148

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

قوله: (عَنْ سُمَيٍّ) أي: بضم السين المهملة، وفتح الميم، وتشديد الياء آخر الحروف، (مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام القرشيّ المدنيّ، قتله الحَرُوريَّة بقُدَيدٍ سنة ثلاثين ومئةٍ.
قوله: (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) أي: ذكوان الزَّيَّات، ترجمته في باب أمور الإيمان.
قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي: صخر بن عبد الرحمن، ترجمته في الباب أيضًا.
في هذا الإسناد: التَّحديثُ بصيغة الجمع في موضعٍ واحدٍ، والإخبارُ كذلك، وفيه العنعنةُ في ثلاثة مواضع، وفيه: أنَّ رواته مدنيون ما خلا شيخ البخاري.
قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَا يَجِدُونَ إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا) مطابقتُه للترجمة في قوله: (لو يعلمُ الناسُ [ما] في النداء) وهو الأذان، وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في الشهادات عن إسماعيل، وأخرجه مسلمٌ في الصلاة عن يحيى بن يحيى، وأخرجه الترمذيُّ فيه عن إسحاق بن موسى عن معن بن عيسى، وأخرجه النَّسَائيُّ فيه عن عتبة بن عبد الله وقُتَيبة فوقهما عن الحارث بن مسكين عن عبد الرحمن بن القاسم، سبعتُهم عن مالك به.
قوله: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ) قال الطِّيبيُّ: وضع المضارع موضع الماضي ليفيد استمرار العلم.
قوله: (مَا فِي النِّدَاءِ) أي: الأذان، وهي رواية بشر بن عمر عن مالك عند الشّراح.
فإن قلت: ما الفرق بين النداء والأذان؟
قال العيني: لفظُ الأذان أو التأذين أخصُّ من لفظ النداء لغةً وشرعًا، والفرق بين الأذان والتأذين: أنَّ التأذينَ يتناول جميع ما يصدر عن المؤذن من قولٍ وفعلٍ وهيئةٍ ونيَّةٍ، وأما الأذان فهو حقيقة تُعقَل بدون ذلك.
قوله: (وَالصَّفِّ الأَوَّلِ) زاد أبو الشيخ في روايةٍ له من طريق الأعرج عن أبي هريرة: «من الخير والبركة» والتقدير: ولو يعلم الناسُ ما في الصف الأول، وقال الطيبيُّ: أطلق مفعولَ (يعلم) وهو كلمة (ما)؛ ليفيد ضربًا من المبالغة، وأنه مما لا يدخل تحت الوصف، والإطلاقُ إنما هو في قدر الفضيلة، وإلا؛ فقد مُيِّزتْ في الرواية الأخرى بالخير والبركة.
قوله: (ثُمَّ لَا يَجِدُونَ) هذه رواية المستملي والحَمَوي، وفي رواية غيرهما: «ثم لم يجدوا»، وقال الكرمانيُّ: وفي بعض الروايات: «لا يجدوا» ثم قال: جوَّز بعضهم حذفَ النون بدون الناصب والجازم، قال ابنُ مالك: حذفُ نون الرفع في موضع الرفع لمجرد التخفيف ثابتٌ في اللغة في الكلام الفصيح نظمِه ونثرِه. قال شيخنا: ولم أقف على هذه الرواية.
قوله: (إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ) من الاستهام، وهو الاقتراع، يقال: استهموا فسَهَمَهُم فلانٌ سهمًا إذا قَرَعَهم، وقال صاحب «العين»: القرعةُ مثال الظُّلْمة: الاقتراعُ، وقد اقترعوا وتقارعوا، وقارعته فقرعته، أي: أصابتني القرعةُ دونه، واقترعت بينهم إذا أمرتهم أن يقترعوا، وقارعت بينهم أيضًا، والأولُ أصوبُ. ذكر ابن التّيانيِّ في «المُوعِب» في «التَّهذيب» لأبي منصورٍ عن ابن الأعرابيّ: القرع والسبق والندب: الخطرُ الذي يُستبَقُ عليه.
وقال النوويُّ: معناه: أنَّهم لو علموا فضيلةَ الأذان وعظم جزائه، ثم لم يجدوا طريقًا يحصِّلونه به لضيق الوقت
لاقترعوا في تحصيله.
وقال الطيبيُّ: المعنى: لو علموا ما في النداء والصف الأول من الفضيلة، ثم حاولوا الاستباق لوجب عليهم ذلك.
وأتى بـ (ثم) المؤذنة بتراخي رتبة الاستباق من العلم، وقدم ذكر الأذان دلالة على تهيُّؤ المقدمة الموصلة إلى المقصود الذي هو المثول بين يدي رب العزة.
قال شيخنا: يعني: ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا، أي: لم يجدوا شيئًا من وجوه الأولوية، أما في الأذان؛ فبأن يستووا في معرفة الوقت وحسن الصوت ونحو ذلك من شرائط المؤذن، وأما في الصف الأول؛ فبأن يصلوا دفعة واحدةً، ويستووا في الفضل، فيقرع بينهم في الحالتين، وزعم بعضهم: أن المراد بالاستهام هنا: الترامي بالسِّهام، وأنه أُخْرِجَ مخرج المبالغة، واستأنس بحديث: «لَتُجَادِلُوا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ»، لكن الذي فهمه البخاري أَوْلى، ولذلك استشهد له بقصة سعد، ويدل عليه رواية لمسلم: (لَكَانَتْ قُرْعَةً) انتهى.
قوله: (عَلَيْهِ) أي: على كلِّ واحدٍ من الأذان والصف الأول، وبذلك يصحُّ تبويبُ المصنف، وقد نازع ابنُ عبد البر والقرطبيُّ في مرجع الضمير، قال ابن عبد البرِّ: يرجع إلى الصف الأول لا إلى النداء، وهو حقُّ الكلام؛ لأنَّ الضميرَ يعود لأقرب مذكورٍ، وقال القرطبيُّ: يلزم منه أن يبقى النداء ضائعًا لا فائدة له، بل الضمير يعود على معنى الكلام المتقدم، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] أي: جميع ما ذكر.
قال شيخنا: وقد رواه عبد الرزاق عن مالك بلفظ: «لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِمَا»، فهذا مفصحٌ بالمراد من غير تكلفٍ. انتهى.
قال العينيُّ: الصوابُ مع القرطبيّ، وحديثُ عبد الرزاق يدلُّ على صحة التقدير الذي قدَّره. انتهى.
قوله: (مَا فِي التَّهْجِيرِ) أي: التّبكير إلى الصلوات، قال النوويُّ: وعليه الخليلُ وغيره على ظاهره (^١) فقال: والمراد: الإتيان إلى صلاة الظهر في أول الوقت؛ لأن التهجير مشتقٌّ من الهاجرة، وهو شدَّةُ الحر نصف النهار، وهو أول وقت الظهر. قال العينيُّ: الصوابُ ما قاله الهرويّ؛ لأن اللفظ مطلقٌ، وتخصيصه بالاشتقاق لا وجهَ له.
ثم المرادُ من التبكير إلى الصلوات: التهيؤ والاستعداد لها، ولا يلزم من ذلك إقامتها في أول أوقاتها، وكيف وقد أمر الشارع بالإبراد في الظهر، والإسفار في الفجر؟! وأيضًا الهاجرةُ تطلق على وقت الظهر إلى أن يقرب العصر، فإذا أبرد يصدق عليه أنه هجَّر على ما لا يخفى. انتهى.
قال شيخنا: وإلى قول الخليل مال البخاريُّ كما سيأتي، ولا يرد على ذلك مشروعيَّةُ الإبراد بالظهر؛ لأنه أريد به الرفقُ، وأما من ترك قائلته وقصد إلى المسجد لينتظر الصلاة فلا يخفى ما له من الفضل. انتهى.
قوله: (لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ) قال ابن أبي حمزة (^٢): المراد: الاستباق معنى لا حسًا؛ لأن المسابقة على الأقدام حسًا تقتضي السرعة في المشي، وهو ممنوعٌ منه.
قال العيني: المراد من الاستباق: التَّبكير، بأن يسبق غيره في الحضور إلى الصلاة.
قال شيخنا: وسيأتي الكلامُ على بقية الحديث في باب فضل صلاة العشاء في الجماعة قريبًا، ويأتي الكلامُ على المراد بالصف الأول في آخر أبواب الإمامة إن شاء الله تعالى.
قال العيني: قوله:

(^١) كذا في الأصل، وفي «شرح النووي على مسلم»: (التبكير إلى الصلاة أي صلاة كانت، قال الهروي وغيره، وخصه الخليل بالجمعة).
(^٢) كذا في الأصل، والصواب: (جمرة)، والكلام في شرحه.

1 / 148