147

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

له لذلك، ليكون مكافأة لإحسانه إلينا؛ إذ لا إحسان أفضل من إحسانه إلينا، كذلك دعونا له بدرجة لا درجة أفضل منها، والله أعلم. انتهى
قال شيخنا: قوله: (الذي وعدته) بدل، أي: من قوله: (مقاما) أو عطف بيان، أو خبر مبتدأ محذوف، وليس صفة للنكرة، ووقع في رواية النسائي وابن خزيمة وغيرهما: «المقام المحمود» فيصح وصفه بالموصول، والله أعلم. قال العيني: فإن قلت: هل يجوز أن يكون صفة للمقام؟ قلت: إن قلنا: المقام المحمود، صار علمًا لذلك المقام يجوز أن يكون صفة، وإلا لا يجوز لأنه نكرة. وأما على رواية النسائي، فيجوز بلا نزاع. انتهى
قوله: (حَلَّت لَهُ شَفاعَتي) جواب مَن، ومعنى (حلت) أي: استحقت ووجبت، ويكون من الحلال؛ لأنه مَن كان الشيءُ حلالًا له كان مستحقًا لذلك، وبالعكس، ويجوز أن يكون من الحلول بمعنى النزول، وتكون اللام بمعنى على، يقال: حَلَّ يَحُل بالضم إذا نزل، ويؤيده رواية مسلم: «حلَّت عليه»، ووقع في الطحاوي من حديث ابن مسعود: «وجبت له»، ولا يجوز أن يكون من الحِل خلاف الحُرمة؛ لأنها لم تكن قبل ذلك محرمة. فإن قيل: كيف جعل ذلك ثوابًا لقائل ذلك مع أنه ثبت أن الشفاعة للمذنبين؟ أجيب: بأن للنبي ﷺ شفاعات متعددة، كإدخال الجنة بغير حساب، ورفع الدرجات، فيشفع لكل أحد بما يناسب حاله. ونقل القاضي عياض عن بعض شيوخه: أنه كان يرى تخصيص ذلك بمن قال مخلصًا مستحضرًا إجلال النبي ﷺ، لا من قصد بذلك مجرد الثواب ونحو ذلك، وهذا مجرد تحكم غير مرضي. قال شيخنا: ولو كان أخرج بالغافل اللاهي لكان أشبه، قال العيني: وفيه نظر أيضًا على ما لا يخفى. انتهى
فيه الحض على الدعاء في أوقات الصلاة حين تفتح أبواب السماء للرحمة، وقد جاء: «ساعتان لا يرد فيهما الدعاء: حضرة النداء بالصلاة، وحضرة الصف في سبيل الله» فدلهم ﵇ على أوقات الإجابة.
فإن قلت: هل الإتيان بهذه الألفاظ المذكورة سبب لاستحقاق الشفاعة، أو غيرها يقوم مقامها؟ قال العيني: روى الطحاوي من حديث عبد الله بن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال: «ما من مسلم يقول إذا سمع النداء، فيكبر المنادي فيكبر، ثم يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا رسول الله، فيشهد على ذلك ثم يقول: اللهم أعطِ محمدًا الوسيلة واجعله في الأعلَين درجته، وفي المصطفَين محبَّته، وفي المقربين ذِكره إلا وجبت له شفاعتي يوم القيامة» وأخرجه الطبراني أيضًا.
قوله: (وَاجعَلهُ) أي: واجعل له درجة في الأعلين، وهو جمع أعلى، وهو صفة مَن يعقل ههنا؛ لأن المراد منهم الأنبياء ﵈، فلذلك جمع بالواو والنون، فإعرابه بالواو حالة الرفع وبالياء في حالَتي النصب والجر، وهذا مقصور، والضمة والكسرة فيه مقدرتان في حالتي النصب والجر.
قوله: (المصطفَين) بفتح الفاء جمع مصطفى، وهو أيضًا كذلك بالواو حالة الرفع وبالياء حالتي النصب والجر، والمصطفى
المختار من الصَّفْوة، وأصله: مصفيّ، فقلبت كما عُرف في موضعه، أي: من كتب التصريف.
وروى الطَّحاويُّ أيضًا من حديث أم سَلَمَة ﵂ أنها قالت: علمني رسول الله ﷺ فقال: «يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِذَا كَانَ عِنْدَ أَذَانِ المَغْرِبِ (^١): اللَّهُمَّ (^٢) عِنْدَ اسْتِقْبَالِ لَيْلِكَ، وَإِدْبَارِ نَهَارِكَ، وَأَصْوَاتِ دُعَائِكَ، وَحُضُورِ صَلَوَاتِكَ، اغْفِرْ لِيْ» وأخرجه أبو داود، ولفظه: «اللَّهُمَّ هَذَا إِقْبَالُ لَيْلِكَ، وَإِدْبَارُ نَهَارِكَ، وَأَصْوَاتُ دُعَائِكَ، فَاغْفِرْ لِي»، وأخرجه الطَّبرانيُّ في «الكبير» وفي آخره: «وَكَانَتْ إِذَا تَعَارَّتْ مِنَ اللَّيْلِ تَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَاهْدِ السَّبِيلَ الأَقْوَمَ»، وروى أبو الشيخ من حديث ابن عباس يرفعه: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَبْلِغْهُ الدَّرَجَةَ وَالوَسِيلَةَ عِنْدَكَ، وَاجْعَلْنَا فِي شَفَاعَتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ»،
وفيه إثباتُ الشّفاعة للأمة صالحًا وطالحًا لزيادة الثواب أو إسقاط العقاب؛ لأن لفظة (فِي) عامّةٌ، فهو حُجَّةٌ على المعتزلة حيث خصَّصوها بالمطيع لزيادة درجاته فقط.
(٩) (بَابُ الِاسْتِهَامِ فِي الأَذَانِ) أي: هذا بابٌ في بيان حكم الاستهام - أي: الإسراع - في الأذان، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١]. قال الخَطَّابيُّ: وإنما قيل له: الاستهام؛ لأنهم كانوا يكتبون أسماءهم على سهام إذا اختلفوا في الشيء، فمن خرج سهمُه غلب، والقرعةُ أصلٌ من أصول الشريعة في حال من استوتْ دعواهم في الشَّيء لترجِّحَ أحدهم، وفيها تطييبُ القلوب.
قوله: (وَيُذْكَرُ أَنَّ أَقْوَامًا اخْتَلَفُوا فِي الأَذَانِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ) أي: ابن أبي وقَّاص أحد العشرة المبشرة بالجنة. هذا التَّعليقُ أخرجه سعيدُ بن منصور والبيهقيُّ من طريق أبي عُبَيد كلاهما عن هُشَيم عن عبد الله بن شُبْرمةَ، قال: تشاحَّ الناسُ في الأذان بالقادسية، فاختصموا إلى سعد بن أبي وقاص فأقرع بينهم. وهذا منقطع، وقد وصله سيفُ بن عمر في «الفتوح» والطبريُّ من طريقه عنه، عن عبد الله بن شبرمة عن شَقِيق، وهو أبو وائل، قال: فتحنا القادسيةَ صدرَ النهار، فتراجعنا وقد أصيب المؤذنُ، فذكره وزاد: فخرجتِ القرعةُ لرجلٍ منهم فأذَّن.
قوله: (فِي الأَذَانِ) أي: في منصب التَّأذين، يعني: اختلافُهم لم يكن في نفس الأذان، وإنما كان في التَّأذين، والأذانُ يأتي بمعنى التأذين، وكان ذلك عند فتح القادسية في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ في سنة خمس عشرة، وكان سعدٌ يومئذٍ أميرًا على الناس.
قال الصَّغّانيُّ: القادسيّةُ: قريةٌ على طريق الحاجّ على مرحلة من الكوفة، وحكى الجوهريُّ: أنَّ إبراهيم ﵇ قدَّس على ذلك المكان، فلذلك صار منزلًا للحاج، وكان بها وقعةٌ للمسلمين مشهورةٌ مع الفرس في خلافة عمر. قال العينيُّ: وقيل: مرَّ إبراهيم ﵇ بالقادسية، فوجد هناك عجوزًا، فغسلت رأسه، فقال: قُدِّستِ من أرض، فسُميت القادسية، وقيل: سُميت بذلك لنزول أهل فارس بها، وقادس: قرية بمروِالروذ، قال شيخنا: القادسيةُ: مكانٌ بالعراق معروفٌ، نسب إلى قادس، رجلٍ نزل به.
٦١٥ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) أي: التّنيسيّ.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) أي: ابن أنس، ترجمتهما في بدء الوحي.

(^١) في «شرح معاني الآثار» زيادة: (فقولي).
(^٢) في «شرح معاني الآثار» زيادة: (هذا).

1 / 147