Maqālāt Islāmiyya - Majālis Āl Muḥammad
مقالات إسلامية - مجالس آل محمد
دراسة حول معاوية أبن أبى سفيان والفئة الباغية - الجزء الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
حقا كم هو أستهتارا بالدين والحق والأخلاق ودماء الشهداء حين يشفع أسم معاوية بن أبى سفيان أو أحد من فئته بذلك اللقب البراق الذى أنعم به أهل السنة على الغادى والرائح قائلين ( رضى الله عنه ) ..
الحقيقة إننى أعتدت سماع ذلك لإنى نشأت سنيا . لكنى أدرك جيدا إننى لم أترضى عليه أبدا ولو لمرة واحدة خلال 20 سنة قضيتهم سنيا . بل المثير إننى كنت مشحونا نفسيا ضد هذه الشخصية بينما لم تصل إلى مسامعى خلال تلك السنوات الطوال سوى مناقب له أو فضائل ( سأتعرض لها بالتفصيل فى هذا البحث طبعا ) .
إن شخصية معاوية بن أبى سفيان عند أهل السنة والجماعة نموذجا عمليا لكيفية خلط الزيف بالظلم بتجاهل الحق بالكذب لأختراع شخصية أسطورية ويتم تقنين مكانتها السامية المصطنعة وأدراجها عنوة بأعلام تاريخنا الإسلامى .
للأسف إن معاوية بن أبى سفيان شخصية حقيقية .. وسيبقى لكل عصر وزمان معاوية آخر يبعث من جديد يتسلط على الأمة .
سأتناول فى هذا البحث عدة جوانب حول معاوية بن أبى سفيان :
1- تقصى شخصية معاوية بن هند :
- معاوية على عهد رسول الله
- معاوية يشرب الخمر
- موقف معاوية من الأنصار
- تعمد معاوية مخالفة سنة رسول الله
2- تقصى ما ورد من مناقب فى معاوية بن هند
-معاوية خال المؤمنين
-معاوية كاتب الوحى
-قال عنه رسول الله ( اللهم أجعله هاديا مهديا وأهد به )
3-جرائم معاوية بن هند ضد الإسلام وأمة محمد :
- فتح معاوية باب الجهر بسب الصحابة
- مؤامرة معاوية لسم الإمام الحسن سبط رسول الله
- قتل معاوية لعمار بن ياسر رضى الله عنه
- قتل معاوية لحجر بن عدى وأصحابه ( شهداء مرج عذراء )
- سفك معاوية لدماء المسلمين وإرهاب الآمنين وذبح الأطفال
- فتح معاوية باب الإغتيالات السياسية
أولا : تقصى شخصية معاوية بن هند
1-معاوية على عهد رسول الله :
-كان معاوية قبل إسلامه ممعنا فى الكفر يألف الرذيلة وينغمس فى الموبقات ولم يخف ذلك على رسول الله الذى رأى يوم الأحزاب أبو سفيان راكبا بعيرا يسوقه معاوية ويقوده عتبة فقال : اللهم ألعن الراكب والسائق والقائد
* نهج البلاغة - شرح أبن أبى الحديد المعتزلى 6 : 288 / تذكرة سبط أبن الجوزى ص 115
-بعد إسلامه لم يكن معاوية ذو سابقة ولا بلاء ولم يكن يرجع اليه فى علم ولم يكن سوى أحد ( الطلقاء ) وهم أشد الكفار عداوة لرسول الله الذين دخلوا الإسلام يوم الفتح وكان معاوية أحد ( المؤلفة قلوبهم ) وهم المشركين حديثى العهد بالإسلام الذين يستمالون بالأموال والصدقات ليتألفهم رسول الله ويحببهم فى الدين الجديد وهذه كانت نظرة رسول الله فى معاوية فمنحه من فئ هوازن بعد غزوة حنين 100 بعير و40 أوقية وقال رسول الله : إنى لأعطى رجالا حديثى عهد بكفر أتألفهم
* البداية والنهاية لأبن كثير 3 : 567
-ولم يكن معاوية على عهد رسول الله ذو مكانة بين المسلمين ولا حتى عند رسول الله نفسه الذى كان يراه صعلوكا نهما :
يقول الحافظ شمس الدين الذهبى فى كتابه سير أعلام النبلاء 3 : 122-123 :
فإن كان معاوية كما نقل قديم الإسلام فلماذا يتألفه النبى ولو كان أعطاه لما قال عندما خطب فاطمة بنت قيس : أما معاوية فصعلوك لا مال له
-ويروى الحافظ شمس الدين الذهبى عن عبد الله بن العباس أنه رسول الله طلب منه أستدعاء معاوية فقال :
فدعوته فقيل إنه يأكل فأتيت فقلت يا رسول الله هو يأكل قال اذهب فادعه فأتيته الثانية فقيل إنه يأكل فأتيت رسول الله فأخبرته فقال فى الثالثة :لا أشبع الله بطنه . قال : فما شبع بعدها
وأستجاب الله لدعوة رسول الله فكان معاوية يأكل فى اليوم الواحد 7 مرات ولا تشبع بطنه ! ويقول : والله لا أشبع وإنما أعيى
* البداية والنهاية لأبن كثير 4 :568
- وبخلاف ما صرح به رسول الله فإننا نجده يخبرنا دون أن يصرح فى مواضع أخرى بسوء ملة رجل من بنى أمية يلى أمر المسلمين :
لا يزال هذا الأمر معتدلا قائما بالقسط حتى يثلمه رجل من بنى أمية
إن أول من يبدل سنتى رجل من بنى أمية
* البداية والنهاية لأبن كثير 4 :638
وإذا أفترضنا حتى أنه ليس الباغى معاوية أول خليفة من بنى أمية ( 41- 60 ه ) فلن يخرج عن أبنه يزيد بن معاوية ( 60-64 ه ) الذى مكنه والده من رقاب الناس ونصبه عليهم خليفة فقتل الإمام الحسين وأحتل المدينة وأخيرا أحرق الكعبة !
وطيلة الفترات القليلة النادرة التى رأى فيها معاوية رسول الله لم يكن واعيا لهديه وات قادحا بزناد فهم . فلم يصح عند البخارى له سوى 4 أحاديث ! وعند مسلم 5 أحاديث وأتفقا معا على صحة 4 فقط !
2- معاوية بن هند يشرب الخمر :
المثير أن أهل السنة الذين يترضون على الباغى معاوية تحوى صحاحهم أنه كان شاربا للخمر !
-جاء فى مسند أحمد بن حنبل - باقى مسند الأنصار - حديث بريدة الأسلمى :
حدثنا زيد بن الحباب حدثني حسين بن واقد حدثنا عبد الله بن بريدة قال : دخلت أنا وأبى على معاوية فأجلسنا على الفرش ثم أتينا بالطعام فأكلنا ثم أتينا بالشراب فشرب معاوية ثم ناول أبى قال : ما شربته منذ حرمه رسول الله
ورواة هذا الحديث جميعهم وثقهم أهل السنة :
زيد بن الحباب بن الريان ( المتوفى 230 ه ) : قال عنه علي بن المدينى ( ثقة ) وقال عنه أبو حاتم الرازى ( صدوق )
الحسين بن واقد ( المتوفى 159 ه ) : قال عنه يحى بن معين ( ثقة )
عبد الله بن بريدة ( المتوفى 115 ه ) : قال عنه يحى بن معين وأبو حاتم الرازى ( ثقة )
بريدة بن الحصيب الأسلمى ( المتوفى 63 ه ) : من خيرة صحابة رسول الله رضى الله عنهم
فلا مجال لنفى أهل السنة والجماعة لهذا الحديث ودفع تهمة شرب ما حرمه رسول الله عن الباغى معاوية ...رضى الله عنه !
-وذكر الحافظ شمس الدين الذهبى فى ( سير أعلام النبلاء 2 : 10 ) أنه قد أثار تشجيع معاوية بن هند لتجارة الخمر أبان ولايته للشام الصحابى الجليل عبادة بن الصامت الأنصارى الخزرجى رضى الله عنه ( 48 ق ه -34 ه ) أحد النقباء بينما تصدى أبو هريرة للدفاع عن سيده معاوية :
إن عبادة بن الصامت مرت عليه قطارة وهو بالشام تحمل الخمر فقال : ما هذه أزيت ؟ قيل : لا بل خمر يباع لفلان فأخذ شفرة من السوق فقام إليها فلم يذر فيها راوية إلا بقرها وأبو هريرة إذ ذاك بالشام فأرسل فلان إلى أبي هريرة فقال : أتمسك عنا أخاك عبادة أما بالغدوات فيغدو إلى السوق يفسد على أهل الذمة متاجرهم وأما بالعشي فيقعد فى المسجد ليس له عمل إلا شتم أعراضنا وعيبنا
فأتاه أبو هريرة فقال : يا عبادة مالك ولمعاوية ! ذره وما حمل . فقال :لم تكن معنا إذ بايعنا على السمع والطاعة والامر بالمعروف والنهى عن المنكر وألا تأخذنا فى الله لومة لائم ...... فسكت أبو هريرة
3-موقف معاوية بن هند من الأنصار أحباء رسول الله :
أوصى رسول الله بالأنصار خيرا وقال عنهم أن حبهم من علامات الإيمان وأنه لو لم يكن مهاجرا لكان من الأنصار .. فكيف كانت علاقة معاوية بن هند والأنصار ؟ ولنأخذ كمثال ما حدث بين معاوية بن هند وجابر بن عبد الله الأنصارى رضى الله عنه عندما أصابته الفاقة : قدم الى معاوية بدمشق فلم يأذن له أياما فلما أذن له قال : يا معاوية أما سمعت رسول الله يقول : من حجب ذا فاقة حجبه الله يوم القيامة يوم فاقته .
فغضب معاوية وقال له : لقد سمعته يقول : إنكم ستلقون بعدى أثرة فأصبروا حتى تردوا على الحوض . أفلا صبرت
قال : ذكرتنى ما نسيت
وخرج فأستوى على راحلته ومضى فوجه إليه معاوية بستمائة دينار فردها وقال لرسول معاوية :
قل له والله يا أبن آكلة الأكباد لا وجدت فى صحيفتك حسنة أنها سببها أبدا
* مروج الذهب للمسعودى 3 : 139
-وكان معاوية بن هند شديد الوطأة على الأنصار بعد أستيلاءه على الحكم لا ينس لهم جهادهم مع رسول الله الذى أدى لمقتل أخوه وجده وخاله .. يروى اليعقوبى : لما كلمه الانصار فاغلظلهم فى القول وقال لهم : ما فعلت نواضحكم ؟
قالوا : أفنيناها يوم بدر لما قتلنا أخاك وجدك وخالك ولكنا نفعل ما أوصانا به رسول الله
قال : ما أوصاكم به ؟
قالوا: أوصانا بالصبر
قال : فاصبروا
ثم أدلج معاوية إلى الشام ولم يقض لهم حاجة
* تاريخ اليعقوبى 2 : 223
-ومما يذكر أنه لم يكن فى جند معاوية وحزبه من آلاف الأنصار إلا رجلين فقط ! هما : النعمان بن بشير ( وقد توفى رسول الله وعمره 7 سنوات ) ومسلمة بن مخلد
4- تعمد معاوية بن هند مخالفة سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
- دخل الصحابى المقدام بن معدى كرب الكندى رضى الله عنه ( المتوفى 87 ه ) على معاوية بن هند فقال معاوية للمقدام : أعلمت ان الحسن بن علي توفي ؟ فرجع المقدام .فقال له رجل: أتراها مصيبة ؟! قال له : ولم لا أراها مصيبة وقد وضعه النبى في حجره فقال : هذا مني وحسين من علي
فقال رجل من بني أسد : جمرة أطفأها الله
فقال المقدام : أما أنا فلا أبرح اليوم حتى أغيظك . فأنشدك بالله هل تعلم ان رسول الله نهى عن لبس الذهب ؟
قال معاوية : نعم.
قال : فانشدك بالله هل تعلم ان رسول الله نهى عن لبس الحرير ؟
قال: نعم .
قال: فأنشدك بالله هل تعلم ان رسول الله نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها
قال : نعم
قال : فوالله لقد رأيت هذا كله في بيتك يا معاوية
* سنن أبي داود - كتاب اللباس - باب فى جلود النمور والسباع
-وخرج الصحابى عبادة بن الصامت رضى الله عنه يغزو مع معاوية بن هند أرض الروم فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كسر الذهب بالدنانير وكسر الفضة بالدراهم فقال : أيها الناس انكم تأكلون الربا سمعت رسول الله يقول : لا تبتاعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، لا زيادة بينهما ولا نظرة .
فقال له معاوية : يا أبا الوليد لا أرى الربا في هذا إلا ما كان من نظرة
فقال عبادة : أحدثك عن رسول الله وتحدثني عن رأيك ! لئن أخرجني الله لا اساكنك بأرض لك علي فيها إمرة
* سنن أبن ماجة - كتاب المقدمة
5-أئمة أهل السنة والجماعة يقرون بأنه لا فضيلة لمعاوية بن هند :
-سأل عبد الله بن أحمد والده الإمام أحمد بن حنبل ( 164 -241 ه ) عن الإمام علي ومعاوية فقال :
إن عليا كان كثير الأعداء ففتش أعداؤه عن شئ يعيبونه به فلم يجدوه . فجاؤوا الى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيدا منهم به
* تاريخ الخلفاء للسيوطى 1 : 199
-أما المأساة الدموية الحزينة فكانت مع الإمام أحمد بن علي بن شعيب النسائى ( 215 - 303 ه ) صاحب كتاب ( السنن الكبرى ) أحد صحاح أهل السنة والجماعة الستة :
دخل الى دمشق فسأله أهلها أن يحدثهم بشئ من فضائل معاوية فقال :
أما يكفى معاوية أن يذهب رأسا برأس حتى يروى له فضائل ؟!
فقاموا إليه فجعلوا يطعنون فى خصيته حتى أخرج من المسجد الجامع فسار من عندهم الى مكة فمات بها فى هذه السنة
* البداية والنهاية لأبن كثير 7 : 510
-وقال أسحق بن أبراهيم بن مخلد المروزى أبن راهوية ( 163 -238 ه ) شيخ البخارى عن معاوية بن هند :
لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل معاوية شيء
* سير أعلام النبلاء للذهبى 3 : 132
وإلى أن نلتقى فى الجزء القادم إن شاء الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
Page 184