Maqālāt Islāmiyya - Majālis Āl Muḥammad
مقالات إسلامية - مجالس آل محمد
5-التاريخ اليهودي:
استعرض د.خالد الفهد في أطروحته للدكتوراه والمعنونة ب( النزعة الاستيطانية في الفكر الصهيوني) التاريخ اليهودي بشكل مركز يسمح بالتحقق من الحقوق التاريخية التي تدعيها الصهيونية وتطالب بها في أرض فلسطين وما جاورها مؤكدا على أن أسفار العهد القديم هي المصدر الأساسي للمعلومات التي تفيد عن استقرار اليهود في أرض كنعان، وقبل دخوله في سرد مسلسل التاريخ التوراتي - الذي يعد أهم مكمل للفكرة الدينية، وفي جوهره يعبر عن الارتباط اليهودي بالأرض -أكد على أنه في مجمله يعتبر تاريخا غير موضوعي بل هو عبارة عن نصوص منحازة من نتاج نخبة قليلة من الناس ،وهو كما عبر عنه المؤرخ طومسون "لم يكن تاريخا تخول إلى خيال ، بل خيالا تحول إلى تاريخ".ولم يقتصر في أطروحته على سرد التاريخ كما جاء في التوراة بل قام بمناقشته والتنبيه لما جاء فيه من تناقضات ومغالطات واستنادا على أطروحة الفهد سوف يتم التطرق للتاريخ اليهودي (التوراتي) كالآتي:
أولا: عهد الأنبياء:
الفرع الأول: نبي الله إبراهيم الخليل- عليه السلام-
يمثل نبي الله إبراهيم-عليه السلام- مرحلة تاريخية مهمة في التاريخ اليهودي، ويعد رمزا أكثر أهمية ودلالة وعمقا، إذ يرجع اليهود أصلهم إلى هذه الشخصية العظيمة، إلا أنه لم يرد في التوراة أي ذكر عن كونه نبي مرسل من العناية الإلهية لنقل البشرية من الظلمات إلى النور، بل حرص مدونو التوراة أن يكون المدخل التاريخي لبني إسرائيل حتى ينسبوا "عقيدة الأرض الموعودة" بين الإله "يهوه" وسيدنا إبراهيم عليه السلام.
وتذكر التوراة بأن إبراهيم عليه السلام قد تلقى أمرا من الرب بالهجرة لترك أرضه وعشيرته وبيت أبيه إلى الأرض التي سيريها له فاستجاب لأمر ربه، وصحبه في تلك الرحلة زوجته سارة وابن أخيه لوط ورعاتهما، وبعد أن نشب خلاف بين رعاة إبراهيم ولوط عليهما السلام حول الأرض التي سيمكثون فيها اعتزل لوط عمه، فنقل إبراهيم خيامه إلى بلوطة مورة(الخليل حاليا) فتجلى له الرب وقال له " ارفع عينيك، وانظر من الموضع الذي أنت فيه شمالا وجنوبا وشرقا وغربا لأن جميع الأرض التي ترى لك أعطيها ولنسلك إلى الأبد".ويفيد السفر أن الأرض المذكورة هي أرض كنعان وأنها كانت مملوكة للكنعانيين وأن إبراهيم عليه السلام قد اشترى قطعة أرض من مالك كنعاني لينصب فيها خيامه وأنه دفع ثمنها من فضة.
وقد تكرر العهد مرة ثانية كالتالي:" في ذلك اليوم قطع الرب مع ابرام (أي إبراهيم) ميثاقا قائلا"لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات"، ويتضح من سياق النص ازدياد رقعة الأرض من أرض كنعان لتصبح من نهر مصر إلى الفرات.
وتأكد العهد مرة ثالثة على إبراهيم عليه السلام وكان عمره تسع وستون عاما كالتالي" وأعطي ل ولنسلك من بعدك أرض غربتك ، كل أرض كنعان ملكا أبديا، وأكون إلههم"، ويعترف كتبة التوراة في هذا النص بأن أرض كنعان هي بالنسبة لإبراهيم أرض غربة سكنها الكنعانيون الأصليون، ويفيد النص بتقلص حدود الأرض لتعود سيرتها الأولى، وقد جاء هذا الوعد بعد أن رزق سيدنا إبراهيم بولده إسماعيل عليهما السلام والسؤال هنا لماذا لا تكون هذه الأرض بحسب العهد المكتوب لديهم لنسل إسماعيل أيضا؟
ويختتم السفر قصة إبراهيم بعد مكوثه زمنا طويلا في أرض كنعان موته ودفنه بجوار زوجته سارة في الأرض التي اشتراها، ولم يتحقق الوعد مع هذه الشخصية العظيمة فهل سيتحقق مع ذريته؟؟
الفرع الثاني: أبناء العهد:
تفيد التوراة أنه كان لإبراهيم عليه السلام ولد آخر من زوجه الأولى سارة وهو النبي إسحاق عليه السلام ويحمل معه ميزات العهد الذي تجدد معه فجاء في سفر التكوين" وظهر له الرب وقال لا تنزل إلى مصر، اسكن في الأرض التي أقول لك، تغرب في هذه الأرض فأكون معك، وأباركك وأفي بالقسم الذي أقسمت لإبراهيم أبيك وأكثر نسلك كغيوم السماء وأعطي لنسلك جميع هذه البلاد".
وتذكر التوراة بأن إسحاق رزق بتوأمين هما عسو ويعقوب، وتجدد العهد مع يعقوب ابن العهد المسمى بإسرائيل حيث ورد" الأرض التي وهبتها لإبراهيم وإسحاق أعطيها لك ولذريتك من بعد أيضا" وفي هذا النص حصر للعهد في إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام، لكي لا يشمل العهد أبناء إبراهيم عليه السلام الآخرين.
وقد بقي يعقوب عليه السلام متنقلا في كنعان من مكان إلى آخر وقد رزق بأثني عشر ولدا أطلق عليهم" أسباط بني إسرائيل" وهم الذين كانوا نواة المجتمع الإسرائيلي آنذاك.
ويروي غالبية المؤرخين أن تاريخ بني إسرائيل بدأ من نشأتهم في حجر أبيهم يعقوب عليه السلام ، وكان من بين أبناء يعقوب يوسف عليه السلام وقصته مفصلة في سفر التكوين، وقد كان السبب في هجرة أبيه يعقوب وأخوته إلى مصر، إذ رفع الله مكانته فكان وزيرا في نظام حكم الهكسوس فأرسل في طلب أبيه وعفا عن أخوته الذين تآمروا على قتله، واختار لهم أرض جاسان فاستوطنوا فيها فملكوا فيها وأثمروا وكثروا، وعاشوا في بحبوحة،ولكن تبدل حالهم بسقوط نظام الهكسوس ، وكان تقوقعهم حول أنفسهم وعدم اندماجهم مع الشعب المصري عامل آخر عزز سوء حالتهم فاستعبدهم المصريون وظلوا في شقاء لمدة قرن ونصف إلى أن أرسل الله موسى نبيا فكانت نجاتهم على يديه.
الفرع الثالث: موسى عليه السلام:
هو سيد الأنبياء ومخلص بني إسرائيل من عذاب المصريين، وهو مؤسس الديانة اليهودية، فهو الذي سن وكتب التوراة وفقا للمعتقد اليهودي، وينظر إلى موسى على أنه بطل قومي حقق الخلاص السياسي لبني إسرائيل وحررهم من عبودية المصريين.
تفيد التوراة أن الله أمر موسى عليه السلام بإخراج بني إسرائيل من مصر لاحتلال"أرض الميعاد" فخرج موسى ومن معه بمعجزة إلهية، وكان ذلك حوالي عام1400 ق.م متجهين نحو أرض كنعان وتجدد العهد حيث جاء في التوراة" فتعلمون أني أنا الرب إلهكم الذي أخرجكم من تحت أثقال المصريين وأوصلكم إلى الأرض التي رفعت يدي أن أعطيها لإبراهيم وإسحاق ويعقوب وأعطيكم إياها ميراثا"، ويذكر السفر أنه عندما وصل موسى وقومه إلى برية سيناء اختار أثنى عشر نقيبا لاستطلاع أحوال الأرض، ورجع الوفد بعد أربعين يوما وكانت نتيجة الاستطلاع أن اجمعوا على أن الأرض التي وعدهم الله تفيض لبنا وعسلا غير أن الشعب الموجود فيها بالغ القوة ومدنه حصينة واختلفوا في الرأي إذ رأت قلة أن من السهل امتلاك البلاد والتغلب على أهلها ورأت الأكثرية أن من الصعب عمل ذلك فعمل الشعب برأي الأغلبية وقرر ألا يخوض حربا مع أهل تلك البلاد، وقد عاقبهم الله أن حرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الصحراء، وخلال تلك الفترة نزلت على موسى "شريعة الاحتراب" حيث يمكن اعتبارها بمثابة أجندة من (يهوه) إله إسرائيل لامتلاك الأرض وإدارتها وتضمنت تلك الشريعة الآتي:" حين تقدمون لمحاربة مدينة فادعوها للصلح أولا، فأن أجابتكم إلى الصلح،واستسلمت لكم، فكل الشعب الساكن فيها،يصبح عبيدا لكم وإن أبت الصلح وحاربتكم فحاصروها، فإذا أسقطهم الرب إلهكم في أيديهم فاقتلوا جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة من أسلاب فاغتنموها لأنفسكم، وتمتعوا بغنائم أعدائكم التي يهبها الرب إلهكم ميراثا فلا تستبقوا منها نسمة حية، بل دمروها عن بكرة أبيها كمدن الحيثيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحوبيين واليبوسيين كما أمر الرب"
ويمكن أيجاز الهدف الرئيسي الذي وضعت من أجله هذه الشريعة أنه تحريم التعايش الإنساني الكريم بين بني إسرائيل ومن سواهم.
وتفيد التوراة أنه قبل وفاة موسى عليه السلام فإنه قد وضع خطة إسكان استيطانية لبني إسرائيل ولقد كتب سوكولوف أحد زعماء الصهيونية ما يلي" إن أهم أهداف موسى هو تأمين مستقبل الأمة اليهودية، والاستيلاء على أرض الميعاد إلى الأبد ولا سبيل إلى المكابرة في هذا".
ومع ذلك فالتوراة تعد موسى خائنا غضب الرب عليه وأمر بموته جزاء خيانته فأصبح موسى مجرد رمز بينما أمسى يشوع الزعيم الديني لبني إسرائيل.
الفرع الرابع:يوشع بن نون (يشوع):
هو تلميذ موسى وخادمه ويعده الصهاينة مصورا أساسيا لتعاليم الصهيونية، وتأتي بداية سفر يشوع بذكر وعد الرب للآباء الأوائل ، وتذكر التوراة صيغة العهد بين يهوه ويشوع إذا جاء ما نصه" إن الرب كلم يشوع بن نون خادم موسى قائلا: موسى عبدي قد مات فالآن قم أعبر نهر الأردن انت وكل هذا الشعب إلى الأرض التي أنا معطيها لهم- أي بني إسرائيل- كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته، كما كلمت موسى من البرية ولبنان هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات جيمع أرض الحيثيين وإلى البحر الكبير نحو مغرب الشمس يكون تخمكم".
وهذا العهد الأخير تضمن آلية جديدة لتحديد أرض الميعاد لم تكن موجودة في العهود السابقة، ففيه أمر بالتوسع وموطئ القدم يتطلب إزاحة موطئ قدم أخرى" وقد أصبح ذلك مطلبا صهيونيا ودافعا لهم للاستيلاء على أية أرض تمكنهم أن يصلوا إليها ، وهذا يعني أن الحدود عند إسرائيل إنما تقرها القوة وليس الحق.
وبالعودة إلى ما ورد في التوراة فإن عملية العبور لم تتم إلا بعد مرور عامين من صدور الأمر،إذ تدخلت العناية الإلهية بإحداث زلزال خفف منسوب المياه وردمت النهر بحيث استطاع الإسرائيليون عبور ذلك النهر، وبينما كانوا في منتصف النهر قال لهم يشوع: هل تعرفون لماذا تجتازون النهر؟؟ثم يجيب بقوله: من أحل أن ترثوا سكان البلاد الذين قبلكم، إذا فعلتم هذا فهو خير، وإن لم تفعلوه سوف تأتي المياه وتجرفكم جميعا ويرى الحاخام حانان بورات أن هذا الأمر الذي نزل من عند الإله على يشوع كان لإصلاح العالم إذ أن الأمم قد بلغت غاية شرورها ولا سبيل لإصلاحها فقدر لبني إسرائيل أن يكونوا هم أداة العقاب!
ويستهل يشوع فاتحة عمله باقتحام أولى المدن الكنعانية وهي مدينة أريحا التي تقع على الضفة الغربية لنهر الأردن،وكانت نتيجة ذلك الاقتحام أن أبادوا أهلها ودمروها تدميرا كاملا وأزالوها من الوجود، وكان ذلك أيضا مصير المدن الكنعانية الأخرى ، ويفيد السفر بأن بني إسرائيل استوطنوا جزء كبير من بلاد كنعان بعد أن انتصروا على واحد وثلاثين ملكا وقد استغرقت عمليات التسلل والاحتلال تلك قرابة سبع سنوات حيث عقد يشوع اتحادات مع كثر من المدن الملكية بدلا من احتلالها، بعدها قام يوشع بإجراء القرعة بين الأسباط ووضع خطة استيطانية للإسكان.
ويذكر السفر أن هناك أرضا كثيرة لم يستول عليها يشوع وقومه وهذا يعطي دلالة قاطعة على أن بني إسرائيل كانت عشائر محدودة العدد والعدة، عاشت في جزء من بلاد الكنعانيين كمستوطنات ليس إلا، ويضيف بعض من المؤرخين أن من العوامل التي ساعدت على تقدم عمليات الغزو في بلاد كنعان هي ملائمة الظروف السياسية الداخلية والخارجية آنذاك، فقد كانت البلاد منقسمة على نفسها تتصارع فيما بينها دويلات لا يحصى عددها يحكمها إقطاعيون يستفيدون وهمهم الوحيد الحفاظ على سيطرتهم، كما كان للعامل الخارجي أيضا دورا في هذا الجانب فالقوى العظمى المحيطة بكنعان آنذاك، لم يكن لها دورا إيجابيا في تلك الفترة نظرا للضعف السياسي والعسكري الذي حاق بمصر في فترة حكم اخناتون وخليفته نون عنخ آمون.
ومهما كانت الأسباب فإنه يمكن القول أنه لم يتسنى لبني إسرائيل تملك أرض كنعان كاملة، وأن المناطق المحتلة(كما يفيد السفر) بقيت فيها عمليات المقاومة للاستيطان الإسرائيلي من قبل سكان الأرض الأصليين، فما كان منهم إلا أن عاشوا معهم واختلطوا بهم ووصل بهم الأمر إلى أن أرتد كثير منهم عن دينهم، واستطاعت تلك الأقوام التي رضخت للاحتلال أن تسترد أوطانها من أولئك الغزاة في فترات لاحقة.
ويرى بعض المؤرخين أن تاريخ إسرائيل في كنعان يبدأ من دخولهم إلهيا بقيادة يوشع بن نون، ونجد أن العديد من الكتابات لا سيما الغربية منها حاولت تأصيل الحق التاريخي فوجدت عدد من النظريات لبداية الوجود الإسرائيلي في أرض كنعان منها ما ذكره مندنهول اللاهوتي البروتستانتي في دراسته التي حملت عنوان"الغزو العبراني لفلسطين" ونشرت عام 1962م حيث قال " أن المجتمع الكنعاني كان مجتمعا مفككا عجز عن حفظ السلام في تلك المنطقة وذلك لكونه وثنيا، ولكون الأرض ملكا إلهيا فإن الله قد أهداها للإسرائيليين الموحدين، وبالتالي فإن غزوهم لهذه الأرض يعد واجبا حفاظا على ذلك العهد، وعليه فقد رفض الإسرائيليون واقع تلك المجتمعات ثقافيا وسياسيا واجتماعيا ودينيا.
وقد عبر بن جوريون عن إعجابه بأعمال يشوع تلك فيرى أن يشوع بطل التوراة، لم يكن مجرد قائد عسكري فحسب، بل كان المرشد فقد توصل إلى توحيد القبائل الإسرائيلية وقد قتل الفلسطينيين وأبادهم ، وتمجيدا لهذا العمل وبالنظر إلى ما يدور في جنبات الكيان الصهيوني فقد كتب المحلل السياسي الصهيوني مناحم باراش في صحيفة "يديعوت احرونوت" يجب علينا أن نكون مثل يشوع من أجل استعادة أرض إسرائيل والاستقرار فيها كما أمرنا الكتاب المقدس.
الفرع الخامس: القضاة (1250-1020):
جاءت كلمة قضاة من قاضي وهو الذي يحكم بين الناس، إلا أن لها مدلولها في التاريخ اليهودي القديم إذ تشير إلى ما يمكن تسميته ب(شيوخ القبائل) وهؤلاء الأشخاص هم من الكهنة المحاربين جمعوا بين السلطة الدينية والدنيوية، وسيطروا على أمور القبائل الإسرائيلية بعد وفاة يشوع لمدة قرنين من الزمن، وفي هذه المرحلة بأكملها لا نجد قاضيا سويا استطاع أن يبسط سلطانه على جميع بني إسرائيل، فكل واحد من هؤلاء كان يتسلم قيادة زمرة واحدة عندما تهدد تهديدا مباشرا، ويتفق أغلبية الباحثين بأن هذه المرحلة لم تكن عهد استقرار مطلقا لبني إسرائيل، وقد كادت الحروب بينهم والحروب التي جرت بينهم وبين جيرانهم من الكنعانيين والفلسطينين وغيرهم أن تقضي عليهم، فأصبح الإسرائيليون مهددين بالفناء.
وفي أواخر حكم القضاة انتصر الفلسطينيون على أشلاء بني إسرائيل انتصارا ساحقا كما استولوا على تابوت العهد وخضعوا لحكمهم أربعين سنة مما أدى إلى إذلال بني إسرائيل وتآكل مستوطناتهم.
ونخلص بالقول إلى أن عهد القضاة كان فترة مضطربة غير مستقرة عاش فيها بنو إسرائيل منقسمين مختلفين متقاتلين مع بعضهم تارة ومع سكان كنعان تارة أخرى ولم يكن لبني إسرائيل فيها حكومة مركزية أو عاصمة سياسية كما أنهم في هذه الحقبة لم يتمكنوا من احتلال أرض كنعان ولا حتى المحافظة على مستوطناتهم.
ثانيا:عهد الملوك:
الفرع الأول: شأوول(1020-1004ق.م):
يعد شاؤول أول ملك يحكم بني لمدة خمسة عشر عام، وفترة حكمه جاءت بعد مرحلة غير مستقرة، مليئة بالاضطرابات، ومملكة شاؤول عبارة عن اتحاد قبائل بني إسرائيل تحت أمرة أحدهم لتكوين مملكة.
ويرى نوث أنه عندما أصبح شاؤول ملكا لم تكن المنطقة التي سيطر علها لها حدود واضحة ولم تعترف به إلا مجموعة من القبائل التي لا يعرف عنها إلا القليل، ويصور فترة حكمه بأنها فاشلة ويتفق مع وجهة النظر التوراتية التي ترى مرحلته مجرد مرحلة عابرة، ويمكن القول بأنه حتى وأن استطاع بنو إسرائيل إقامة نظام حكم ملكي لهم إلا أنه لم يكن هناك تغيير يذكر على أحوالهم، كما كانت عليه في عهد القضاة، فنظام حكمهم غير مستقر، ومستوطناتهم غير آمنة وحدودها مفتوحة وغير معروفة، وأحوالهم مضطربة واقتصادهم محدود، وكانت القوة الرئيسية التي تهدد كيانهم هي قوة الفلسطينيين.
الفرع الثاني: داود-عليه السلام-(1004-965 ق.م):
داود اسم عبري معناه "محبوب" ترجع التوراة نسبه إلى اسحق ابن إبراهيم- عليهما السلام- وتعده التوراة أيضا بأنه ملكا وليس نبيا، وأنه كان راعيا وقاطع طريق ، كما عمل حامل دروع عند الملك شاؤول، وكان يعزف له الناي ليسري عنه، وقد عقد الإله معه عهدا أوليا بأن يكون المسيح المخلص من نسله، وخلال فترة حكم شاؤول كان داود لاجئا عند الفلسطينيين، وعندما علم داود بمقتل شاؤول عاد إلى أرض عشيرته ونصب نفسه ملكا عليهم، ويفيد السفر بأن دواد استطاع وبنفس أسلوب يشوع أن يخضع أكثر المدن الفلسطينية.
ويتفق غالبية المؤرخين على أن بداية التاريخ الحقيقي لبني إسرائيل يبدأ من مملكة داود حيث تكون فيها نظام ملكي وراثي، وكانت له إدارة مستقلة تضم شعبا له هويته الدينية وأن هذه الدولة كانت أشبه بمدينة لم تبلغ حد الإمبراطورية، ومات داود وخلفه أبنه سليمان عليه السلام.
الفرع الثالث: سليمان- عليه السلام-(965-928ق.م):
سليمان اسم عبري معناه"رجل السلام" وعند اليهود يعد ملكا وليس نبيا، وهو ثالث ملك يحكم بين اسرائيل، وتصوره التوراة على أنه ابن زنى-حاشا لله- وقد ورث الحكم عن أبيه بعد أن قتله أخيه، وخان عرش أبيه وعزل الكاهن الأكبر وفقا لرواية التوراة؟
اقتطف سليمان ثمرة ما حققه أباه من إنجازات فعم السلام مملكته إذ قلت الحروب ونشطت الصناعة وتحقق إنجاز أهم مشروع له وهو " هيكل سليمان"، ومع ذلك فإنه لم يضف أرض جديدة إلى المملكة .
الفرع الرابع: عهد الانقسام:
بوفاة سليمان عليه السلام بدأت عوامل الضعف تدب في أوصال المملكة الموحدة، ذلك أن أبناء سليمان قد تنازعوا على الملك، وانتهى النزاع بتقسم الدولة إلى مملكتين مملكة الشمال ومملكة الجنوب
- مملكة الجنوب: وتسمى مملكة "يهوذا" وعاصمتها"اورشليم" التي هي مدينة القدس، واستقرت في الجزء الجنوبي من فلسطين، وحكمها "رحبعام بن سليمان" وتعاقب على حكمها من بعده ثمانية ملوك، جميعهم من نسل داود ما عدا عثليا.
- مملكة الشمال: وتسمى مملكة إسرائيل وعاصمتها " شكيم" التي هي مدينة نابلس ثم السامرة، أقامها "يربعام بن نباط" وكانت مساحتها ضعف مساحة مملكة الجنوب، إلا أنها كانت أقل عمرا وقد تعاقب على حكمها ثمانية عشر ملكا.
ويذكر علم النفس اليهودي فرويد أن الأمة اليهودية انبثقت عن اتحاد مركبين اثنين، ومن هناك كان إنفصالهما بعد مدة وجيزة من الوحدة السياسية إلى شطرين هما مملكة يهوذا ومملكة إسرائيل، وقد ساقت لنا أسفار العهد القديم عددا من الحروب والتمردات على المستويين الداخلي فيما بين المملكتين، الخارجي الذي وجه ضدهما ويمكن تقسيم تلك الحروب التي خاضتها المملكتين طوال حياتهما إلى ثلاثة أنواع هي:
- حرب المملكتين ضد بعضهما البعض.
- الحروب بين المملكتين مع القوى العظمى السائدة آنذاك
- الحروب بين المملكتين مع أهل البلاد الأصليين.
وتسرد لنا التوراة أن حدود المملكتين أيضا ظلت غير مستقرة وفي تآكل من خلال تلك الحروب.
ثالثا: عهد الشتات:
استمر حال بين إسرائيل منقسمين حتى هاجم الاشوريون مملكتي إسرائيل ويهوذا واحتلوهما، وفرضوا الجزية عليهما وعندما حاولت مملكة إسرائيل التمرد هاجمها الأشوريون مرة أخرى عام701ق.م، واحتلوها ونهبوا كنوزها وأخذوا معظم سكانها أسرى إلى العراق، وادخلوا محلهم قبائل عربية جديدة من بابل وسوريا وجزيرة العرب وفي نفس الوقت زحف المصريون بزعامة الفرعون نخاو، ولكن الهيمنة المصرية لم تستمر طويلا فقد هزم ملك بابل الفرعون ، وقام نبوخذ نصر الكلداني بالزحف على مملكة يهوذا والاستيلاء على القدس عاصمة يهوذا وأخذ ملكها وعائلته وقواده ومعظم جيشه أسرى إلى بابل في العراق بعد أن نصب في القدس ملكا جديدا.
وعندما حاول بقايا اليهود التمرد على سلطان بابل في فلسطين عاد نبوخذنصر فغزاها من جديد ولكنه هذه المرة دمر القدس والهيكل وأخذ منهم ملكهم وخمسين ألفا من رجالهم أسرى إلى بابل.
وكانت أولى الدعوات التي نجحت في إعادة اليهود إلى صهيون على يد كورش ملك فارس، حيث سمح لهم بالعودة إلى فلسطين بعد انتصاره على بابل، وهكذا عاد اليهود إلى فلسطين، فوقعوا أولا تحت سيطرة الفرس وظلوا كذلك زهاء قرنين كاملين، ثم وقعوا تحت سيطرة المقدونيين حلفاء أسكندر الأكبر الذي غزاها حوالي عام 332 ق.م.واتبعها بالدولة الإغريقية وعندما حاول اليهود التمرد على الحاكم اليوناني تم أسرهم وتشريدهم في شتى أنحاء الأرض حتى عام170 ق.م .
وفي أوائل القرن الأول الميلادي غزا الرومان فلسطين واحتلوها وجعلوا منها ولاية رومانية، وظلت تتبع روما أولا ثم بيزنطة بعدها، حتى منتصف القرن السابع الميلادي، حين حررها العرب المسلمون، وظلت تتبع الدولة الإسلامية.
وتجدر الإشارة إلى أن الحاكم الروماني قد أعطى لليهود حكما ذاتيا سمح لهم بإقامة معبدهم ونصب عليهم ملكا هو هيرودس وكان ذلك عام 40ق.م، إلا أنهم كانوا يطمحون بما هو أكثر من ذلك فسعوا للاستقلال،وأعلنوا التمرد الأول(66_70م)، فأرسل الحاكم الروماني طيطس جيشا دمر مدينتهم وخرب هيكلهم، وقتل منهم ألف نسمة.
وقد حاول اليهود القيام بثورة أخرى وكان من نتيجته أن أمر الإمبراطور الروماني هدريان بقتل أي يهودي يوجد في فلسطين، وهدم أي بناء عليه أية علامة تثبت انتمائه لليهود وبدأ بمدينة أورشليم ،وهدم المعبد اليهودي وأقام مقامه عدة تماثيل الآلهة الرومان.
ويمثل هذا العهد عهد الشتات الأخير لليهود في أنحاء الأرض فتشردوا في قارات الدنيا الثلاث بما يزيد عن خمسة عشر قرنا وانقطعت صلتهم بفلسطين ولم يظهر فيها الإسرائيليون بأي مظهر سياسي أو قومي في بقعة يملكونها من الأرض حتى القرن العشرين.
Page 221