172

Maqālāt Islāmiyya - Majālis Āl Muḥammad

مقالات إسلامية - مجالس آل محمد

الحلقة الرابعة :-

استعرضنا في الحلقة الماضية أهم الأدلة العقلية التي احتج بها القائلون بحدوث كلام الله ومنه القرآن ، لاسيما المتعلق منها بحقيقة الكلام والذي أثبتوا من خلاله أن كلام الله يستحيل أن يكون أزليا أو قائما بذاته تعالى ، باعتبار أن ما نسمعه ونقرأه بين الدفتين الذي لا خلاف في كونه كلام الله المنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم هو عبارة عن ألفاظ مركبه من حروف وأصوات ، وقد دل العلم الضروري على حدوثها وبالتالي حدوث كلام الله واستحالة قدمه ، لأن القول بقدمه وأزليته يلزم منه القول بقدم تلك الحروف والأصوات والألفاظ المكونة منها ( أي الكلام ) وهذا محال ، إذ أن كل واحد منا يدرك بالضرورة أنها متتابعة ويتلو بعضها بعضا والكلمة اللاحقة منها تأتي بعد السابقة لها أي أنها مسبوقة بالعدم ، وما ثبت عدمه امتنع قدمه ، وثبت بالتالي أن كلامه تعالى يستحيل أن يكون أزليا ، كما يستحيل أن يكون قائما بذاته أيضا ، لاستحالة أن يكون القديم محلا للحوادث ، وما يؤدي إلى محال محال ، والقول به في هذه الحالة فيه إنكار وجحد للضروريات وتجاهلها وتجاوزها من جهة ، وإلزام القائلين به إلزامات شنيعة لا مفر لهم منها من جهة ثانية ، أشنعها جعلهم الله محلا للحوادث وتشبيهه بخلقه ، وهذا ينطبق - كما رأينا في الحلقة السابقة - على السلفية الذين لم يأبهوا بذلك ، ولا قدموا أي رد عليه ، وقالوا صراحة بقدم تلك الحروف والأصوات المركب منها كلام الله الذي نسمعه ونقرأه ( ما بين الدفتين ) وأنه تعالى تكلم به (حقيقة) !! أي بحروف وأصوات أزليه قائمة بذاته !!! وهم الوحيدون الذين قالوا بذلك دون سائر الفرق الإسلامية الموافقة لهم في القول بأزلية كلام الله وعدم خلق القرآن ( الأشعرية والماتريدية والكرامية ) ، واليك ما ورد في أحد كتبهم المعاصرة المعتمدة في العقائد الذي يدرس في كليات الشريعة والأصول والجامعات الإسلامية بالرياض والمدينة المنورة وغيرها ، وهو ثلاثة مجلدات بعنوان ( معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول ) تأليف الشيخ / حافظ بن أحمد حكمي ( 1342ه - 1377ه ) حيث يقول : -

( وإجماع الأمة !! على أن القرآن كلام الله تكلم به حقيقة !! وأنه هو الذي قال تبارك وتعالى :" الم ، آلمر ، طسم ، كهيعص ، طه ، طس ، حم ". وليس كلام الله المعاني دون الحروف ولا الحروف دون المعاني بل حروفه ومعانيه عين كلام الله ) . (1)

وهذا كلام صريح في إثبات قدم تلك الحروف والألفاظ ، كما أن فيها تشبيها واضحا للخالق تبارك وتعالى بالمخلوقين بقوله ( تكلم به حقيقة ) أي بحرف وصوت كما هو الحال بالنسبة لنا ، بل إن بعض الحنابلة وتبعهم على ذلك - اليوم - فريق من أتباعهم السلفيين أثبتوا (الصوت ) لله صراحة !! وقالوا بأنه يتكلم بصوت يسمع !!! واحتجوا ببعض الأحاديث التي أدخل في بعضها لفظ ( صوت وبصوته ) وليس منها ، وأخرى باطلة لا يمكن قبولها بأي حال من الأحوال ( لا سندا ولا متنا ) أو كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري لابد من تأويلها لاستحالة نسبة الصوت إلى الله ، وقد تصدى لهؤلاء أحد علماء الحنابلة أنفسهم وهو ابن الجوزي ( المتوفي عام 597ه ) وأورد تلك الأحاديث - التي روى بعضها البخاري في صحيحه - وناقشها (2) ، وأنكر عليهم إغاراقهم في التشبيه والتجسيم ، وقال في مقدمة كتابه " دفع شبه التشبيه " : ( ورأيت من أصحابنا - يقصد الحنابلة - من تكلم في الأصول بما لا يصلح ...، فصنفوا كتبا شانوا بها المذهب ، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام ، فحملوا الصفات على مقتضى الحس ، فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم على صورته ، فاثبتوا له صورة ووجها زائدا على الذات وعينين وفما ولهوات وأضراسا ....، إلى قوله : وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات ، فسموها بالصفات تسمية مبتدعه لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل ، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث ، ولم يقنعوا بأن يقولوا صفة فعل حتى قالوا صفة ذات ... الخ . ( 3 )

ومعنى إثباتهم الصوت لله أنه سبحانه يتكلم بصوت يسمع قائم بذاته وصادر عنه مباشرة !!

أي لا يخلقه ويحدثه إذا أراد مخاطبة المخلوقين ، كما هو الحال في تكليمه لموسى عليه السلام ، وأن هذا المتلو الذي بين أيدينا ( القرآن ) والمركب من حروف وأصوات ونقرأه نحن بأصواتنا ونؤديه بها ، تكلم الله به أزلا بحرف وصوت قائمين بذاته . !!

والعجيب أنهم يحرصون على القول : ( إلا أن قراءتنا له - أي القرآن - تكون بأصواتنا ) !! ، مع أن هذا من المعلومات الضرورية التي يدركها كل إنسان بما فيهم العوام ، غير أن ذلك هو بسبب إثباتهم الصوت لله تعالى !!

وقولهم بقدم كلامه ( القرآن ) الذي نتلوه ونقرأه بأصواتنا التي أرادوا بذكرها على ذلك النحو أن يؤكدوا على عدم دخولها تحت حكم قدم المتلو ، وأن التلاوة هنا - أي بأصواتنا - مخلوقه .

ومن المؤسف أن إثباتهم الصوت لله لازال قائما إلى يومنا هذا ، لاسيما في ظل وجود تلك الأحاديث التي أخذوا يعيدون إنتاجها ويتوقفون عندها ، وإليك ما جاء في كتاب معارج القبول المعاصر والمعتمد عندهم والمنتشر بينهم - كما أشرنا سابقا - ناقلا قول (السلف) في التأكيد أولا على أن: ( الصوت - الذي نسمعه - صوت القارئ والكلام كلام الباري فإن الصوت معنى خاص بفعل العبد لا يتناول المتلو المؤدى بالصوت البتة ، ولا يصلح أن تقول هذا صوت قل هو الله أحد ولا يقول ذلك عاقل ، وإنما تقول هذا صوت فلان يقرأ قل هو الله أحد أو نحو ذلك)(4) ، ثم يستأنف بعد ذلك الكلام مباشرة مثبتا الصوت لله تعالى بقوله : ( نعم ، إذا سمع كلام الله ثم جعل منه تعالى بدون واسطة كسماع موسى عليه الصلاة والسلام وسماع جبريل عليه السلام وسماع أهل الجنة كلامه منه عز وجل فحينئذ التلاوة والمتلو صفة الباري عز وجل ليس منها شيء مخلوق ) !!! ( 5 )

والكلام واضح وصريح في إثبات الصوت لله هنا ، فقوله ( حينئذ التلاوة والمتلو صفة الباري عزوجل ليس منها شيء مخلوق ) أي أن الصوت هنا ( التلاوة ) هو صوت الله تعالى !! والمتلو ( الحروف والكلمات ) هو كلامه المؤدى هنا بصوته تعالى ! وهذا وذاك - اللذان يتكون منهما الكلام - صفة الباري ليس منها شيء مخلوق أي أنهما قديمان وقائمان بذاته تعالى !!

أما بالنسبة للأشاعرة - كما بيناه في الحلقة السابقة - فإنهم لما رأوا بأن القول بقدم ما بين الدفتين ( القرآن الكريم ) يلزم منه قدم هذه الحروف والأصوات المسموعة وهذا محال ، لأن العلم الضروري بحدوثها لا ينكره إلا مكابر ، وناهيك عن الالتزامات الشنيعة المترتبة على ذلك والممتنعة في حق الله تعالى ، وافقوا خصومهم في أن ما بين الدفتين من ألفاظ وحروف

ليس قديما وانما مخلوق محدث ، إلا أنهم زعموا أن كلام الله الأزلي - كما يصفونه - ليس مركبا من هذه الحروف والأصوات وإنما كلامه معنى قديم قائم بذاته كالقادرية والعالمية ، وهذه الحروف والأصوات دلالة عليه ، وطرحوا فكرة الكلام النفسي الذي عبروا به عن الكلام الأزلي في مقابل الكلام اللفظي ليحافظوا بذلك على فكرة أزلية كلام الله وعدم خلق القرآن ، فأتوا بما لا يمكن تصوره أو تعقله ، وما كان كذلك لا يمكن إثباته ، ناهيك عن كون ما ذهبوا إليه يعني أن لله كلاما آخر ( نفسيا أزليا ) غير هذا القرآن ، وهذا الأخير ( الكلام اللفظي المخلوق ) إنما هو دال عليه ، أي أن هناك قرآنا آخر قديما أزليا غير هذا الذي بين أيدينا !!!! .

وبقدر ما كان ذلك الدليل الذي احتج به القائلون بخلق القرآن وأثبتوا من خلاله استحالة أزلية كلام الله وقيامه بذاته - فضلا عن الأدلة الأخرى التي قدمناها في الحلقة السابقة - حاسما وقويا ورصينا كونه مبينا - كما رأينا - على حقائق معرفة عقلية قطعية ( الضروريات ) وبراهين جلية ومن ثم نتائج لازمه وملزمة ، وحسبنا أن علماء الأشاعرة - وهم أصحاب مذهب كلامي متكامل ومستقل ( بخلاف الحنابلة ) وفيهم من فيهم من المتكلمين والفلاسفة وفطاحل العلماء ولا مقارنة بينهم وبين الحنابلة على الإطلاق - أقروا بتلك النتائج الملزمة ولم يجدوا بدا من البحث عن مخرج فقالوا بفكرة الكلام النفسي كما رأينا ، وأخفقوا بذلك في تقديم البديل المقنع الذي يدعم رأيهم ، ناهيك عن الحنابلة الذين تجاهلوا كل ذلك وتجاوزوه فضلا عن الرد عليه ..، بقدر ما حاول هؤلاء وأولئك أن يستدلوا باستدلالات تدعم رأيهم ، ألا أنها كانت ضعيفة بل وبحاجة في نفسها إلى إثبات بحجج وبراهين وقد أجاب عنها خصومهم وفندوها كما سنرى .

[ أدلة القائلين بأزلية كلام الله وأن القرآن غير مخلوق ]

أولا : من العقل : !!

1- قولهم كما جاء في معالم أصول الدين للرازي الأشعري : ( إن الكلام من صفات الكمال ، فلو كان محدثا لكانت ( الذات الإلهية ) خالية من صفات الكمال قبل حدوثه والخالي عن الكمال ناقص وذلك على الله محال )(6)

ويقول الشيخ حافظ حكمي في كتابه الذي أشرنا إليه سابقا ، ناقلا رأي السلف ( أي الحنابلة بشكل خاص ) ما نصه : ( وكلامه تعالى صفة من صفاته من لوازم ذاته ) (7) ، ويقول في موضع آخر عن تكليم الله لموسى عليه السلام : ( بل أسمعه كلامه الذي هو صفته اللائقة بذاته ) (8)

وهذا يعني أولا أن موسى عليه السلام سمع صفة الله !! القديمة القائمة بذاته - كما يزعمون - فتأمل واعجب !!

علما بأنه من المعلوم والثابت أن كل ما أدركته حواس الإنسان فهو حادث ومخلوق ، ومعلوم أيضا أن القديم لا يمكن أن يكون محلا للحوادث ، وإلا لانتفى قدمه ، وبالتالي ألوهيته

فكيف يحل في ذات الله ما يمكن سماعه بحاسة السمع ؟!

وهل يعقل أن يسمع موسى عليه السلام صفة قديمة قائمة بذاته تعالى ؟!!

بل هل يجوز أن يقال ذلك ؟!

والعجب أنهم قالوا بأن السمع مخلوق والمسموع - أي كلام الله - غير مخلوق !! مع أن المسموع إنما سمع بصوت ولو لم يكن كذلك لما كان مسموعا أصلا ، ولما سمعه موسى عليه السلام بحاسة السمع ، وهم يرون بأن الله كلمه بصوت صادر منه مباشرة ( أي لم يخلقه ويحدثه كما أكدته العدلية ) ، ومعلوم أن الصوت لا يحصل إلا عن حركة واهتزاز ، أو عن اصطكاك الأجسام ، أو بواسطة آلة جارحة يصدر عنها ( كما هو حال المخلوقين ) ، وكل ذلك ممتنع في حق الله لأنه خالقه ، كما أن انتقال الصوت إلى أذن السامع لا يتم إلا عبر الهواء الذي خلقه الله وفطره على حمل الأصوات ، ومحال أن تكون صفته القديمة - كما يزعمون - محتاجة لما هو حادث ومخلوق ،وبهذا يثبت أن المسموع مخلوق محدث ، وما سمعه موسى عليه السلام هو كلامه تعالى الذي أحدثه وخلقه .

وهذا في الحقيقة لا يعتبر دليلا يمكن الاحتجاج به ، لأنهم بنوه - كما هو واضح - على أساس أن كلامه تعالى هو صفته ومن صفات الذات كالعالمية والقادرية وهذا هو ما قرروه من قبل ، وهو أساس الخلاف بينهم وبين خصومهم ، وما يسعون أساسا إلى إثباته وإقامة الحجة والبرهان عليه من خلال ذلك الاستدلال ، فكيف يكون قولهم ذلك هو نفسه مستندا ....؟!

ومع ذلك فقد أجاب القائلون بخلق القرآن على ذلك بما مفاده - وهو ما أوضحناه سابقا - أن التكلم هو صفته والكلام أثرها ، وليس هو نفسه الصفة ، وأنه عند وصف الله بهذه الصفة لا يقال بأن الله كلام ، وإنما يقال بأنه متكلم ، وما يقال في الأثر من الحدوث ونحوه من الأحكام لا يقال في الصفة .

ومثال ذلك أن الإنسان مخلوق لله تعالى ، وهناك فرق بالطبع بينه وبين صفة الخلق لأنه أثرها وليس هو نفسه صفة الله ، لذا فإننا نحكم عليه بأنه حادث أي كان بعد أن لم يكن ، أما صفة الخلق فهي وان كانت من الصفات التي لا يوصف الله بها في الأزل ولا تجري عليه باعتبار الذات ، وإنما باعتبار أمر زائد على الذات وهو الفعل ، والجميع متفقون على أنها من صفات الفعل لا الذات ، إلا أنه يصح أن نقول - مجازا - بأنها قديمة ، إذا كان بمعنى أنه سبحانه كان قادرا على الخلق في الأزل بحكم قدرته المطلقة الثابتة له في الأزل لذاته ، وبحكم كونه فعالا لما يريد ، لذا فإننا لا نقول بأن هذه الصفة أو تلك من صفات الفعل مخلوقة وحادثة فليس ذلك مما يقال فيه حق صفات الله لأن آثار تلك الصفات - الراجعة أساسا إلى قدرته المطلقة وعلمه - هي المخلوقة والحادثة ، فإن فهم ذلك صح أن نحكم على الكلام بأنه حادث وعلى التكلم - الذي هو صفة الله - بأنه أزلي ، لذا فإن القائلين بخلق القرآن وحدوث كلام الله بوجه عام ، قالوا بأنهم إن أرادوا بقولهم أن الكلام من صفات الكمال وانه من لوازم ذاته أو كما قال بعضهم متكلم لذاته ، أن التكلم أزلي بمعنى : ( أنه تعالى كان قادر على الكلام في الأزل وقادريته لذاته فهذا لا ننكره ) (9)

غير أن ما أرادوه بذلك هو ما أبطله العدليه واثبتوا استحالته كما رأينا سابقا ، وما أرادوه هو إثبات حالة المتكلمية لذاته تعالى في الأزل ، وأنه لم يزل متكلما بكلام قديم قائم بذاته ( وهو الكلام اللفظي عند الحنابلة والنفسي عند الأشاعرة ) الذي هو صفته الثابتة له في الأزل مثل العالمية والقادرية وسائر صفات الذات القديمة الأزلية ، فكما لا يجوز أن يكون علمه مخلوقا محدثا لا يجوز أن يكون كلامه محدثا مخلوقا ، وعليه - وهو ما أرادوا إلزام خصومهم به - لابد أن يكون الله متكلما بكلام قديم قائم بذاته وإلا لحصل النقص في حقه تعالى وكانت ذاته خاليه من صفات الكمال قبل حدوثه ( أي الكلام ) !!

لكنهم في الحقيقة لم يثبتوا المقدمات نفسها ولم يقيموا عليها الحجج والبراهين ، بل إنهم لم يبينوا - على الأقل - وجه النقص الحاصل في حقه تعالى لو لم يكون متكلما بكلام قديم ، ويقدموا الدليل على كونه نقصا يتعارض مع اتصاف ذاته بالكمال المطلق ، ويوجب بالتالي أن يكون الكلام من لوازم ذاته كما قرروه بلا دليل أو برهان .

ومن الواضح أنهم أدركوا أنه ليس أقل من أن يبينوا صفة النقص اللازمة في هذه الحالة ، كما هو بالنسبة للعلم الذي يقابله الجهل ، والقدرة في مقابل العجز ...، فكان أن قالوا بالتالي من باب إلزام خصومهم واعتباره حجة عليهم .

2- قال الأشاعرة بأن القديم تعالى لو لم يكن متكلما أزليا لوجب أن يكون أخرس أو ساكتا وهذا محال في حقه تعالى !!، مع ملاحظة أن كلامه الأزلي عندهم ليس هو هذه الحروف والأصوات وإنما ما عبروا عنه ب ( الكلام النفسي ) .

أما الحنابلة فقد قالوا بما يشبه ذلك ويدور حول ذات الفكرة وهو قول أحد أسلافهم : ( من قال القرآن مخلوق فانه يعبد صنما ) !!(10)

وهو يقصد أن من قال القرآن - الذي هو كلام الله - مخلوق فهو يعبد إلها لا يتكلم ! ، مع ملاحظة أن الله عزوجل عندهم متكلم أزلا بكلام قديم هو هذه الحروف والأصوات ( الكلام اللفظي ) .

وفي الحقيقة أن هذا وذاك بالإضافة إلى كونه كلاما غاية في السطحية التهافت ، وأشبه بتصورات العوام فإنه يدل بوضوح على عقلية التشبيه ( تشبيه الله بالمخلوقين ) وقياس صفاته تعالى بصفاتنا ، وتصور أن الإله لابد أن يكون متكلما بكلام قائم بذاته كما نتكلم نحن ، وإلا لكان صنما ولما كان إلها !! ..

[ أما الرد على هذا الاستدلال - كما أجاب القائلون بخلق القرآن - نختصره في الآتي :]

أولا : إن القائلين بحدوث كلام الله لا يعنون ( بكونه تعالى ليس متكلما أزليا إلا أنه لم يكن فاعلا الكلام دونه أن يعني ذلك سكوتا ولا خرسا ) (11) .

وثانيا : أنه لا تلازم بين هاتين الصفتين ( فمن أين يلزم إذا لم يكن يقال متكلما أن يكون أخرس أو ساكتا ، وما المانع من خلوه تعالى عن هاتين الحالتين في الأزل فلا يكون متكلما ولا أخرسا ولا ساكتا ) (12)

ثالثا : أن ذلك أصلا إنما يلزم - كما قال الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام - ( في حق الواحد منا إذا لم يكن متكلما أن يكون أخرس أو ساكتا لما كان متكلما بآله يفعل الكلام بها ، فأما الله تعالى فليس متكلما بآله فلا يلزم إذا لم يكن متكلما أن يكن ذا خرس وسكوت ) .(13) ، ثم يقول بعد ذلك : ( وإذا كان الغرض بالسكوت هو عدم الكلام فنحن نقول هكذا فإنا نقول : الله تعالى ساكت في الأزل بمعنى أنه ليس فعلا للكلام ، وهذا لا استحالة فيه ، وإن كان الغرض بالسكوت هو لحوق آفة وفساد آلة فلسنا نقول بهذا ، فإن الله تعالى ليس بذي آفة ولا له آلة فيلحقها الفساد والتغيير) (14)

وقد عقب العلامة أحمد بن محمد الشرفي على ذلك بقوله : ( وحاصله أن الخرس والسكوت إنما يوصف بهما المتكلم بآله وهو المخلوق لأنه من لغة العرب ، والله تعالى متكلم لا بآلة ، فلا يجوز إطلاق ذلك عليه لإيهامه الخطأ ، ولأنه لا يصح ذلك في حقه تعالى ) ( 15 )

أما بالنسبة للحنابلة الذين قالوا بقدم القرآن وأن الله تكلم به أزلا بحروفه وألفاظه ، وأوجبوا تبعا لذلك أن يكون الله متكلما أزلا بكلام هو هذه الحروف والألفاظ واعتبروه من لوازم ذاته أي يحصل النقص في ذاته تعالى لو لم يكن متكلما أزليا ... ، فقد أجاب الإمام يحيى بن حمزة عن ذلك مؤكدا بأن ما ذهبوا إليه هو الذي يفيد النقص في حقه تعالى ، لأن الكلام في هذه الحالة - أي أزلا من الله - لابد أن يفيد فائدة من أجلها خرج الكلام وإلا لكان عبثا وهذا محال على الله ، وبيان ذلك أن : ( فائدة الكلام إما أن ترجع إلى المتكلم نفسه نحو التعبد وقراءة القرآن أو الغناء ليطرب نفسه أو للتكرار ليعتاد الحفظ ، والله منزه عن هذه الوجوه الثلاثة المتعلقة بالحديث مع النفس ، وإما أن يكون الكلام خطابا موجها إلى الغير ليفهم مراده من أمر ونهي وخبر ، ولم يكن في الأزل مخاطبون إليهم يتوجه الكلام ومن ثم فإن القول بقدم الكلام عبث ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ) . ( 16 )

ويتبع في الحلقة القادمة إن شاء الله بقية أدلتهم العقلية ثم السمعية .

الهوامش : -

(1) ج1 ص261 من الكتاب المذكور ، دار ابن القيم للنشر والتوزيع ، الدمام ، الطبعة الأولى عام 1410 ه - 1980 م .

(2) راجع ص250 ، 251 ، 252 من كتابه ( دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ) الذي حققه السيد حسن السقاف ، دار الإمام النووي - عمان - الأردن - الطبعة الرابعة 1413 ه - 1992 م .

(3) المصدر السابق بتصرف ، أنظر ص 97 ، 98 ، 99 ، 100 .

(4 ، 5 ) الكتاب المذكور ج1 ص293 .

(6) خلاصة علم الكلام للدكتور عبدالهادي الفضيلي ص126 .

(7) معارج القبول ج1 ص255 .

(8) المصدر السابق ص247 .

(9) كلام الإمام يحيى بن حمزة ، شرح الأساس الكبير للعلامة أحمد بن محمد الشرفي ج2 ص102 .

(10) معارج القبول ج1 ص275 .

(11) الإمام المجتهد يحيى بن حمزة وآراءه الكلامية ، تأليف الدكتور أحمد محمود صبحي ، ص77 .

( 12 ، 13 ، 14 ، 15 ) شرح الأساس الكبير ج2 ص99 ،100 .

(16) الإمام المجتهد يحيى بن حمزة وآراءه الكلامية ، تأليف الدكتور أحمد محمود صبحي ، ص77 .

Page 172