الرفع؛ لأنه فاعل قوله: (فعل)، والضمير في (منه) يرجع إلى ابن عباس، ومعناه: أمر به من هو خير من ابن عباس. وقال شيخنا: الضمير في (مِنْهُ) يرجع إلى المؤذن، يعني: فعله مؤذن رسول الله ﷺ، وهو خير من هذا المؤذن.
وللكشميهنيِّ: (مِنْهُمْ)، قال العيني: ووجِّه أن يرجع الضمير إلى المؤذن والقوم جميعًا.
وقال شيخنا: وأما رواية الكشميهنيّ ففيها نظرٌ، ولعلَّ من أذَّن كانوا جماعة إن كانت محفوظة، أو أراد جنس المؤذنين، أو أراد: خير من المصلين. انتهى.
قال العيني: في نظره نظرٌ، وتأويله بالوجهين غيرُ صحيحٍ، أما الأول فلم يثبت أن من أذن كانوا جماعة، وهذا احتمال بعيد؛ لأن الأذان بالجماعة محدث. وأما الثاني فلأن الألف واللام في (المؤذن) للعهد، فكيف يجوز أن يراد به الجنس؟! انتهى.
قلت: ويحتمل أنه أراد بذلك التعظيم للمؤذن، مثل قول المسلّم على الواحد: سلام عليكم. انتهى.
وفي رواية الحجبي: (مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي) يعني: رسول الله ﷺ، وكذا وقع في رواية مسلمٍ وأبي داود.
قوله: (وَإِنَّهَا عَزْمَةٌ) يعني: أنّ الجمعةَ عزمةٌ بسكون الزاي، أي: واجبة متحتمة، وجاء في بعض طرقه: (إِنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ).
فإن قلت: لم يسبق ذكرُ الجمعة، فكيف يعيده إليها؟
قال العيني: قوله: (خَطَبَنَا) يدلُّ على أنَّهم كانوا في الجمعة، وقد صرح بذلك في رواية أبي داود حيث قال: (إِنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ)، زاد ابن علية: (وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ، فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ) أي: كرهت أن أشقَّ عليكم بإلزامكم السعي إلى الجمعة في الطين والمطر، وفي رواية الحجبي من طريق عاصم: (أَنْ أُؤْثِمَكُمْ) أي: أن أكون سببًا لاكتسابكم الإثم عند ضيق صدروكم، وهي ترجّح روايةَ من روى: (أُحْرِجَكُمْ) بالحاء المهملة، ويروى: (أَنْ أُخْرِجَكُمْ) بالخاء المعجمة من الإخراج،
وفي رواية جرير عن عاصم: (أَنْ أُخْرِجَ النَّاسَ وَأُكَلِّفَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا الحديث (^١) مِنْ طُرُقِهِمْ إِلَى مَسْجِدِهِمْ)، قال شيخنا: وسيأتي الكلام على ما يتعلق بسقوط الجمعة بعد المطر في كتاب الجمعة إن شاء الله تعالى. انتهى.
فيه ما قاله العينيُّ: رخَّص الكلام في الأذان جماعة مستدلين بهذا الحديث، منهم أحمد بن حنبل، وحكى المنذر الجواز مطلقًا عن عروة وعطاء والحسن وقتادة، وعن النخعي وابن سيرين والأوزاعي الكراهة، وعن الثوري المنع، وعن أبي حنيفة وصاحبيه خلاف الأولى، وعليه يدل كلام الشافعي ومالك، وعن إسحاق بن راهويه: يكره إلا إن كان فيما يتعلق بالصلاة، واختاره ابن المنذر. وفيه دلالةٌ على فرضية الجمعة، قال العيني: وأبعد بعضُ المالكية حيث قال: إن الجمعةَ ليست بفرضٍ، وإنما الفرضُ الظهرُ أو ما ينوب منابه، والجماعة على خلافه.
وقال ابن التِّين: وحكى ابنُ أبي صفرةَ عن «موطأ ابن وهب» عن مالك: أنَّ الجمعةَ سنةٌ، قال: ولعله يريد: في السفر، ولا يحتج به.
وفيه: تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار، وأنها متأكدة إذا لم يكن عذر.
وقال الكرماني: وفيه: أن يقال هذه الكلمة - يعني: الصلاة في الرحال - في نفس الأذان، قال العيني: أخذه من كلام النووي، فإنه قال هذه الكلمة، فقال: في نفس الأذان، ويرد عليه حديث ابن عمر الآتي في باب الأذان للمسافر أنها تقال بعده، ونصّ الشافعيُّ على أن الأمرين جائزان، ولكن هذا أحسنُ لئلا ينخرمَ نظمُ الأذان. وقال النووي: ومن أصحابنا من قال: لا يقوله إلا بعد الفراغ، قال: وهو ضعيفٌ مخالفٌ لصريح حديث ابن عباس. قال العينيُّ: الأمران جائزان، وبعد الفراغ أحسنُ كما ذكرنا. قال العينيُّ: وكلام النوويّ يدلُّ على أنّها تزاد مطلقًا: إما في أثناء، وإما بعده؛ لأنها بدل من الحيعلة.
قلت: حديثُ ابن عباس لم يسلكْ مسلكَ الأذان، ألا ترى أنه قال: (فَلَا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ)؟ وإنما أراد: إشعارَ الناس بالتخفيف عنهم للعذر كما فعل في التثويب الأمراء وأصحاب الولاية، وذلك لأنه ورد في حديث ابن عمر أخرجه البخاريّ وحديث أبي هريرة أخرجه ابن عدي في «الكامل»: أنه إنما يقال بعد فراغ الأذان.
(١١) (بَابُ أَذَانِ الأَعْمَى إِذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُخْبِرُهُ) أي: هذا باب في بيان حكم أذان الأعمى إذا كان عنده من يخبره بدخول الوقت؛ لأن الوقت في الأصل مبنيٌّ على المشاهدة، يعني: يجوز أذانُه حينئذٍ، وما رواه ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن مسعود وابن الزبير وغيرهما أنَّهم كرهوا أن يكون المؤذن أعمى محمولٌ

(^١) كذا في الأصل، والصواب ما في «فتح الباري»: (الخبث).

1 / 151