Maqālāt Islāmiyya - Majālis Āl Muḥammad
مقالات إسلامية - مجالس آل محمد
الحلقة السادسة " الأخيرة " :-
كنا قد عرضنا في الحلقات السابقة أدلة الفريقين العقلية ( القائلين بخلق القرآن، والقائلين بقدمة وأنه غير مخلوق)
وأقوالهم وآرائهم وردود كل فريق على الآخر واعتراضاته.. إلى آخر ما هنالك مما تركز حول كلام الله بوجه عام وصفة التكلم، في إطار ما فرضه الخلاف بينهم بشأن القرآن الكريم ، من سعي كل فريق لإثبات صحة رأيه في القرآن الكريم عن طريق إثبات ذلك بالنسبة لكلام الله بوجه عام، حتى إذا ما ثبت بأن كلام الله محدث أو ثبت بأنه قديم ثبت تبعا لهذا أو ذاك ثبوت أحدهما بحق القرآن الكريم.
وقد رأينا كيف أن القائلين بقدم القرآن وأنه غير مخلوق أخفقوا في الحقيقة في إثبات ذلك من خلال الأدلة العقلية التي قدموها، ولم تصمد أمام النقد، فضلا عن إخفاقها في معارضة تلك التي قدمها القائلون بخلق القرآن ، أو التخلص من إلزماتها .
وفي هذه الحلقة نعرض الأدلة السمعية التي ستحسم المسألة ونختتم بها الموضوعنا هذا.
[ أدلة القائلين بخلق القرآن وحدوثه من القرآن ]:
وأدلتهم من القرآن انقسمت الى قسمين
القسم الأول:
1- آيات صريحة في كونه محدثا مجعولا:
* قوله تعالى : (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ) (الأنبياء :2)
* وقوله تعالى : (ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين) (الشعراء :54)
* وقوله تعالى : (أو يحدث لهم ذكرا) (طه:113) ، والذكر كما هو معلوم هو القرآن وهو احد أسمائه بدليل قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ).
وعليه فإن الآيات السابقة كماهو ظاهر لكل أحد تنص بشكل صريح وواضح لا لبس فيه ولا غموض ، على حدوث القرآن وأن الله أحدثه ، وتصفه بأنه محدث ، أي لم يكن ثم كان ، وليس قديما أزليا، ومعلوم أن كل محدث هو مخلوق والله خلقه ، وعليه فإن القول بأن القرآن قديم وغير مخلوق يعتبر معارضة صريحة لما تضمنته تلك النصوص القرآنية القطعية الدلالة.
وقد يتساءل القارئ هنا : عن موقف القائلين بقدم القرآن وأنه غير مخلوق ، وكيف جوزوا لأنفسهم إنكار حدوث القرآن ، مخالفين بذلك ما نصت عليه تلك الآيات صراحة؟ وما حجتهم في ذلك؟
والحقيقة أنهم لم يقدموا أي حجة أو رد ، وكان قدماؤهم يتهربون من الإجابة على من احتج عليهم بتلك الآيات مكتفين فقط بالتأكيد على أن القرآن غير مخلوق ، ومن ذلك - ما نقله صاحب كتاب معراج القبول محتجا بأقوال سلفه في كفر من قال بخلق القرآن -!! أن وكيعا سمع رجلا اسمه مثنى يقول القرآن مخلوق ، ( فقال وكيع : هذا كفر ، وقال: من قال أن القرآن مخلوق هذا كفر ، فقال مثنى : يا أبا سفيان ، قال الله : ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) فأيش هذا ؟ فقال وكيع : من قال القرآن مخلوق هذا كفر ..) (1) .
وغاية ما تجده حول ردهم بخصوص تللك الآيات هو ما نقله الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية 10/327 ) من تأويل محض ، بالظن والاحتمال غايته صرف اللفظ عن ظاهره وحقيقة معناه ليس إلا ، بلا دليل أو قرينة ، وهو للإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- الذي عرف بنصوصيته وشدة كراهيته للتأويل من حيث المبدأ وقراءته للنصوص قراءة حرفية ظاهرية حتى وإن تعارض ظاهرها مع أدلة قطعية توجب التأويل أو قرائن تستدعي ذلك ، فإذا به يقدم تأويلا عجيبا غريبا بلا دليل أو قرينة لتلك الآيات القرآنية ، وحسبنا أن كثيرا من علماء الحنابلة المتأخرين تجاوزوا ذلك التأويل ،ولم يحتجوا به لعدم صلاحيته، وإن أورده أحدهم فإنما يورده على استيحاء من باب النقل دون تعليق أو توقف عنده أو تعويل عليه ، وهذا التأويل كما نقله ابن كثير هو قوله : ( ومن طريق أبي الحسن الميموني عن أحمد بن حنبل أنه أجاب الجهمية - يقصد المعتزلة- حين احتجوا عليه بقوله تعالى: ( وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ) قال : يحتمل أن يكون تنزيله إلينا هو المحدث لا الذكر نفسه هو المحدث )(2) !! ، وهذا تأويل محض لا دليل عليه ولا قرينة ، ويكفي قوله ( يحتمل ) !، في حين أن الآية واضحة وصريحة في وصفها للذكر بأنه محدث لا تنزيله ، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن كون الذكر منزلا ، والله أنزله ، هو في حد ذاته دليل على حدوثه لأنه لو كان قديما لما جاز عليه النزول ، ولما وصفه الله بالنزول الذي هو من علامات الحوداث ، على أن الإمام أحمد بن حنبل نفسه لم يقتنع بذلك الاحتمال والتأويل الذي نقضه في وقت لاحق على ما يبدو ، وأتى بآخر أطم وأعجب من سابقه .
وهو ما أورده ابن كثير أيضا عقب ما سبق إيراده مباشرة بقوله : ( وعن حنبل عن أحمد أنه قال : يحتمل أن يكون ذكر آخر غير القرآن ) (3).
وعلى هذا فإن الذكر الذي ورد في قوله تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) يحتمل أن يكون ذكرا آخر غير القرآن !!؟ الذي أجمع عليه المسلمون كافة ، بأنه هو الذكر وهو الذي تكفل الله بحفظه ، ثم كيف يمكن أن يكون هناك ذكر آخر غير القرآن هو المحدث وليس القرآن ، مع أنهم يقولون بأن كلام بوجه عام هو قديم وأزلي وسائر كتبه قديمة أزلية؟؟!! ، ومعلوم أن ما كان بعضه محدثا كان كله محدثا ، ألا يدل هذا التخبط والتناقض على أنهم كانوا يخوضون في المسألة - لا سيما بعد انتهاء المحنة وتغلب المحدثين والحنابلة - بلافهم أو علم ، وأن العداء والتعصب المذهبي وردود الأفعال اللاواعية جعل من معارضتهم لخصومهم في مسألة خلق القرآن ومخالفتهم في الرأي هدفا في حد ذاته ، إلى حد أن القضية في أذهانهم اختزلت بدون وعي في مسألة القرآن فحسب دون سائر كلام الله وكتبه المنزلة ؟! ومن ذلك أيضا ما نقله صاحب كتاب معارج القبول عن هشام بن عبيد الله من أنه قال : ( القرآن كلام الله غير مخلوق ، فقال له رجل : أليس الله تعالى يقول : ( وما يأتيهم من ذكر ربهم من محدث) ، فقال : محدث إلينا وليس عند الله بمحدث ) ! (4) .
على أن المسألة لم تتوقف عند حدود تجاهل تلك الآيات الصريحة وعدم الرد على من احتج بها عليهم، ولا عند حدود تأويل قوله تعالى ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث.. ) على ذلك النحو أوغيره ، بل إن منهم من لم يتردد في تجاوز هذا وذاك الى الإنكار اللفظي الصريح وتكفير من قال أن القرآن محدث ، فهذا صاحب كتاب معارج القبول ينقل لنا - في سياق احتجاجه بأقوال (السلف) أيضا - أن وكيعا : ( قال من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أنه محدث ، ومن زعم أنه محدث فقد كفر) ! ، وفي هذا دليل على أنهم يدركون جيدا ويقرون بأن محدث بمعنى مخلوق ، ومع ذلك ...!، ثم يقول : ( وقيل له إن فلانا يقول إن القرآن محدث ) ، وهو ما نص علية القرآن صراحة فتأمل جوابه ( فقال : سبحان الله هذا الكفر) !!! ( 5 ) .
ونحن نقول : يا سبحان الله ، أليس هذا - بإجماع الأمة - هو حكم من أنكر صريح القرآن ولم يثبت ما أثبته لفظا ؟! ، ولئن كانوا قد كفروا من يقول بأن القرآن مخلوق فما بالهم يكفرون من يقول بأنه محدث مع أن ذلك إثبات لفظي لازم لكل مسلم لما ورد نصا في كتاب الله في وصف القرآن؟.
* أما بالنسبة لكونه مجعولا فقد استدل القائلون بخلقه بقوله تعالى : ( إنا جعلناه قرآنا عربيا) أي : خلقناه ، إذ جعله قرآنا عربيا كما جعل الشمس ضياء والقمر نورا بأن خلقهما كذلك ، مستدلين على أن (جعلناه) بمعنى خلقناه ، بقوله تعالى : ( وجعل الظلمات والنور ) ، وغيرها من الآيات .
فجاء رد القائلين بأنه غير مخلوق بإيراد آيات ورد فيها لفظ ( جعل ) دون أن يفيد معنى الخلق كقوله تعالى ( وجعلهم كعصف مأكول ) ، غير أنهم لم يقولوا لنا في هذه الحالة ما الذي تعنيه كلمة جعلناه في قوله ( إنا جعلناه قرآنا عربيا ) ، بحيث يستقيم المعنى لو افترضنا أنها ليست بمعنى (خلقناه) .
2-آيات وصف فيها القرآن بأوصاف يلزم منها حدوثه وخلقه وامتناع قدمه:
وأول هذه الأوصاف أنه منزل, والآيات كثيرة بهذا الصدد ، منها قوله تعالى : (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) ، ولا خلاف في كونه منزلا ، وهذا في حد ذاته يؤكد بأنه محدث مخلوق ، ولو كان قديما لما جاز وصفه بالنزول ، لأن النزول من صفات الحادث المخلوق لا من صفات القديم الأزلي ، بدليل قوله تعالى : (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ) وقوله : (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ) ، وقوله : (وأنزلنا من السماء ماء مباركا) ، وفي كل هذه الآيات استخدام كما هو واضح لفظ (أنزلنا) و(أنزل) ، و(نزلنا) ولم يقل خلقنا الحديد والأنعام والماء، ومعلوم أن كل ذلك مخلوق.
أما في قوله تعالى : ( والله أنزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ) (الزمر :23) ، فقد وصفه الله تعالى - كما يقول الإمام يحيى بن حمزة - ( بخمس من صفات المحدثات ، وصفه بأنه ( منزل ) والمنزل محدث ، لأنه حصل بعد أن لم يكن ، ووصفه بأنه ( أحسن ) ، والحسن من صفات المحدثات ، ووصفه بأنه (كتاب) ، والكتاب والكتابة والمكتوب من سمات المحدث ، ووصفه بأنه متشابه - أي يشبه بعضه بعضا في جزالة ألفاظه وجودة معانيه ... إلخ - والقديم لايشبه غيره ، وأخيرا وصفه بأنه (مثاني) ، أي يثنى ويكرر معانيه ، هذه صفات للقرأن لا يتصف بها ماهو قديم) (6) .
3- آيات يلزم منها أنه محدث وليس قديما :
* قوله تعالى: ( ومن قبله كتاب موسى ) ( الأحقاف : 12)، وهذا صريح في أنه جاء بعد غيره ، وما تقدمه غيره امتنع قدمه وثبت حدوثه .
* قوله تعالى : ( وما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بمثلها أو خير منها ) ، وقوله تعالى : ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ) ( الكهف:109) ، تدل بذلك على أن الله لو أراد أن يغير القرآن كله أو بعضه أو يبدله بغيره أو يأتي بمثله أو يزيد فيه كما شاء لكان ذلك ، كما أن النسخ في أوامر القرآن -كما هو معلوم- جائز وواقع ، وعليه فإن ما جاز ان يتبدل ويتغير وينسخ ويؤتى بمثله ويزاد فيه فهو محدث ولا ريب ،ومحال أن يكون قديما ، لأنه لو كان قديما لما جاز عليه كل ذلك، ألا ترى بأن علمه تعالى - الذي هو صفته القديمة الأزلية بلاخلاف في ذلك - محال أن يتغير أو يتبدل أو يخرج عنه ما سيقع ويحدث قيد أنملة.
* قوله تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) ، والمحفوظ محدث مخلوق.
* قوله تعالى : (وإذ قال ربك للملائكة ) ، و(إذ) -كماهو معلوم - ظرف زمان ، والمختص بزمان معين محدث ، وماكان بعضه محدثا كان كله محدثا.
القسم الثاني :
وهو ما أثبتوا فيه حدوث القرآن من خلال آيات تدل على أن كلامه تعالى هو فعله والتكلم صفته، وأنها من صفات الفعل لا من صفات الذات ، وتلك الآيات هي : قوله تعالى : ( وكلم الله موسى تكليما ) ، وقوله: ( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ) ، وقوله تعالى ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ) ، والشاهد هنا أنه سبحانه وتعالى عبر عن الكلام في هذه الآيات ونحوها بصيغة الفعل ( كلم ، يكلم) ،وهذا واضح لكل أحد ، وهو دليل أن المتكلم من فعل الكلام لا من قام به الكلام - كما ذهب إليه القائلون بأزلية كلام الله وقيامه بذاته - بدليل أن ما يتبادر إلى الأفهام ويفهمه أهل اللغة وأبناء العربية من أن معنى أن الله كلم موسى عليه السلام هو أنه فعل الكلام المكون من حروف وأصوات لا غير ، كما أن كلمة (تكليما) الواردة في الآية فيها تأكيد واضح على أنه سبحانه فعل الكلام وأن المتكلمية والتكلم صفته ، وليس الكلام الذي هو أثرها الذي أحدثه الله وأنشأه وخلقه كيف شاء وسمعه موسى عليه السلام.
هذا من جهة ، ومن جهة ثانية فإن الله سبحانه قد أثبت الكلام في الآيتين الأولى بقوله ( وكلم) ونفاه في الآية الثالثة بقوله ( لا يكلمهم ) ، وهذا دليل يؤكد أن المتكلمية من صفات الفعل ، ولوكانت صفة من صفات الذات لما أثبته تارة ونفاه أخرى .
تلك هي الأدلة الشرعية القرآنية الملزمة التي قدم منها القائلون بخلق القرآن ما يقطع الشك باليقين وأتوا فيها بنصوص صريحة مباشرة وأخرى غير مباشرة ، وثالثة لازمة الدلالة ، ورابعة مؤكدة ، ولا مجال لتجاوزها أو تجاهلها فضلا عن التمسك بالرأي المعارض لها .
أما من السنة : فقد احتجوا على مخالفيهم بما روي عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال : ( ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي) ، وهذا كلام صريح - نصا ولفظا - في أن القرآن مخلوق ، وحجية هذا الحديث وأهميته تتمثل في ورود لفظ ( الخلق ) صراحة ، وفي كونه مرويا عن طريق رجال أهل الحديث وثقاتهم ، وعندما احتج به عليهم في حينه لم ينكروه ولم يطعنوا في صحته ولا قدحوا في رواته ، وإنما أولوه وصرفوا معناه عن ظاهره وحقيقته كما فعلوا بالنسبة لتلك الآيات القرآنية الصريحة - كما رأينا - بل ساءهم أن يظهر هذا الحديث زمن المحنة وما بعدها وأن يحدث به أحد رجالاتهم خوفا من أن ينتشر بين العامة فيضعف موقفهم ويبطل رأيهم .
وإليك ما نقله لنا الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء 10/578 : (قال أبو الحسن عبدالملك الميموني : قال رجل لأبي عبدالله -أحمد بن حنبل-: ذهبت الى خلف البزار أعظه، بلغني أنه حدث بحديث عن الأحوص عن عبدالله بن مسعود ، قال : ما خلق الله شيئا أعظم من آية الكرسي .. وذكر الحديث ، فقال أبو عبدالله -أحمد بن حنبل -: ما كان ينبغي أن يحدث بهذا في هذه الأيام - يريد زمن المحنة !! ، والمتن .. والكلام لا زال للذهبي -: ( ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي )، وقد قال أحمد بن حنبل لما أوردوا عليه هذا يوم المحنة : إن الخلق واقع هاهنا على السماء والأرض وهذه الأشياء لا على القرآن)!! (7) .
[ أدلة القائلين بقدم القرآن وأنه غير مخلوق ] :
من القرآن : ومحور استدلالهم من القرآن يستند إلى آيتين وهي قوله تعالى : ( ألا له الخلق والأمر ) (الأعراف : 54 )
وقوله تعالى : ( إنما أمرنا لشيئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) (النحل :40) .
ووجه استدلالهم هنا على أن كلام الله غير مخلوق يتمثل أولا : في القول أن الله تعالى في الآية الأولى (ميز بين الخلق والأمر فوجب أن لا يكون داخلا في الخلق ) أو كما قال أبو الحسن الأشعري في كتابه الإبانة 19/ ، أنه تعالى : ( لما قال : ( ألا له الخلق ) كان هذا في جميع الخلق ، ولما قال ( والأمر ) ذكر أمرا غير جميع الخلق فدل ما وصفنا على أن أمر الله غير مخلوق) ( 8 ) .
أما ثانيا : فيتمثل في اعتبار هذا الأمر غير المخلوق - كما قرروه استنادا إلى الآية الأولى - هو الأمر الذي ورد في الآية الثانية ( إنما أمرنا ..) والذي يخلق الله به الخلق والمتمثل في قوله للشيء المراد خلقه ( كن ) !! ، وقوله كن هو كلامه الذي يكون به الخلق ، وكلامه عزوجل الذي به يكون الخلق غير الخلق الذي يكون مكونا بكلامه) ! (9) ، وبالتالي فإن القرآن غير مخلوق !!!، وتأكيدا لهذه النتيجة قالوا : بأن القرآن الذي هو كلام الله وقوله لوكان مخلوقا لوجب - كما قال الأشعري - ( أن يكون مقولا له : كن فيكون ، ولو كان الله عز وجل قائلا للقول : كن ، كان للقول قول ) ، يقصد أن القول (كن ) سيكون في هذه الحالة محتاجا إلى قول آخر ليكون ، وهكذا إلى ما نهاية وهذا مستحيل ، وعليه يقول الأشعري : ( وإذا استحال ذلك صح وثبت أن لله عز وجل قولا غير مخلوق ) (10) .
والحقيقة أن استدلالهم العجيب هذا باطل من الأساس ، وقد أجاب عليه القائلون بخلق القرآن بما مفاده : إن المراد بالأمر في قوله تعالى ( ألا له الخلق والأمر ) هو التصريف والتدبير ، أما ما ذهبوا إليه من المراد بالأمر القول ، والكلام ، فهو تحكم محض لا دليل عليه مطلقا ومن ذا الذي يفهم من الآية السابقة أن المراد بها أن الله له الخلق والقول الذي يخلق به الخلق ؟! ، هذا من جهة.
ومن جهة ثانية فإن قوله وتعالى : ( ألا له الخلق وله الأمر ) هو جزء من الآية 45 من سورة الأعراف ، اقتطعوه منها وفصلوه عن سياقها الدال على خلاف ما ذهبوا إليه ، والآية كاملة هي قوله تعالى : ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) .
والآية - كما هو واضح - بدأت بالحديث عن خلق السموات والأرض - بما فيها الشمس والقمر والنجوم وغيرها بالطبع - ثم يؤكد الله بأن هذه مسخرات بأمره أي أنها بعد خلقها خاضعة لتصريفه وتدبيره ومشيئته .
وهذا هو معنى (بأمره) الذي لا يمكن أن يكون المراد به هو القول الذي يخلق الله به الخلق بدليل قوله ( مسخرات بأمره ) وذلك بالطبع بعد خلقه لها ، ثم يأتي ختام الآية بقوله ( ألا له الخلق والأمر ) لتأكيد أنه تعالى هو الذي خلق الأشياء كلها - وليس فقط مانصت عليه الآية - وأنه - وهذا معنى الأمر - هو الذي يدبر ويصرف المخلوقات والكائنات كيف شاء وأن كل شيء خاضع لتصريفه وتدبيره ومشيئته وليس فقط الشمس والقمر والنجوم المسخرات بأمره والتي خصها بالذكر كون الآية جاءت ردا على من يقولون بان لها تأثيرات في هذا العالم ، وبهذا يتضح أن الآية لا علاقة لها بما ذهبوا إليه من معنى الأمر . وليس فيها ما يستدل به على أن كلام الله غير مخلوق .
أما بالنسبة للآية الثانية ( إنما أمرنا لشيئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) وقوله تعالى : ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) ، فقد جاءت بتعبيرات أخرى حيث قال تعالى : ( إنما قولنا لشيئ إذا أردناه أن نقول كن فيكون ) ، وقال تعالى : ( وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) .
وهذه الآيات من غرر الآيات القرآنية التي تصف لنا شأنه تعالى ( وهو المراد هنا بأمره ) عند إرادته خلق شيء من الأشياء ، وتصور لنا ذلك بأبلغ بيان ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول لن (كن) فيكون ) . بمعنى أن أي شيئ يريد الله خلقه وإيجاده إنما يكون في التو واللحظة بمجرد إرادة الله لخلقه وإيجاده لا أنه عند إرادته لإيجاده وكونه يقول له حقيقة - أي لفظا - (كن) فيكون ذلك ، وبعبارة أخرى : أن قوله تعالى للشيء ( كن) ليس هو قولا لفظيا هو لفظ (كن) يتلفظ به الله سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لتتحقق إرادته في الخلق والإيجاد ، حتى يقال بناء على مثل هذا الفهم السقيم الممتنع في حق الله أصلا - أن لله قولا غير مخلوق وأن (كن) من كلامه الذي يخلق به الخلق ، وبالتالي فإن كلامه بوجه عام غير مخلوق !! ، واحتجاجهم بأنه قوله (كن) لو كان مخلوقا لاحتاج في نفسه إلى قول آخر لإيجاده وهذا إلى آخر وهكذا يتسلسل إلى ما لا نهاية ، وهذا مستحيل وبالتالي لا مناص من أن يكون غير مخلوق ، احتجاج مبني أساسا على حمل قوله للشيئ (كن) على القول اللفظي ، وأغلبهم لم يجرؤ على التصريح بذلك ، غير أن بعضهم لم يتردد في التصريح به من خلال القول : ( الظاهر أن هناك قولا لفظيا هو لفظ ( كن) ، وإليه ذهب معظم السلف ) (11) .
وهذا محال من عدة وجوه :
أولا : أنه ( من المعلوم أنه ليس هناك لفظ يتلفظ به ، وإلا احتاج في وجوده إلى لفظ آخر ، وهلم جرا فيتسلسل ، ولا أن هناك مخاطبا ذا سمع يسمع الخطاب فيوجد به) (12) .
ثانيا : أن ذلك يعني أن الله محتاج إلى كلمة (كن) لإيجاد مخلوقاته ، وأن تحقق إرداته في إيجاد الشيء متوقف على لفظ محدد دون غيره وهو (كن) وليس مجرد إرادته ، وأنه تعالى عن ذلك يتلفظ بكلمة (كن) بحرف وصوت كما نتلفظ نحن البشر.. ، وكل ذلك محال وممتنع في حق الله تعالى ، ويلزمهم منه إلزامات شنيعة ، وبذلك يثبت بطلان ما ذهبوا إليه.
وخلاصة القول :
إن إرادته سبحانه وتعالى للشيء هي إيجاده وخلقه لذلك الشيء لا غير ، بمجرد إرادته التي هي إحداثه وفعله لا غير ، يقول له كن فيكون، بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا اضطراب ولا همة ولا تفكر إلى آخر ما هنالك مما تنوعت تعبيرات القرآن في تقريبه إلى أذهاننا والإشارة إلى حقيقته بإشارات بليغة غير (كن فيكون) في دلالة واضحة على أن المسألة ليست مسألة قول لفظي أو أمر لفظي ،وإنما هي تمثيل وبيان على مدى نفاذ وتحقق إرادته في إيجاد وخلق الأشياء بمجرد التعلق بالإرادة الإلهية لا غير ، كقوله تعالى : ( كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) ، وقوله تعالى : ( وما أمرنا إلا واحدة كلمح البصر ) ، وقوله: (وكان أمر الله قدرا مقدورا ).
تلك هي أهم أدلتهم من القرآن ، أما السنة فلم يستدلوا منها بشيء يتعلق بصلب الموضوع لا من قريب ولا من بعيد .
وبهذا ينتهي موضوعنا
سبحان ربك رب العزة عما يصفون
وسلام على المرسلين
والحمد لله رب العالمين.
الهوامش:
( 1 ) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول ج1 ص 247 للشيخ حافظ بن أحمد حكمي ، دار ابن القيم للنشر والتوزيع - الدمام - السعودية - الطبعة الأولى 1410ه1990 م.
( 2 ، 3 ) مقدمة كتاب دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ص 12 تحقيق السيد حسن السقاف ،والكتاب تأليف الحافظ ابن الجوزي الحنبلي ، دار الإمام النووي - عمان الأردن الطبعة الثالثة 1413ه 1993م .
( 4 ) المصدر السابق ص 277 .
( 5 ) معارج القبول 1 / 274 .
( 6 ) الإمام المجتهد يحيى بن حمزة وآراؤه الكلامية ص 79 تأليف الدكتور أحمد محمود صبحي .
( 7 ) مقدمة كتاب دفع شبه التشبيه لمحققه حسن السقاف ص 13 - 14.
( 8 ) خلاصة علم الكلام للدكتور عبدالهادي الفضيلي ص 28.
( 9 ) معارج القبول ج1ص278.
(10) خلاصة علم الكلام ص 128
(11) خلاصة علم الكلام ص 133.
(12) المصدر السابق ص 132 .
Page 174