173

Maqālāt Islāmiyya - Majālis Āl Muḥammad

مقالات إسلامية - مجالس آل محمد

الحلقة الخامسة :-

وقفنا في الحلقة الماضية على أبرز أدله واستدلالات القائلين بأزلية كلام الله العقلية في إطار سعيهم إلى إثبات رأيهم في القرآن ، ونكمل في هذه الحلقة بقية الإستدلالات وهو الاستدلال الثالث والأخير :-

3- حاولوا في هذا الإستدلال أن يثبتوا بطلان القول بأن الله متكلم بكلام محدث ( أي بكلام يخلقه ويحدثه ) ولزوم أن يكون متكلما بكلام قديم ، مستندين في ذلك إلى حقيقة متفق عليها بين الجميع ، وهو أن الكلام لا يعقل ولا يتصور أن يقوم بذاته - أي الكلام - إذ لابد أن يوجد في محل ، ويستحيل أن يكون لا في محل ، كما يستحيل أن يوجد لون لا في جسم ( أيا كان هذا الجسم ) وعليه فإن كلام الله لا يخلو من ثلاث :

إما أن يقوم بذاته تعالى (( أي حال فيه )) ، وهو ما ذهبوا إليه تبعا لقولهم بأزلية كلام الله وعدم خلق القرآن وإما أن يقوم بغيره وهو قول خصومهم الذين قالوا بحدوث كلام الله ومنه القرآن ، وإما أن يوجد لا في محل ، وهذا باطل بالإتفاق

ومن هنا جاء استدلالهم بما مفاده : أن كلام الله لو كان حادثا - أي كما يقول خصومهم - لكان إما أن يقوم بذاته تعالى ( وعلى حد تعبير صاحب كتاب معارج القبول : خلقه في ذاته ) وهذا محال لاستحالة أن تكون ذاته محلا للحوادث - وهو ما أكده القائلون بخلق القرآن والأشاعرة أيضا - باعتبار ان حدوث الكلام الذي هو عبارة عن حروف وأصوات من المعلومات الضرورية ، وإما أن يقوم بغيره ( أي خلقه في غيره ) وهذا محال أيضا ، حسب ما ذهبوا إليه بدعوى أن الكلام في هذه الحالة هو كلام ذلك الغير ، واختصاصه به أحق وأولى ، ( وهذا هو محور استدلالهم ) وبهذا - وهو ما أرادوا إلزام خصومهم به - يبطل أن يكون الله متكلما بكلام محدث ، ويثبت كونه متكلما بكلام قديم قائم بذاته ..

وردا على ذلك قال الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام : ( والجواب أما أولا: فالمتكلم عندنا هو فاعل الكلام فإذا كان القديم تعالى فاعلا للكلام وجب أن يكون متكلما ، فأما حلول الكلام وعدمه فهو نظر خارج عما ذكرنا ) (1) .

ثم يقول : وأما ثانيا ، فلأنه تعالى إذا جاز أن يكون منعما بنعمة موجودة في غيره ومحسنا بإحسان موجود في غيره جاز أن يكون متكلما بكلام موجود في غيره ، والجامع بينهما هو أنها كلها أسماء اشتقاقية ، الأصل فيها كلها وفي صحة إطلاقها على فاعلها وجريها على فاعلها وجود الفعل لا غير (2) .

وحتى تتضح المسألة ويفهم رد الإمام يحيى بن حمزة لابد لنا من الإيضاح وإزالة الالتباس فنقول : إن ما أورده القائلون بأزلية كلام الله أعلاه ليس دليلا على قدم وأزلية كلام الله وبالتالي القرآن ، وإنما هو في الحقيقة اعتراض وشبهه لا وجه لها سوى خلفية قياس الغائب بالشاهد ، أي قياس الخالق تبارك وتعالى بنا نحن المخلوقين في صفة التكلم ، وتصورها في الأذهان بالنسبة لله تعالى من خلال ما ندركه في أنفسنا بخصوصها ، من صدور الكلام عنا مباشرة ، وكذلك صدور الصوت المؤدى به بالطبع ، ويغيب عن ذهن الكثيرين - لاسيما العامة - أن ذلك إنما يتم نتيجة وجود الآله أو الجارحة التي خلقها الله فينا وأقدرنا بها على إحداث الكلام وفعله ، ولو تلفت أو تعرضت لآفة ما ، لفقدنا القدرة على الكلام ، ولعجزنا ولا ريب عن إحداثه وخلقه في محل آخر غير ذواتنا بعد تلف تلك الآله المركبة فيها ، وهذا ما يتفرد به الله عز وجل ، ومع ذلك فإن التصور الغالب في أذهان الناس - وأغلبهم بدون وعي - أن الكلام يصدر من الله مباشرة أي بحروف وأصوات ( حالة فيه وقائمة بذاته ) كما يخرج من أحدنا !! وأنه لابد وأن يكون متكلما على هذا النحو ، متوهمين أن ذلك من لوازم كماله الإلهي المطلق كما هو - مع الفارق طبعا - من لوازم الكمال الإنساني المتمثل في النطق الذي بلغ من شأنه أن تم تعريف الإنسان بأنه حيوان ناطق ، دون أن يستوعبوا ويدركوا بأن خصوصية اتصافه تعالى بصفة المتكلمية ووجه كماله الإلهي فيها وحقيقة مباينته في هذه الصفة لعباده - كما هو الحال في سائر صفاته تعالى - إنما تكمن في كونه يخلق الكلام خلقا كيف شاء ومتى شاء ويحدثه أينما شاء ، لا أنه قائم بذاته ، ولاصادر عنه مباشرة بصوت مسموع كما هو الحال بالنسبة لنا ، وكونه تعالى يخلق الكلام ويحدثه في غيره ( أي قائم بغيره ) فذلك هو قطعا ما ليس مقدورأ للبشر على الإطلاق ، وهو ما يجسد حقيقة مباينته لعباده في ذلك وتفرده ، ويتجلى فيه بوضوح مدى عظمته وقدرته المطلقة علما بأن الأصل والأساس في القول بأن الكلام قائم بغيره ليس هو ما ذكرنا وإنما هو - كما شرحناه في الحلقات السابقة - ما فرضه العلم الضروري بحدوث الحروف والأصوات التي يتركب منها الكلام ، من لزوم الحكم باستحالة أن يكون الكلام قائما بذاته تعالى ، لاستحالة أن يكون ذاته محلا للحوادث باتفاق الجميع ، وبالتالي ما أوجبه مبدأ التنزية من تنزيه الله عن ذلك ، وهذا بطبيعة الحال كان يعني بالضرورة أن كلامه تعالى قائم بغيره ، باعتبار أن الكلام يستحيل أن يقوم بنفسه وأن يوجد لا في محل ، دون أن يكون هذا الغير ( وهو من مخلوقات الله بالطبع ) سوى محل للكلام الذي يحدثه الله فيه ، وبعبارة أخرى محل للحروف والأصوات التي يخلقها الله فيه ليتمكن من يكلمه الله من عباده ( كما حدث لموسى عليه السلام ) من سماع الكلام ، وليس هو المتكلم الذي هو فاعل الكلام وهو الله والكلام بالطبع كلامه لأنه فاعله ومحدثة ، ومثال ذلك بالنسبة لكلامنا نحن البشر ، من حيث محل الكلام أو كما يسميه الإمام أحمد بن سليمان شبح الكلام أي المحل ، ما قاله في كتابه " حقائق المعرفة " من أن : ( شبحه - أي الكلام - في المتكلم ، وشبحه بعد ذلك الهواء لأن الله قد فطر الهواء على حمل الأصوات إلى الآذان السامعات ) . ( 3 ) .

وهذه حقيقة علمية ثابتة ندركها نحن أبناء هذا العصر ونستوعبها جيدا ، وكون الهواء هو محل الكلام بعد ذلك ويقوم الكلام به ، وهو الذي يحمله إلينا وينقله إلى آذاننا ونسمعه بواسطته لا يعني أن الكلام كلامه أو أن اختصاصه به أولى ، وما من أحد يقول ذلك ، لأن الكلام لفاعله أي المتكلم والهواء ليس هو المتكلم ولا فاعل الكلام كما هو معلوم وإنما هو محل لا أكثر .

[ أبناء هذا العصر أقدر على فهم المسألة : ]

ومن هنا نستطيع أن نفهم المسألة والشبهة السابقة التي أوردها القائلون بأن الله متكلم بكلام أزلي قائم بذاته ، ذلك أن القول قد اضطرهم منذ البداية إلى مخالفة أهل اللغة ، واعتبار المتكلم : من قام به الكلام وليس من فعل الكلام ليتطابق مع ما ذهبوا إليه بشأن تكلم الله وكلامه .

ومن هنا جاء اعتراضهم على ما أكده خصومهم - تبعا لإثبات هؤلاء حدوث الكلام - من أن كلام الله قائم بغيره ، ليقولوا - في محاولة لإثبات أنه تعالى متكلم بكلام قديم - بأن ذلك يلزم منه أن يكون الكلام في هذه الحالة هو كلام ذلك الغير ، وليس كلام الله ، وما ذاك إلا لأن المتكلم عندهم هو من قام به الكلام وهو هنا ذلك الغير وبعبارة أخرى المحل الذي يخلق الله فيه الكلام !!

وهذا إنما يلزمهم هم ، ولا يلزم خصومهم ، ولا يصح الإحتجاج به أصلا ، لأن خصومهم لا يقولون بذلك ولا يوافقونهم عليه بل إنه محور الخلاف بينهما ، ويفترض أن يقدموا الأدلة والبراهين عليه أولا ، لا أن يعتبروه - ضمنيا - ملزما لخصومهم بل ومبطلا لقولهم الأساس بحدوث الكلام لله !! .

وبهذا نستطيع أن نفهم رد الإمام يحيى بن حمزة السابق والذي حسم فيه الموضوع منذ البداية بقوله : ( أما أولا ، فالمتكلم عندنا هو فاعل الكلام ) .

أي أن ما ذكرتموه إنما يلزمنا لو كان المتكلم عندنا هو من قام به الكلام ، وبالتالي فإن حلول الكلام من عدمه أمر آخر لا علاقة له بذلك ، ولا يغير من حقيقة أن المتكلم هو فاعل الكلام ، ثم يأتي بعد ذلك بما يؤكد على جواز أن يكون الله تعالى متكلما بكلام موجود في غيره ، دون أن يلزم من ذلك نسبة كلامه إلى ذلك الغير ، فما دام قد ثبت انه تعالى منعم بنعمة موجودة في غيره ومحسن بإحسان موجود في غيره ، فيجوز إذا أن يكون المتكلم بكلام موجود في غيره ، مؤكدا بأن الجامع بين هذا وذاك أنها جميعا من الأسماء الاشتقاقية ( من أسماء الفاعلين ) لا يفهم من إطلاقها على الله تعالى سوى أنه فاعل الإحسان والإنعام والكلام ، ولم يقل أحد بأن الإحسان يكون في هذه الحالة هو إحسان ذلك الغير ، أو إنعام ذلك الغير .

ونلفت النظر هنا إلى أن تلك الشبهة قد جاءت في القرون الماضية مطابقة ومنسجمة مع عقلية العامة وتصوراتهم الحسية السطحية - كما بيناه سابقا - إضافة إلى عدم تصورهم آنذاك أن يسمعوا كلام المتكلم منهم من خلال شيء آخر غيره ( أي محل آخر ) وليس مباشرة ، ناهيك عن استغلال القائلين بقدم القرآن ( الحنابلة بشكل خاص ) لتلك الشبهة وذلك التصور في إثارة عواطفهم الدينية ضد خلق القرآن ( جوهر المسألة ) من خلال القول بأن ما ذهب إليه خصومهم من أن كلام الله تعالى قائم بغيره يلزم منه أن يكون القرآن الذي هو كلام الله كلام ذلك الغير ، وليس كلام الله !! وناهيك بالقرآن مكانة في نفوس الناس .

إلا أن تلك الشبهة اليوم مردودة وغير مقبولة بعد أن ثبت بطلانها بشكل عملي - حسي - يدركه ويستوعبه سائر الناس اليوم ، ونحن أبناء هذا العصر أقدر على فهم المسألة وحجة القائلين بأن المتكلم هو فاعل الكلام ، والتحقق من مطابقتها للحقيقة التي أدركوها وأثبتوها آنذاك بأدلة عقلية ، ذلك أننا اليوم نسمع صوت المتكلم وكلامه من خلال المذياع وأجهزة التلفزة والهاتف دون أن يكون سماعنا لكلام الشخص المتحدث بشكل مباشر وإنما عبر المذياع مثلا ، والجميع اليوم - عوام وغير عوام - يدركون حقيقة أن المتكلم هو ذلك الشخص والكلام كلامه ، وأننا نسمع الكلام من المذياع لا من المتكلم مباشرة ، دون أن يقال بأن الكلام هو كلام المذياع وهو أولى بنسبة الكلام إليه ، لأن المسألة أصبحت حقيقة ثابتة وملموسة ومطابقة تماما لما أدركه وأثبته القائلون بخلق القرآن من كون المتكلم هو فاعل الكلام ، ولو كان المتكلم هو من قام به الكلام كما ذهب إليه القائلون بأزلية كلام الله وقيامه بذاته لكان المتكلم هذا هو المذياع والكلام كلامه !!! وهذا ما لا يمكن أن يقولون به أنفسهم اليوم .

وبهذا يبطل ما ذهبوا إليه دون شك أو ريب ويثبت أن المتكلم : هو فاعل الكلام ، وبثبوت ذلك يثبت أن كلام الله هو فعله ومنه القرآن ، ومحال بالطبع أن يكون فعله قائما بذاته ، وبذلك يثبت أن كلامه تعالى محدث وليس قديما ، وبالتالي فإن القرآن محدث مخلوق وهو المطلوب .

وبهذا نكون قد انتهينا من عرض ومناقشة أهم استدلالاتهم العقلية التي دارت كما رأينا حول محاولة إثبات أزلية كلام الله بوجه عام ، وانه متكلم بكلام قديم ، باعتبار أن إثبات ذلك أمر ضروري يتوقف عليه ثبوت صحة رأيهم فيما يخص القرآن تحديدا ، كونه عنوان الصراع المذهبي والخلاف الفكري الرئيسي في هذه المسألة ، وإذا كانوا قد أخفقوا كما رأينا في إثبات رأيهم بخصوص القرآن من خلال ذلك العنوان العام " كلام الله وصفات التكلم " فإنهم على صعيد العنوان الخاص ( القرآن ) - وخلافا لخصومهم - لم يتمكنوا في الحقيقة من تقديم أي استدلالات عقلية مباشرة وخاصة به ، كأن تكون مستندة إلى شيء من مضامينه أو خصائصه أو أي جانب حقيقي من جوانبه التي يمكن الاستدلال من خلالها على قدمه - من وجهة نظرهم على الأقل - أو يلزم منها بطلان حدوثه وخلقه لتحل محلها معارضات سقيمة للحنابلة وعلمائهم الأوائل ، وشبهات سطحية أثاروها ضد القول بخلق القرآن ، والتباسات في المفهوم رسوخها في أذهان العامة ، وأقوال عجيبة نزلوا بها إلى مرتبة العوام ، وغير ذلك مما أنتجته عقلية الحنابلة وأتوا فيها بالعجب العجاب ، ودونوه في كتبهم ، واعتبروها استدلالات قوية ومفحمة للخصم بل وملزمة له بإلزامات شنيعة بعد أن قدموها لأتباعهم على نحو يثير عواطفهم الدينية ، ويحمل نتائج يستعظمونها ومقدمات لا أساس لها ولا مستند ، وقد نأى علماء الأشاعرة بأنفسهم عنها ، ونزهوا كتبهم منها ، غير أنها كانت أكثر حضورا في أذهان الحنابلة ومن جاء بعدهم من السلفية وأعظم أثرا فتوقفوا ولا زالوا يتوقفون عندها ويعتمدونها ويوردونها في كتبهم المعاصرة محتجين بها ، ويكفي أن يقال قال فلان وقال فلان ... حتى يغلقوا عقولهم وينظروا إليها على أنها حجة قاطعة ومفحمة !! في الوقت الذي يجهلون فيه صلب الموضوع وإشكالاته الأساسية وأدلته الحقيقية التي يجب أن تناقش وتطرح مما عرضناه سابقا وبيناه .

ونظرأ لما ذكرناه سابقا كان لابد من استعراض بعضها .

[ معارضات الحنابلة وشبهاتهم ضد القول بخلق القرآن ]

1- أولها تعود جذوره إلى الإلتباس القديم في المفهوم الذي أحدثه لفظ " مخلوق " في أذهان العامة عند ظهور هذه المسألة آنذاك ، والمتمثل في تصور القرآن شخصا حيا أو أي حي آخر يموت ويفنى ، وهو ما أورده الحنابلة على شكل استدلال مفاده أن كل مخلوق لازمه الموت والفناء ، وأن القول بأن القرآن مخلوق يلزم منه أن يجري عليه ما يجري على سائر المخلوقات من الموت والفناء .

ونحن في الحقيقة لا نفهم من الموت والفناء إلا جريان الأول على الأحياء من إنسان وحيوان ونبات ، والثاني على المادة بشكل عام ( كل من عليها فان )

أما بالنسبة للقرآن الكريم فهو عبارة عن كلمات وألفاظ وسور وآيات مكتوبة في الصحف ومحفوظة في الصدور ومسجلة في الأشرطة ، وليس هناك من معنى للموت والفناء في حقه - حسب الفرض السابق - إلا أنه عرضة للتغيير والتبديل والطمس والتحريف " جزءا أو كلا " أو ضياع أصوله ونسخه وارتفاعه من الصدور .... الخ .

وكل ذلك محال وباطل لأن الله سبحانه كما هو معلوم للجميع قد تكفل بحفظه وبنصه وحرفه كما نزل على نبينا محمد عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم السلام ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، كما أخبرنا بذلك قوله تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) ، وبالتالي فإن ما يجري على سائر المخلوقين والمخلوقات لا يجري عليه ، وممتنع بالنسبة له وتكفل الله بحفظه ، ولو تكفل الله بحفظ أي مخلوق وتخليده إلى آخر الدهر وإبقائه على حاله دون أي تغيير أو تبدل أو موت ، لكان ذلك ولا ريب دون أن يخرجه ذلك من كونه مخلوقا .

بل أن تكفل الله بحفظ القرآن الذي هو كلامه يعتبر في حد ذاته دليلا على أنه مخلوق ، إذ لو كان قديما كما يزعمون لما احتاج إلى حافظ يحفظه ، بل لو كان سائر كلام الله على اختلاف كتبه المنزلة قديما كما يزعمون لما تعرضت تلك الكتب - التي هي كلامه بالطبع - للتحريف والطمس كما هو ثابت ومعلوم ، ما يؤكد بأنها مخلوقه ويؤكد بالتالي أن القرآن مخلوق ، غير أن الله سبحانه وتعالى لم يتكفل بحفظها كما هو الحال بالنسبة للقرآن الكريم فكان ما كان من أمرها .

2- أما الاعتراض أو الشبهة الثانية فهي تقوم على انتقاء الآيات القرآنية التي ورد فيها لفظ الجلالة " الله " وغيره من أسماء الله ، وتقديمها على أساس أن القول بخلق القرآن يلزم منه أن الله مخلوق والرحمن مخلوق .... و.... !!

ومن ذلك ما نقله صاحب كتاب معارج القبول " السلفي " عن يحي بن سعيد القطان محتجا بكلامه : ( وقال يحي بن سعيد : كيف يصنعون بقل هو الله أحد ، كيف يصنعون بهذه الآية " إني أنا الله " يكون مخلوقا ؟....!! " (4) ، تأمل استنكاره بقوله : يكون مخلوقا ؟! معيدا الضمير إلى الله - نستغفره ونتوب إليه - مع أن الآية هي المخلوقة وهو مراد القائلين بخلق القرآن ، وكان يفترض به أن يقول : تكون مخلوقه ؟!

ومن ذلك أيضا ما نقله صاحب الكتاب عن عبد الله بن إدريس حيث قال : ( وقرأ ابن إدريس "بسم الله الرحمن الرحيم " فقال : الله مخلوق ؟ والرحمن مخلوق ؟ والرحيم مخلوق ؟ هؤلاء زنادقة ) !!! ( 5 ) .

والحقيقة أن هذا الكلام هو أكثر هبوطا من تفكير العوام ، وفيه جهل فاضح وتضليل واضح للناس ، ومحاولة لجعل القول بخلق القرآن - في نظر العامة - قولا يؤدي إلى الإلحاد بمثل ذلك الكلام التضليلي الهابط والذي لازال للأسف الشديد يتردد إلى يومنا هذا !! ويحتج به !!

مع أن الرد عليه من قبل أناس عاديين لا يحتاج إلى أكثر من القول : بأن معنى خلق القرآن أن سوره وآياته وألفاظه وكلماته وحروفه مخلوقه محدثة ، فقوله تعالى : ( قل هو الله أحد ) أو ( بسم الله الرحمن الرحيم ) هو المخلوق ، والآية هي المخلوقة ، والكلمات التي تضمنت لفظ الجلالة " الله " أو أي اسم من أسمائه تعالى هي المخلوقة وحروفها مخلوقه وليس الله أو الرحمن أو الرحيم الذي هو الله ، وهناك فرق واضح يدركه أدنى من له مسكة من عقل وفهم ، ومن ذا الذي سيفهم من قولنا : كلام الله مخلوق محدث ، أن الله مخلوق ومحدث !!؟

والعجيب أنهم لا يدركون بأن مثل هذا التهريج مردود عليهم ومن السهولة إلزامهم بما أرادوا إلزام خصومهم به وبنفس المنطق بل وبما هو أعظم شناعة وهو أن يقال لهم بأنه على هذا فإن قولكم القرآن قديم وغير مخلوق يلزم منه أن : " إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وعندهم من أسماء المخلوقين الواردة في القرآن قدماء وليسوا مخلوقين وبالتالي آلهة مع الله !! .

3- أما الثلاثة فتستند إلى ما قرروه وابتدعوه من ذوات أنفسهم انطلاقا من عقلية التشبيه والتجسيم ، وهو أن القرآن وكلامه تعالى خرج منه !! ويوردون في ذلك حديثا لا يمكن قبوله في أي حال من الأحوال ناهيك عن كونه من المراسيل ، وهو ما رواه الحاكم وأبو داوود في المراسيل عن أبى ذر رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إنكم لا ترجعون إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه ) .

ويعقب صاحب كتاب معارج القبول على ذلك - بعد إيراده الحديث - بقوله : يعني القرآن !!! (6) ثم يأتي بعد ذلك الإحتجاج نقلا عن أسلافهم بالقول : ( فكيف يكون شيء خرج من الرب عز وجل مخلوقا ) !!!؟ (7) .

وعبارة " خرج منه " في حد ذاتها تدلك أولا على تشبيه الله بخلقه لأن ذلك كما هو معلوم إنما يقال في حقنا نحن البشر ، فنقول : " خرج من فيه الكلام " ، وفي حديث للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله لعبد الله بن عمرو بن العاص ما معناه : " أكتب فوالله لا يخرج منه إلا الحق " ، وأشار إلى فيه عليه وعلى آله الصلاة والسلام ، واستخدام ذات العبارة في حق الله تشبيه واضح له بخلقه ، ولم يبق إلا أن يقال صراحة : خرج من فيه ، سبحانه وتعالى عما يصفون ، وهم في الحقيقة إنما أرادوا بذلك أن يؤكدوا ما ذهبوا إليه من أن الكلام قائم بذاته وانه يتكلم بصوت وكلامه صادر عنه مباشرة فعبروا عنه بذلك التعبير الذي لم يرد في كتاب الله وكفى به حكما ومرجعا .

4- أما الرابعة فهي كما نقله واحتج به صاحب الكتاب المذكور بقوله : ( وقال عبد الله بن محمد العيشي : " يستحيل في صفة الحكيم أن يخلق كلاما يدعي الربوبية ، يعني - والكلام لصاحب الكتاب - قوله تعالى : " اني أنا الله " ، وقوله : " أنا ربك " (8) ، وهل القول بأن الله يخلق الكلام ويحدثه يعني أن المتكلم هو الكلام وهو الذي قال : " اني أنا الله " أم الله سبحانه وتعالى هو المتكلم وهو من خلق الكلام وأحدثه وهو القائل ذلك عز وجل ؟!!

وهذه شبهة شبيهه بما عرضناه سابقا في قولهم بأن الكلام ذلك يعتبر ، وهو ما شرحناه ، ويكفي أن نقول هنا بأنه يمكن الرد عليهم بنفس المنطق بما هو أعظم إلزاما لهم ، إذ قد يقال لهم أنكم بهذا الذي أوردتموه يلزمكم الإعتراض على الله سبحانه لأنه خلق فرعون الذي ثبت بنص القرآن أنه ادعى الربوبية وقال : " أنا ربكم الأعلى " ، فكيف يخلق إنسانا يدعي هذا بالفعل ، لا كما ذهبوا إليه من أوهام وترهات بشأن الكلام ؟!!

نكتفي بهذا القدر من إيراد أقوالهم الركيكة على أن نأتي بالأدلة السمعية للفريقين في الحلقة القادمة والأخيرة بمشيئة الله تعالى .

الهامش : -

( 1 ، 2 ) شرح الأساس الكبير للعلامة أحمد بن محمد الشرفي ، تحقيق الدكتور أحمد عبدالله عارف ج2 / ص102 .

( 3 ) المصدر السابق ج2 / ص108 .

( 4 ) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول ج1 / ص276 ، للشيخ حافظ بن أحمد حكمي ، دار ابن القيم للنشر والتوزيع - الدمام ، السعودية ، الطبعة الأولى 1410 ه _ 1990 م .

( 5 ) المصدر السابق 1/273 .

( 6 ) المصدر السابق 1/259 .

( 7 ، 8 ) المصدر السابق 1/277 .

Page 173