Maqālāt Islāmiyya - Majālis Āl Muḥammad
مقالات إسلامية - مجالس آل محمد
2- جذور النزعة الاستيطانية في الفكر السياسي الصهيوني المعاصر(الرواد):
إن الأفكار والنظريات الاستيطانية لدى رواد الفكر السياسي الصهيوني لم تكن تجري في فلسطين وإنما في أوروبا، وفي ظروف التوسع الإمبريالي والأوروبي بدأت تنمو بذور الفكرة الاستيطانية الصهيونية خاصة في ستينات القرن التاسع عشر، إذ لم يكن يمتلك هؤلاء ن مقومات الدولة المزعومة سوى النظريات، فلم تكن لديهم أرض لشعبهم المشتت، ولم يكن ليتسنى لهم إقامة الدولة بدون توفر الأرض، وبدون الهجرة اليهودية وبدون الاستيطان اليهودي، فقد شكلت الأرض المحور الرئيسي لدى لفكر الرواد، وعليه فقد حاربوا فكرة الاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها بين، ورأوا أن حل المسألة اليهودية لن يكون إلا بهجرة اليهود واستيطانهم في فلسطين.
وفي هذا الجزء سوف نستحضر أبرز ملامح المناخ الفكري الذي شهده القرن التاسع عشر والذي هيأ الظروف لدور الحركة الصهيونية من خلال التعريف ببعض أهم رواد الفكر الصهيوني الذين كان لهم الدور الأول في بلورة المشروع الصهيوني الاستيطاني فكريا وروحيا.
أولا: الرواد الأوائل:
أ- الحاخام يهوذا القالي(القلعي)(1798-1878)
- حياته وعصره:
ولد في سراييفوا وكان الزعيم الروحي للمجتمع اليهودي المحلي هناك، ولقد أمضى سنينه الأولى في القدس، حيث خضع لتأثير القبالة الروحي السائد آنذاك في المدينة المقدسة، وفي عام 1825 دعي ليكون حاخاما لعاصمة الصرب، وكانت الحركة القومية للبلقان ضد الحكم العثماني في مطلعها.
ومن أهم منشوراته كراسة بعنوان" اسمعي يا إسرائيل"، وكذلك كتيب بعنوان"الخلاص الثالث" المنشور عام1843م، تضمنت أقدم دعوات الاستيطان اليهودي لفلسطين، فكان أول الصهاينة الذين طالبوا بذلك.
- النزعة الاستيطانية في فكره:
بدأت فكرة إقامة دولة يهودية في فلسطين تأخذ مداها مع الخاخام يهوذا في مرحلة كان فيها الحديث عن تقاسم تركة الرجل المريض أخذ بالتصاعد، فقد سعى من خلال منشوراته إلى اختلاق أيدلوجيات تعتمد على الفكر الديني لتعطي إيحاء بأن اليهود كانوا أمة واحدة، وليصبح هدفا قوميا، يجذب فقراء اليهود بالتلويح بالفوائد المالية الجمة التي بالإمكان تحقيقها عن طريق الاستعمار الذي كان مطروحا بقوة آنذاك.
ففي كراسة "اسمعي يا إسرائيل" انطلق من تربة تلمودية دينية صرفة دعا فيها إلى ضرورة القيام بمجهودات ذاتية للخلاص، وقد دعا إلى إقامة مستعمرات يهودية في فلسطين بالجهد الذاتي، كمقدمة لا مناص منها لخلاص اليهود الموعودون به إذ وضع برنامج عمل يهودي لإقامة تلك المستعمرات تضمنت الخطوات التالية:
- تكوين اتحاد أو جمعية لليهود لتكوين ما أسماه بالكيان اليهودي العالمي
- شراء الأرض في فلسطين عن طريق صندوق قومي، بالإضافة إلى إنشاء صندوق ضرائب يهودي لتمويل عمليات الشراء.
- الهجرة الجماعية.
- إحياء اللغة العربية.
وهذه الأفكار تمخضت عنها فيما بعد"المنظمة الصهيونية العالمية ومؤسستها المالية"
وقد تضمن كتابه الآخر(الخلاص الثالث) تكرارا للأفكار السابقة إلا أنه ربطها بالمنطق التوراتي التلمودي.
ب- الحاخام زفي هيرش كالشير(1795-1874)
- حياته وعصره:
ولد في بولندا، وقد ظهر تعصبه الفكري في مناوأته المبكرة لحركة الإصلاح اليهودية السائدة آنذاك والداعية إلى نبذ كثير من العقائد والطقوس الموروثة لا سيما عقيدة المسيح المنتظر وما يتصل بها من علاقة اليهود الخاصة بالأرض المقدسة، ويكمن خالص فكره في كتابه " البحث عن صهيون" الصادر عام1861م.
-النزعة الاستيطانية في فكره:
ينطلق من نفس منطلق القالي في طرحه، إذ أكد في كتابه "البحث عن صهيون" أن خلاص اليهود لن يتحقق على يد المسيح المنتظر، وإنما عن طريق العمل الذاتي لليهود، وشرح فكرته ووسائل تحقيقها مستفيدا ذلك من نصوص التوراة ويمكن توضيح أهم أفكاره بالشكل التالي:
- أن خلاص اليهود لن يكون بمعجزة من السماء تظهر فجأة وتحقق لليهود العودة للأرض المقدسة، ولكنه يكون بالعمل الصابر وعون المحسنين والحكومات.
- أن الهجرة لن تتم جماعيا وكدفعة واحدة بل تدريجيا.
- أن الاستيطان اليهودي في الأرض المقدسة هو الأساس للخلاص.
- يجب تقديم العون من اليهود في الخارج لليهود المعوزين المقيمين في فلسطين.
- دعا إلى الاستيطان الزراعي في فلسطين وإقامة مستوطنات زراعية مؤكدا أن إيمان اليهودي لا يكتمل إلا إذا عاش في أرض إسرائيل.
ج- موسى هيس :
- حياته وعصره:
ولد في بون الألمانية، وزامل كارل ماركس في الجامعة وتعاون معه من أجل الاشتراكية العلمية ثم انفصل عنه وعدل عن أفكاره الاشتراكية وتحول إلى دراسة اليهودية ، ويعتبر رائد الصهيونية العمالية، وقد اشترك في الثورة الألمانية فحكم عليه بالإعدام ثم فر إلى فرنسا وعاد إلى ألمانيا بعد إعلان العفو، وقد تأثر بنجاح الوحدة القومية في إيطاليا ، فدعا إلى الوحدة القومية لليهود وأكد على فكرة نقاء العرق اليهودي متبنيا المنهج العرقي في التحليل التاريخي .
وكتبه هي :
- كتاب "تاريخ الإنسان القدسي" والذي تضمن فكره القديم ، فمجد النصرانية إذ رأى فيها توحيد البشرية جميعا وقلل من شأن اليهودية التي تسعى لتوحيد شعبها فقط.
- كتاب " روما والقدس" أعد من خلاله أول داعية للفكرة القومية اليهودية كعقيدة جديثة.
- كتاب " مشروع استعمار الأراضي المقدسة".
- النزعة الاستيطانية في فكره:
تميزت كتابات هيس عامة بالعنصرية ففي كتابه"روما والقدس" اعتبر المسألة اليهودية إحدى حركات النضال القومي المستلهمة من الثورة الفرنسية،إذ وضع المسألة اليهودية في باب النضال الوطني، كما طالب فرنسا بتشجيع اليهود على إنشاء مستعمرات تمتد من قناة السويس إلى مدينة القدس ومن نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط، ومن أهم ما ورد في كتابه هذا:
- اعترافه بخطئه الذي استمر عشرون عاما، حينما أزدرأ اليهودية وابتعد عن طريقها وبعد عن بني إسرائيل، وذلك في إشارة منه إلى كتابه الأول"تاريخ الإنسان القدسي" الذي مجد النصرانية فيه وهاجم اليهودية.
- الحملة عل اليهود الألمان الذين يعارضون فكرة القومية اليهودية، ووصف العرق اليهودي من وجهة نظره على أنه عرق رئيسي في الجنس البشري، وامتدت حملته تلك لتشمل حتى دعاة الإصلاح والاستنارة اليهودية.
- الدين اليهودي، هو دين قومي، بل هو قومية قبل كل شيء.
- يدعو للعنصرية من خلال طرحه لأفكاره فيرى أنه يجب على اليهودي أن يتمسك بعنصريته حتى وإن ضحى بحريته.
وقد تضمن كتابه الثالث "مشروع استعمار الأراضي المقدسة" فكرة استعمار مركزة للأراضي الفلسطينية، يسبقها إعداد نفسي وعسكري للمستوطنين العائدين إلى أراضي آبائهم، ثم يلي مرحلة الاستيطان إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
وقد راح هيس يترجم مشروعه إلى واقع ملموس، إذ تؤكد رسالة مؤرخة في عام1865 إلى الحاخام الأكبر لمدينة أمستردام الوعود التي حصل عليها هس من رجال المال المرتبطين بالاستعمار الجزائري عن تعاون هؤلاء والنظر بعين العطف لإنشاء مستعمرات يهودية في فلسطين وفي المناطق المجاورة لها.
Page 224