217

Maqālāt Islāmiyya - Majālis Āl Muḥammad

مقالات إسلامية - مجالس آل محمد

ثانيا:المعتقدات الأساسية في الديانة اليهودية:

أ- العهد:

ويدور الفكر الديني اليهودي على أساس أن العهد الأساسي هو ذلك الميثاق الذي قطعه الرب مع جماعة بني إسرائيل والذي بدأ مع أبي الأنبياء إبراهيم- عليهم السلام- وتأكد مع كل من اسحق ويعقوب-عليهما السلام-ومن ثم تجدد مع بني إسرائيل كافة في عهد موسى عليه السلام عهدا أبديا حيث نصت التوراة على" وأقيم عهدي بيني وبينك (إبراهيم) وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهدا أبديا فأكون إلها لك ولنسلك من بعدك وأعطى لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكا أبديا فأكون إلههم".

ويفهم اليهود العهد على أن الله عهد على نفسه بأن يكون إله اليهود دون سواهم ويفضلهم على غيرهم من المخلوقات ويقدسهم وأن يمنحهم أرض الميعاد كما سيرسل لهم مسيحا مخلصا ينتشلهم من البلايا والنكبات متى ما حلت بهم ويقيم دولتهم، ويمكن صياغة العهد في شكل معادلة على النحو التالي: (العهد= إله اليهود+شعب اليهود+أرض اليهود+مسيحهم المخلص).

وينعت اليهود أنفسهم بأبناء العهد حيث فسر الحاخام (مائيركهانا) الغرض من ذلك العهد بأنه تطبيق التوراة حيث ألزمهم الله بذلك، ويعتقد اليهود أزلي وأبدي حتى وإن ظلوا الطريق وهو عهد خاص حيث تميزت أطرافه بالخصوصية فالإله خاص، والشعب خاص، ولا يدخل في هذا العهد من لا ينتمي إلى هذا الشعب الخاص وقد نجم عن ذلك العهد خصوصية الإله والشعب والأرض والمسيح المخلص .

ب -الإله:

وردت للإله في الديانة اليهودية أسماء متعددة مثل الوهيم (الإله)، وشداي(الحارس) إلا أن أكثرها شيوعا هو أسم يهوه (انا هو الكائن) كما أن هناك صور متعددة للإله فأحيانا يكون إلها واحدا لا جسد له ولا شبيه ولا تدركه الأبصار كما في النص الآتي " أني أنا الرب وليس غيري إله وليس لي شبيه" وتارة أخرى يوصف بصفات بشرية فهو يأكل ويشرب ويتعب ويستريح وهي الصورة الغالبة في كتبهم.

و(يهوه) كما تصفه المصادر اليهودية ليس معصوما وكثيرا ما يقع في الخطأ، ثم يندم على ما فعل، وفي نص التوراة " فندم الرب على الشر الذي قاله أنه يفعله بشعبه"، ويهود إله مدمر قاس متعصب لشعبه وتصوره المراجع اليهودية كرئيس عصابة يحلل قتل وسرقة غير اليهود.

والميزة الرئيسية التي تميز بها هذا الإله هو ما يمكن تسميته ب"خصوصية الإله" بمعنى أنه إله خاص ببني إسرائيل دون سواهم، ولا شأن له بشعوب الأرض ، ويزعم بعض اليهود بأنهم جزء من الحضرة الإلهية بمعنى أن الحضرة الإلهية قد خلت فانتقلت من الله إلى الشعب ويصل الحلول منتهاه في "التراث القبالي" إذ يروون أن الإله يغازل الشعب اليهودي(بنت صهيون) ويدخل معها في علاقة عاطفية قوية ذات إيحاءات جنسية.!

ويذكر الدكتور أحمد شلبي في دراسته عن الإله في اليهودية أن إله اليهود ليس خالقا لهم وإنما مخلوق لهم، وهو لا يأمرهم بل يسير على هواهم وكثيرا ما يأتمر بأمرهم، ففيه صفاتهم الحربية إن هم حاربوا، وصفات التدمير لأنهم مدمرون، ومن ثم فلا عجب أن الإله قد سخر ذاته لخدمتهم ومستقبلهم.

وبالعودة إلى العهد الذي قطعه الإله على نفسه، فهو ملزم له وحده، وليس ملزما للشعب اليهودي، بل قد ذهب ديفيد بن جورجيون(1886-1973) إلى أبعد من ذلك فرأى أن "جماعة إسرائيل هم الذين اختاروا الرب إلها لأنفسهم، وبدونهم فلن يكون إلها.

وعليه يمكن القول أن الإله في المعتقد اليهودي الغالب إله خاص بهم دون سواهم، ارتبط بعهد أزلي بأن يكون معهم دون غيرهم وتطورت تلك العلاقة بحيث أصبح الشعب اليهودي جزءا من الحضرة الإلهية، وتعهد لهم أن يكون معهم، وإن ضلوا سوف يدافع عنهم ويحارب الأقوام الباقية.

ج - أرض الميعاد:

سميت أرض الميعاد لأن الله حزب زعمهم قد وعد بها لبني إسرائيل حيث جاء الوعد أولا مع إبراهيم-عليه السلام- "فإن هذه الأرض التي تراها، سأعطيها لك ولذريتك إلى الأبد، وورد أيضا وعد آخر ليعقوب عليه السلام " والأرض التي وهبتها لإبراهيم وإسحاق أعطيها لك ولذريتك من بعدك أيضا"وورد في صفحات التلمود" الله القدوس تبارك أسمه أعطى بني إسرائيل ثلاث هبات ثمينة وهي التوراة، وأرض إسرائيل، والحياة الآتية".

إلا أن حدود تلك الأرض ومعالمها في التوراة جاءت متباينة، فبينما كانت هناك ثمة نصوص تشير إلى أن هذه الأرض تعد أرض كنعان (فلسطين) حيث جاء في سفر التكوين"وأهبك أنت وذريتك من بعدك جميع أرض كنعان، التي كنت فيها غريبا ملكا أبديا" إلا أنه أشير إلى معالم هذه الأرض بشكل أكبر فأصبحت حدودها من الفرات إلى النيل فقد ورد " سأعطي نسلك هذه الأرض من وادي العريش إلى النهر الكبير نهر الفرات"، وتحددت معالم هذه الأرض بشكل أكبر في النص الآتي " كل موضع تطأه أخامص أقدامكم يصبح لكم، فتكون حدودكم من الصحراء إلى الجنوب إلى لبنان ومن نهر الفرات إلى البحر المتوسط غربا".وقد شبه الحاخامات اليهود حدود هذه الأرض بجلد الإبل الذي ينكمش في حالة العطش والجوع ويتمدد إذا شع وارتوى، أي أن الأرض تنكمش إذا هجرها اليهود وتتمدد وتتسع إذا جاءها اليهود.

ويقر الفقه الشرعي اليهودي أن أرض البلاد الأجنبية نجسة وأن زراعتها حرام، فقد ورد في المشنا "لا تزرع الأرض الأجنبية لأنك إن فعلت تخون ذكرى وطنك ولا تخضع لأي ملك لأنه ليس عندك من رب سوى يهو إله الأرض المقدسة".

ويقتضي الموروث الديني اليهودي تطبيق شرائع التوراة في الأرض المقدسة فقد ارتبطت شعائر الديانة اليهودية بالأرض مما دفع الحاخام " يهوذا هليفي" إلى القول " أن الإقامة في أرض إسرائيل واجب ديني مكلف به كل إنسان يهودي".

وتعززت قداسة الأرض لدى اليهود لاحتوائها على مدينة القدس، إذ تحظى القدس خاصة بأهمية تصل إلى حد الهوس الديني في الوجدان اليهودي وتسمى أيضا ب"صهيون" لكونها تضم"جبل صهيون" وهو من وجهة نظرهم(أي الجبل) مسكن للإله، كما وتتضمن القدس أيضا على حائط المبكى(أي حائط البراق) وهو جزء من السور الخارجي الذي بناه"هيرود" أحد زعماء الرومان ليحيط بالهيكل والمباني الملحقة به، ويسمى بحائط المبكى لأن الصلوات حوله تأخذ شكل العويل والنواح ويعتقد اليهود أن الحضرة الإلهية لا تترك الحائط.

د - شعب الله المختار:

يعتقد اليهود بأنهم الشعب المقدس ويطلقون على أنفسهم تسميات متعددة مثل" أمة الروح" و"الشعب الأزلي" وتعد هذه الفكرة من ضمن المعتقدات الأساسية في الديانة اليهودية، وتعني أن الله قد اختار بني إسرائيل وفضلهم على كل شعوب الأرض وأن هذا الاختيار غير مشروط ولا سبب له ولا يسقط عن الشعب اليهودي ولو أتي بمعصية.

وهذه الفكرة هي أحد الأفكار التي مثل الجانب اللامعقول في الفكر الديني اليهودي، إذ أكد الحاخام " تسفي يهوذا كوك" أن القداسة لا تنبع مما يفعله الإنسان أو ما لا يفعله بل إنها خاصية عضوية خلقها الله ووضعها في الشعب اليهودي، ويرى الحاخام المتطرف شلومو أفنيير "أن الأوامر الإلهية إلى الشعب اليهودي تتجاوز نطاق الأفكار البشرية عن الحقوق القومية، وهو يفسر بأنه حين يلزم الله الأمم الأخرى- رغم انه ليس إلهها- بالخضوع للقوانين المجردة للعدالة والاستقامة فإن مثل هذه القوانين لا تنطبق على اليهود، فالله يتحدث إلى شعبه من أبناء إسرائيل.

ونتيجة للجانب اللامعقول في الفكرة دعا بعض اليهود إلى عقلنتها من خلال تقديم المبررات بالشكل الآتي:

- أن اليهود قد اختاروا الله وعليه فإن الله قد اختارهم.

- أن اليهود هم الذين حملوا راية التوحيد، ودعوا إلى عبادة الله ونبذ عبادة الأوثان في وقت كان الشرك هو السمة المهيمنة على العالم.

- أن الله قدم التوراة إلى كل أمة ولك لسان، فلم يقبلها أحد منهم، حتى جاء إلى إسرائيل فتلقتها منه.

وقد تسببت أسطورة الشعب المختار التي عاشها اليهود والتي لا يزال الكثير من اليهود يؤمن بها عن يقين في فصلهم عن سائر البشرية، فقد رسخت في ذواتهم العنصرية والتعصب وكراهية الآخرين، وزرعت في أنفسهم التمييز والتفوق وجعلتهم ينظرون إلى الغير نظرة دونية.

ه_ المسيح (المخلص) المنتظر:

من ضمن الالتزامات والعهود التي ارتبط بها الإله يهوه، أن عقد مع شعبه المختار ميثاقا لا ينفصم، وهو أن يخلصهم من عبودية الأمم الأخرى واضطهادها لهم، لذلك سيتدخل الرب من جهته مباشرة ويرسل لهذا الشعب في آخر الأيام مخلصا من نسل داود ينتشلهم من البلايا والنكبات، وهذا المخلص أطلقوا عليه اسم" المسيح المنتظر"، وهو يجمع بين اللاهوتية والناسوتية(الإله والإنسان) وتكمن مهمته في إعادة مجد بني إسرائيل ويجعل أحكام التوراة نافذة.

وسوف يشيد مملكة الله المباركة على الأرض وسيتربع هذا المسيح على عرش الهيكل وينعم اليهود في هذه المملكة بعيدا عن الخوف والحروب ويستمر الفردوس الأرضي هذا إلى الأبد وقد ورد في التلمود "أنه رجل من سلالة داود ولد قبل خلق العالم وهو الآن في السماء ينتظر ساعة مجيئة ولا يزال على قيد الحياة منذ ذلك الحين في مكان خفي".

وحسب الاعتقاد الديني اليهودي فأنه قبل أن تأتي مرحلة مجيء المسيح المخلص لابد أن يشن أبناء إسماعيل(العرب) ثلاثة حروب تشويشية في الأيام المتأخرة في البحر والبر والثالثة ضد روما، وتستمر الحرب مع باقي الأمم حتى يهلك ثلث العالم، ويبقى اليهود مدة سبع سنوات متوالية يحرقون الأسلحة التي اكتسبوها بعد النصر، وبعدها سوف تخدم كل الأمم المسيح وتخضع له ويكون لكل يهودي ألفان وثمانمائة عبد من الأمم الأخرى، وسترى الناس كلهم حينئذ يدخلون في دين الله أفواجا، ويقبلون كلهم ما عدا المسيحيين فأنهم يهلكون لأنهم من نسل شيطان.

وقد روى هرتزل قبل وفاته إيمانه بذلك المسيح حيث قال" ظهر لي المسيح الملك، على صورة رجل مسن في عظمته وجلاله فطوقني بذراعيه وحملني بعيدا على أجنحة الريح، والتقينا على إحدى الغيوم القزحية بصورة موسى ، فالتفت المسيح إلى موسى مخطابا إياه وقال: من أجل هذا الصبي كنت أصلي، ثم قال له : أذهب وأعلن لليهود بأنني سوف آتي عما قريب لإجترح المعجزات الكبيرة وأسدي الأعمال العظيمة لشعبي في العالم بأسره".

وينتظر اليهود بفارغ الصبر ذلك الحين الذي سيظهر فيه المسيح الذي وعدوا به.

و- اليهودي وغير اليهودي (الأغيار)

نجد أن المصادر الدينية اليهودية قد تضمنت تسميات عديدة في وصف الأقوام الأخرى غير اليهودية مثل ( الغرباء، الهراطقة ، الأمم، النكري ، الوثني) ولكن ليس ثمة امتيازات يمتاز بها الغريب عن الوثني ، بمعنى أن العالم من وجهة النظر اليهودية الدينية مقسم إلى يهودي وغير يهودي حيث يرى الرباني كرونز أن الأجنبي وغير اليهودي هما شخص واحد، أما الحاخام مليستر فيرى أن كلمة (جوي) معناها شخصي لا ينتمي إلى بني إسرائيل، وجوي كلمة عبرية صيغة الجمع لها هي (جويم) وتعني شعب القوم حيث كانت الكلمة تطلق ابتداء على اليهود وغيرهم ثم أصبحت تطلع على اليهود دون سواهم.

وتجمع مراجع الهالاخا(الشريعة اليهودية) أن مصطلح جوييم تعني الأغيار عموما ، ويمكن توضيح الشريعة اليهودية من خلال معرفة منزلة اليهودي وغير اليهودي فيها.

أولا: منزلة اليهودي:

هناك تشريعات تضمنتها المصادر الدينية اليهودية تحرم القتل والزنى والسرقة والغش والخداع وشهادة الزور والظلم والاستعباد وغير ذلك من القيم السليمة التي قد تهدد مجتمعهم حيث ورد في سفر اللاويين " لا تنتقم ولا تحقد على أحد من أبناء شعبك لكن أحب قريبك كنفسك"كما ورد أيضا " لا تسرق، لا تكذب، لا تغدر، لا تظلم قريبك ولا تسلبه ولا ترجئ دفع أجره إلى الغد".وقد فسرت كلمة أبناء شعبك وأقاربك بأن اليهودي لسوا منها.

ثانيا: منزلة (الأغيار) غير اليهودي:

ورد في التوراة" أما الأجنبي فأقرضوه بربا" وورد أيضا "لا تقطع معهم عهدا"، وعليه فإن ابن ميمون منظر الأصولية اليهودية أفتى بأحقية اليهود باغتصاب النساء غير اليهوديات ويمكن رسم الإطار العام لعلاقة اليهودي مع غيره على الشكل الآتي:

أن اليهود بشر لهم إنسانيتهم وأن الأرض وخياراتها ملك لهم، كما أن الله لم يخلق غير اليهودي بالصورة البشرية إلا إكراما لليهود أنفسهم وهم في درجة الحيوانات بل هم أقل منها، وما أوجدهم الله في هذه الحياة إلا لخدمة اليهود، كما وهبهم الله حق التصرف فيهم ، وقد نهت اليهودية عن إنقاذ حياة الأغيار وأصبحت مادة الإبادة الجماعية تدرس إجباريا لتلاميذ المدارس في الكيان الصهيوني منذ عام 1979م ، وفي عام 1981م قام الكنيست بتحويل الإبادة الجماعية إلى عقيدة يمنع إصدار أي قانون يحرمها.

وخلاصة ذلك نجد أن هذه التشريعات اليهودية تعزز العدوانية ضد غيرهم وتبقي حالة الصراع مستمرة.

Page 217