149

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

(مَا فِي العَتَمَةِ) وهي صلاةُ العشاء، يعني: لو يعلمون ما في ثواب أدائها وأداء الصبح (لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا) أي: ولو كانوا حابين، من: حَبَا الصبيُّ إذا مشى على أربع، قاله صاحب «المجمل»، ويقال: إذا مشى على يديه وركبتيه أو استه. انتهى.
فيه: فضيلةُ الأذان، وقد ذكرناه فيما مضى من ذلك.
وفيه: فضيلةُ الصف الأول لاستماع القرآن إذا جهر الإمام، والتأمين عند فراغه من الفاتحة، والتكبير عقيب تكبير الإمام، وأيضًا يحتمل أن يحتاج الإمام إلى الاستخلاف عند الحدث فيكون هو خليفته، فيحصل له بذلك أجرٌ عظيمٌ، أو يضبط صفة الصلاة ويفعلها ويعلمها الناس، وروى مسلم: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا»، وفي «الأوسط» للطبراني: «استغفر للصف الأول ثلاث مرات، وللثاني مرتين، وللثالث مرة»، وعن جابر بن سمرة من حديث مسلم: «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا، يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ»، وعند ابن ماجه عن عائشة ﵂: «لَا يَزَالُ قَوْمُ يَتَأَخَّرُونَ عَنِ الصَّفِّ الأَوَّلِ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ إِلَى النَّارِ»، وعن عبد الرحمن بن عوف: «إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ»، وعند ابن حبان عن البراء بن عازب: «إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ».
وقال القرطبيُّ: اختلف في الصف الأول هل هو الذي يلي الإمامَ أو المبكِّرُ؟ والصحيحُ: أنه الذي يلي الإمام، فإن كان بين الإمام والناس حائلٌ كما أحدث الناسُ المقاصيرَ فالصفُّ الأولُ الذي يلي المقصورةَ.
وفي «التوضيح»: الصفُّ الأولُ: ما يلي الإمام ولو وقع فيه حائل خلافًا لمالك، وأبعد مَن قال: إنه المبكر، ولو جاء رجل ورأى الصف الأول مسددًا لا ينبغي أن يزاحمهم، وقد روي عن ابن عباس يرفعه: «مَنْ تَرَكَ الصَّفَّ الأَوَّلَ مَخَافَةَ أَنْ يُؤْذِيَ مُسْلِمًا أَضْعَفَ اللهُ لَهُ الأَجْرَ».
وفيه: فضيلةُ التبكير إلى الصلوات.
وفيه: حثٌّ عظيمٌ على حضور صلاتي العتمة والصبح، والفضل الكبير في ذلك لما فيهما من المشقة على النفس من تنغيص أول اليوم وآخره.
وفيه: تسميةُ العشاء بالعتمة. فإن قلت: قد ثبت النهيُ عنه.
قال العيني: هذه التسميةُ لبيان الجواز، وإنَّ النهيَ ليس للتحريم، وأيضًا استعمال العتمة ههنا لمصلحةٍ؛ لأنَّ العرب كانت تستعمل العشاء في المغرب، فلو قال: ما في العشاء؛ لحملوها على المغرب، ففسد المعنى وفات المطلوب، فاستعمل العتمة التي لا يشكون فيها، فقواعد الشرع متظاهرة على احتمال أخف المفسدتين لدفع أعظمهما.
وفيه: أنَّ الصفَ الثاني أفضلُ من الثالث، والثالث من الرابع، وهلم جرًا.
وفيه: دلالةٌ لمشروعية القرعة.
وفيه: ما استدلَّ به بعضهم ممن قال بالاقتصار على مؤذنٍ واحدٍ، وهذا ليس بظاهرٍ؛ لصحة استهام أكثر من واحد.
قلت: وفيه الوعظُ بالدليل المجمل.
وفيه: السعيُ في تحصيل الفضائل ولو بالمشقة العظيمة. انتهى.
(١٠) (بَابُ الكَلَامِ فِي الأَذَانِ)
أي: هذا باب في بيان حكم الكلام في أثناء الأذان بغير ألفاظه، لكنه ما صرّح بالحكم كيف هو، أجائزٌ أم غير جائزٍ؟ قال شيخنا: وجرى المصنف على عادته في عدم الجزم بالحكم الذي دلالته غير صريحة، لكن إيراده الأثرين المذكورين فيه، وإيرادُه حديث ابن عباس يشير إلى أنه اختار الجواز كما ذهبت إليه طائفةٌ على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى.
قوله: (وَتَكَلَّمَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ فِي أَذَانِهِ) أي: سليمان بن صُرَد - بضم الصاد المهملة وفتح الراء في آخره دال مهملةر- ابن أبي الجون الخزاعيُّ الصحابيُّ، وكان اسمه في الجاهلية: يسارًا، فسماه النبي ﷺ سليمان، وكنيته: أبو المطرِّف، وكان حبرًا عابدًا ترك الكوفة، وقال ابن سعد: قتل بالجزيرة بعين الوردة في شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين، وكان أميرًا على التوابين أربعة آلاف يطلبون بطلب الحسين بن علي ﵃.
وهذا التعليقُ أخرجه ابن أبي شيبة من حديث موسى بن عبد الله بن يزيد بن (^١) سليمان بن صرد وكانت له صحبةٌ: كان يؤذن في العسكر، فكان يأمر غلامه بالحاجة في أذانه. ووصله أبو نعيمٍ شيخ البخاريِّ في كتاب الصلاة له، وأخرجه البخاريُّ في «التاريخ» عنه بإسناد صحيح، ولفظه مثل لفظ ابن أبي شيبة.
قوله: (وَقَالَ الحَسَنُ) أي: البصري، ترجمته في باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] في كتاب الإيمان.
قوله: (لَا بَأْسَ أَنْ يَضْحَكَ وَهُوَ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ) قال العيني: وهذا الأثر المطلق غير مطابق للترجمة؛ لأنها في الكلام في الأذان، والضحكُ ليس بكلامٍ؛ لأنه صوتٌ يسمع نفس الضاحك ولا يسمع غيره، ولو علق عنه ما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه»: «حدثنا ابن علية قال: سألت يونس عن الكلام في الأذان والإقامة، فقال: حدثني عبيد الله بن غلاب، عن الحسن: أنه لم يكن يرى بذلك بأسًا» لكان أَوْلى وأوفق للمطابقة. انتهى.
قال شيخنا: هذا التعليقُ لم أره موصولًا، والذي أخرجه ابن أبي شيبة وغيره من طرقٍ عنه جوازُ الكلام بغير قيد الضحك. وقيل: مطابقتُه للترجمة من جهة أن الضحك إذا كان بصوت قد يظهر منه حرف مفهم أو أكبر (^٢)، فيفسد (^٣) الصلاة، ومن منع الكلامَ في الأذان أراد أن يساويه بالصلاة، وقد ذهب الأكثر إلى أن تعمُّد الضحك يبطل الصلاة ولو لم يظهر حرف، فاستوى مع الكلام في بطلان الصلاة بعمله. انتهى.
٦١٦ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي: ابن مسرهد، ترجمته في باب: من الإيمان أن تحب.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) أي: ابن زيد، ترجمته في باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] في كتاب الإيمان.
قوله: (عَنْ أَيُّوبَ) أي: السختياني، ترجمته في باب حلاوة الإيمان.
قوله: (وَعَبْدِ الحَمِيدِ صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ) أي: ابن دينار، قلت: البصريّ،

(^١) كذا في الأصل، والصواب: (أن) كما في «المصنف».
(^٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: (أكثر) بالثاء.
(^٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: (فتفسد).

1 / 149