182

Maqālāt Islāmiyya - Majālis Āl Muḥammad

مقالات إسلامية - مجالس آل محمد

دراسة فى أثبات أفضلية الإمام علي عليه السلام - الجزء الثانى

بسم الله الرحمن الرحيم

نستكمل فى هذا الجزء المراحل التى قننت زحزحة الإمام علي عن مكانه . ويمكن تحديد المراحل بثلاث مراحل محورية :

1- دور معاوية بن أبى سفيان وحزبه

2- دور الأمويون وحزبهم

3- دور العباسيون وحزبهم

أولا : دور معاوية بن أبي سفيان وحزبه :

1-كان معاوية اذا قنت فى صلاته سب علي وأبن عباس والحسن والحسين ومالك الأشتر واذا خطب علىالمنبر يختم خطبته قائلا :

اللهم ان أبا تراب ( يعنى الإمام علي ) ألحد فى دينك وصد عن سبيلك فألعنه لعنا وبيلا وعذبه عذابا أليما

وكتب بذلك اللعن الى الآفاق ليجهر به على المنابر فكان الناس يكرهون سماع اللعن فكانوا اذا أدوا صلاة العيد خرجوا من المساجد فألزم معاوية الناس على تقديم الخطبة لسماع لعن الإمام علي وكان غرض معاوية أن يغرس فى نفوس المسلمين أن أهل البيت لا كرامة لهم وأن إمامهم الذين يصولون ويفتخرون بمناقبه وسابقته وهجرته وجهاده هذا حاله وهذا مقداره فيكون من ينتمى اليه عن الشرف أبعد

2-يروي المؤرخ أبو الحسن المدائنى فى كتابه ( الأحداث) وأبن أبى الحديد المعتزلى فى ( شرح نهج البلاغة ) :

كتب معاوية نسخة واحدة الى عماله بعد عام الجماعة 41 ه :

أن برئت الذمة ممن روى شيئا فى فضل أبى تراب (أى الإمام علي ) وأهل بيته . فقام الخطباء فى كل جهة وعلى كل منبر يلعنون علي ويبرأون منه وكان أشد الناس بلاء أهل الكوفة لكثرة ما بها من شيعة علي فأستعمل عليهم زياد بن سمية فكان يتتبع شيعة علي فقتلهم تحت كل حجر وقطع الأيدي والأرجل وصلبهم على جذوع النخل

وكتب معاوية الى عماله في جميع الآفاق :

أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل البيت شهادة وأن أنظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه والذين يروون فضائله فقربوهم وأكرموهم أكتبوا الى بكل ما يروي رجل منهم وأسمه وأسم أبيه وعشيرته .

ففعلوا حتى أكثروا فى فضائل عثمان لما كان يبعث اليهم معاوية من الصلات

ثم كتب معاوية الى عماله :

أن الحديث فى عثمان قد كثر فى كل ناحية فأذا جاءكم كتابى هذا فأدعوا الناس الى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ولا تتركوا خبرا يرويه أحدا فى أبى تراب ( يقصد الإمام علي ) إلا وتأتونى بمثيل له في الصحابة .

فقرئت كتبه على الناس فرويت أخبار فى مناقب الصحابة لا حقيقة لها وأشادوا بذلك على المنابر وألقى على معلمى الكتاتيب فعلموا صبيانهم من ذلك وتعلموه كما يتعلمون القرآن وعلموه بناتهم ونساءهم وخدمهم

3 -ويروي أبو جعفر محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب المعروف بالأسكافى شيخ المعتزلة ( المتوفى 240 ه ) :

ان معاوية وضع قوما من الصحابة والتابعين على رواية أخبار قبيحة فى علي تقتضى الطعن فيه وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب فى مثله فأختلقوا ما أرضاه منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومن التابعين عروة بن الزبير

ومن أمثلة ما رواه حزب معاوية بن أبى سفيان لتشويه مكانة الإمام علي نذكر على سبيل المثال لا الحصر :

1- بذل معاوية للصحابى سمرة بن جندب الفزارى 100 ألف درهم حتي يروي أن هذه الآية نزلت فى الإمام علي :

ومن الناس من يعجبك قوله فى الحياة الدنيا ويشهد الله على ما فى قلبه وهو ألد الخصام

وأن الآية التالية نزلت فى قاتل الإمام علي عبد الرحمن بن ملجم : ومن الناس من يشرى نفسه أبتغاء مرضاة الله

فلم يقبل سمرة بن جندب فبذل له معاوية 400 ألف درهم فقبل

2- يذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى ج3 ص 170 :

عن بسر بن أرطأة العامرى قائد معاوية أنه خطب على منبر البصرة فأخذ يسب الإمام علي ثم قال: نشدت الله رجلا علم أني صادق إلا صدقني أو كاذب إلا كذبني . فقال أبو بكرة : أللهم إنا لا نعلمك إلا كاذبا . فأمر به فخنق

3-ويذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى ج3 ص 182 :

عن الصحابى المغيرة بن شعبة وكان معاوية بن أبى سفيان قد ولاه الكوفة أنه قال لصعصعة بن صوحان العبدي :

أياك أن يبلغنى عنك أنك تعيب عثمان وأياك ان يبلغنى عنك انك تذكر شيئا من فضل علي علانية فأنك لست بذاكر شيئا أجهله ولكن هذا السلطان ( أي معاوية ) قد ظهر وقد أمرنا بأظهار عيبه للناس فأن كنت ذاكرا فضله فأذكره بينك وبين أصحابك سرا وفى منازلكم واما علانية فهذا لا يحتمله الخليفة لنا ولا يعذرنا فيه

ثانيا : دور الأمويون وحزبهم :

أستمر بنى أمية فى سياستهم فى سب الإمام علي وأنتقاص قدره بعد معاوية بن أبى سفيان ..

1- فى عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك ( 86-96ه ) تشدد واليه على الكوفة السفاح الحجاج بن يوسف الثقفى حتى أنه منع الناس عن ذكر أسم الإمام علي فكان الحسن البصرى والتابعين اذا رووا حديثا عنه لم يقدروا ان يصرحوا بأسم الإمام علي خوفا من بطش الحجاج فكان يقول ( عن أبى زينب ) يقصد الإمام علي .

2- وأستعمل الحجاج بن يوسف الثقفى عبد الرحمن بن أبى ليلى على القضاء ثم عزله وضربه ليسب الإمام علي ويلعنه .

3- ويروي علي المسعودي فى ( مروج الذهب ج3 ص 175 ) أن كراهية الإمام علي وأهل البيت كانت وسيلة التقرب للحجاج بن يوسف الثقفى كما نرى فى حوار الحجاج وعبد الله بن هانئ شيخ بنى أود :

عبد الله بن هانىء : إن لنا مناقب ما هى لأحد من العرب

الحجاج بن يوسف الثقفى : وما هذه المناقب ؟

عبد الله بن هانىء : ما منا أحد تزوج أمرأة تحب علي وتتولاه

الحجاج بن يوسف الثقفى : هذه والله منقبة

عبد الله بن هانىء : وما منا أمرأة إلا نذرت إن قتل الحسين أن تنحر عشر أبل ففعلت

الحجاج بن يوسف الثقفى : وهذه والله منقبة

عبد الله بن هانىء : وما منا رجل عرض عليه شتم علي ولعنه إلا فعل وأزيدكم أبنيه الحسن والحسين وأمهما فاطمة

الحجاج بن يوسف الثقفى : هذه والله منقبة

4- وكان الخليفة الوليد بن عبد الملك نفسه يخطب على المنبر قائلا :

ان الحديث الذي روي عن رسول الله أنت منى بمنزلة هارون من موسى صحيح لكنه محرف لأن رسول الله قال : أنت منى بمنزلة قارون من موسى فأشتبه على السامع

* أنظر : تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 8 : 268

5- وأستمرت تلك السياسة الأموية حتى تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز ( 99- 101 ه) فحدث أن نال من الإمام علي وكان آنذاك يلزم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود فأتاه وهو يصلي فأطال الصلاة فلما فرغ قال لعمر : متى علمت ان الله غضب على أهل بدر وبيعة الرضوان بعد أن رضى عنهم ؟

عمر بن عبد العزيز : لم أسمع ذلك

عبيد الله بن عبد الله : فما الذي بلغنى عنك فى علي

عمر بن عبد العزيز : وهل شهد علي بدر ؟

عبيد الله بن عبد الله : وهل كانت بدر الا لعلي

عمر بن عبد العزيز : معذرة الى الله واليك

وأمر عمر بن عبد العزيز بأستبدال السب واللعن في خطبة الجمعة والأعياد بقول الله تعالى :

ان الله يأمر بالعدل والأحسان وايتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى

- بعد وفاة الخليفة الأموى عمر بن عبد العزيز عاد بنو أمية لسياستهم فى سب الإمام علي وأهل البيت خاصة فى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك ( 105-125 ه) فكان والى المدينة خالد بن عبد الملك بن الحارث يدفع أعوانه لسب فاطمة الزهراء بنت رسول الله فى المسجد النبوى وعلى منبر أبيها وكان والى الكوفة خالد بن عبد الله القسري يبالغ فى سب الإمام علي تقربا للخليفة ...

وأصبح مجرد التسمية بأسم ( علي ) جريمة يعاقب عليها بنى أمية وإذا سمعوا بمولود سمى ( علي ) قتلوه . حتى أن التابعى علي بن رباح اللخمى ( 24-114 ه ) نجد أباه يغير أسمه إلى ( علي ) مصغرا

حتى أنه يروي أبن كثير أن جماعة من أهل السنة عندما سمعوا الفقية والمفسر سليمان بن مهران الأعمش ( 61-148 ه ) يروى حديث الطير المشوى الذى فيه فضيلة للإمام علي أخرجوه من المسجد وغسلوا مكانه!!

ونتيجة لهذا النهج الأموي طيلة القرن الهجري الأول من تدليس وتشوية أن صار الإمام علي منتقص القدر مهان الكرامة لا يعلم له المسلمون فضيلة بينما سائر الصحابة تلمع سيرتهم بالمناقب المذهلة وبسقوط الدولة الأموية 132 ه وقيام الدولة العباسية كانت صورة الإمام علي بين أهل السنة مأساوية تدمى القلب .

يروي المسعودي فى مروج الذهب ج3 : 39 - 41 :

أخبرني رجل من أهل العلم قال كنا نقعد فنتناظر فى أبى بكر وعمر . وعلي ومعاوية فقال لى بعض أهل الشام وكان من أعقلهم وأكبرهم لحية : كم تظنون فى علي ومعاوية ؟

قلت : علي . ما تقول فيه ؟

قال : أليس هو أبو فاطمة ؟

قلت : ومن كانت فاطمة ؟

قال : أمرأة النبى بنت عائشة أخت معاوية

قلت : فما كانت قصة علي ؟

قال : قتل فى غزوة حنين مع النبى !

وسئل رجل من أهل الشام يعد من كبرائهم ومن أهل الرأى فيهم : من أبو تراب هذا الذى يلعنه الإمام على المنبر ؟

قال : أراه لصا من لصوص الفتن !

بل وصلت مأساة ما زرعه الأمويون بأهل الشام أن رجلا منهم سمع آخر يصلى على محمد فقال : ما تقول فى محمد هذا ؟ أهو ربنا ؟

ولما خرج عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس في طلب مروان بن محمد آخر خلفاء بنى أمية وجه الى أبى العباس السفاح أشياخا من أهل الشام من أرباب النعم والرئاسة فحلفوا للسفاح أنهم ما علموا لرسول الله أهل بيت يرثونه غير بنى أمية حتى وليتم الخلافة !

ثالثا : دور العباسيون وحزبهم :

عاني العلويون من بني عمهم العباسيين اضعاف ما عانوه من الأمويين فنكل بهم أبو جعفر المنصور ( 136-158 ه) الذى سفك دماء العديد من آل محمد وحبس آل الحسن جميعا

وكان الإمام مالك بن أنس المقرب من الخليفة المنصور يلقى دروسه فى المدينة المنورة مؤكدا على أن الإمام علي ليس إلا صحابيا عاديا لا يمتاز عن غيره بشئ . فقد سئل الإمام مالك في مجلسه : من خير الناس بعد رسول الله ؟ فأجاب : أبو بكر . فسئل : ثم من ؟ قال : عمر . فسئل : ثم من ؟ قال : عثمان . فسئل : ثم من ؟ . قال : هنا وقف الناس . هؤلاء خيرة رسول الله أمر أبا بكر على الصلاة واختار أبو بكر عمر وجعلها عمر إلى ستة فأختاروا عثمان . ووقف الناس ها هنا .

إلا أن أبنه أبو عبد الله محمد المهدي ( 158-169 ه ) خالف سياسة أبيه وأحسن إليهم

ثم عاد موسى الهادى (169- 170 ه ) الي سياسة التنكيل وأسرف واليه على المدينة عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فى الأساءة لأهل البيت .

ثم أحسن إليهم أبو جعفر المأمون (198- 218 ه ) .

إلا ان أبو أسحق المعتصم (218 -227 ه) عاد لأضطهادهم .

فلما تولى أبو جعفر الواثق (227 -232 ه) أحسن إليهم وبالغ فى إكرامهم

إلا ان المأسأة تجسدت فى عهد أبو الفضل جعفر المتوكل ( 232 -247 ه ) :

كان الخليفة جعفر المتوكل يكره العلويين كراهية شديدة حتى أنه فى 237 ه أمر بهدم ضريح الإمام الحسين في كربلاء ونبش قبره وهدم ما حوله وحرث مكانه ووضع الشرطة على الطرق المؤدية لقبر الإمام الحسين . وكان لا يمنح مالا الا لمن شتم الإمام علي .

وفى رجب 244 ه أمر بقتل العالم النحوي المشهور أبو يعقوب بن أسحق بن السكيت صاحب كتاب ( أصلاح المنطق ) وكان أستاذا لولديه أبشع قتلة فأستخرج لسانه من قفاه عندما أكتشف أنه يحب الإمام علي

وبلغ حقده على الإمام علي أنه أمر بقتل أي مولود يسميه أبواه علي لأنه أبغض الأسماء اليه حتى أن الشاعر علي بن الجهم لما تقابل مع الخليفة المتوكل قال له : ان أهلى عقونى . فقال المتوكل : لماذا ؟ .فقال : لأنهم سمونى علي وأنا أكره هذا الأسم ..... فضحك المتوكل وأمر له بجائزة

وكان يقيم فى مجلسه رجلا يتشبه بالإمام علي فيضحك الناس عليه ويقولون : ( قد أقبل الأصلع البطين ) . ويتسلى الخليفة

ويروي أنه لما حدث نصر بن علي بن صهبان بحديث ان رسول الله قال عن الحسن والحسين : ( من أحبنى وأحب هذين وأباهما وأمهما كان فى درجتى يوم القيامة ) أمر الخليفة المتوكل بضربه 1000 سوط حتي أشرف على الهلاك .

وبقى أن نذكر أن الخليفة المتوكل هو الذي نكل بالمعتزلة وقرب أحمد بن حنبل وعرف بأسم : محى السنة ! وكانت نهايته أن قتله أبنه أبو جعفر المنتصر ( 247-248ه)

فى النقطة التالية إن شاء الله سأغطى المرحلة الأخطر وهى تزييف أحاديث نبوية تقنن زحزحة أمير المؤمنن علي عن مقامه وتنسب فضائله للآخرين ... بل وأحيانا تلقى به إلى درجة أحد عوام المسلمين !!

ولله الأمر من قبل ومن بعد

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

Page 182