171

Maqālāt Islāmiyya - Majālis Āl Muḥammad

مقالات إسلامية - مجالس آل محمد

بينا في الحلقة الماضية السبب الأساسي في نشأة مشكلة كلام الله أمخلوق هو أم قديم ؟ ورأينا كيف أن ذلك إنما كان نتيجة الخلاف الرئيسي بين الإسلام والمسيحية حول المسيح عليه السلام وما كان من استغلال النصارى آنذاك لوصف القرآن له بأنه كلمة الله دون سواه في إثارة فكرة قدم الكلمة الإلهية التي كانوا قد حكموا بقدمها ليثبتوا بذلك قدم المسيح عليه السلام وبالتالي ألوهيته ، فجاء موقف بعض علماء المسلمين ومتكلميهم الأوائل ممن واجهوا المشكلة معارضا لتلك الفكرة ونافيا لها ومؤكدا بأن كلمة الله مخلوقة محدثة سواء في دلالتها على المسيح (ع) أو على كلام الله ، ليشمل هذا القول بطبيعة الحال القرآن الكريم الذي هو كلام الله ، لتتحول بذلك المسألة إلى خلاف بين المسلمين أنفسهم ، له خصوصيته الإسلامية وأسبابه الفكرية وموضوعاته التي ترتبت عليه وإشكالاته وأدلته السمعية والعقلية والتي قدمها كل فريق لإثبات رأيه في مواجهة الرأي الآخر ، والرد علية ومحاولة إبطاله ، وهو ما كنا قد أرجأنا عرضه إلى هذه الحلقة .

[ كلام الله وصفة التكلم ]

قلنا في الحلقة السابقة بأن القول بقدم القرآن وأنه غير مخلوق ، قد حدد رأي القائلين به في كلام الله بوجه عام فقالوا - تبعا لذلك - بأنه أزلي قديم كعلمه تعالى ، وهذا بدوره ألقى بظلاله على صفة التكلم ومعنى كونه متكلما ، حيث ألحقوا هذه الصفة بصفات الذات كالقادرية والعالمية ونحوها ، وقالوا : بأنها قائمة بذاته تعالى كما هو قولهم في سائر صفات الذات التي هي عين ذاته لدى العدلية وليست قائمة بذاته ، وهذا مبحث آخر لا مجال للخوض فيه هنا ، كما عبروا عن صفة المتكلمية - تبعا لذلك - ب ( الكلام ) وليس ب ( التكلم ) ، مع أن الكلام أثرها وليس هو نفس الصفة ، كصفة الخلق ، فالخلق هو الصفة والمخلوق أثرها، وليس هو صفة الله ، وهذا وذاك في نهاية المطاف هو أثر ونتاج لقدرته المطلقة ، غير أن قولهم بأزلية كلام الله اضطرهم إلى اعتبار كلامه هو صفته القائمة بذاته ، علما بأننا عند وصفنا له بهذه الصفة - أي المتكلمية - وإثباتها لا نقول بأن الله كلام - إنما متكلم ، ناهيك عن أن المتكلم عند أهل اللغة هو من فعل الكلام لا من قام به الكلام ، ولا يطلقون هذا اللفظ ( متكلم ) إلا على فاعل الكلام ، قال الإمام يحيى بن حمزة في كتابه الشامل : ( والدليل على أن المتكلم هو فاعل الكلام ، هو أن المتكلم اسم اشتقاقي والاسم الاشتقاقي لا يعقل في إطلاقه إلا بوجود الفعل ، فيجب أن يكون المرجح بكونه متكلما إلى وجود الكلام ، لأنه من أسماء الفاعلين كالمنعم والمكرم ، ولاشك في كونها مشتقة من الأفعال الجارية عليها . ) (1) وليس أدل على ذلك من قوله تعالى : ( وكلم الله موسى تكليما ) ولا يفهم من ذلك إلا أنه فعل الكلام ، غير أن الله سبحانه وتعالى يخلق الكلام ويحدثه كيف يشاء إذا أراد مخاطبة المخلوقين ، ولا يتكلم بآلة أو جارحة أو صوت كما هو حال الإنسان .

[ الدليل على استحالة أزلية كلام الله وقدم القرآن ]

والأهم من كل ذلك يتمثل في الإشكال الحقيقي والرئيسي الذي طرحه القائلون بخلق القرآن وأثبتوا من خلاله أن كلام الله يستحيل أن يكون أزليا

وبعبارة أخرى : يستحيل أن تكون صفة المتكلمية صفة ذاتية قديمة أزلية ، كما يستحيل أن يكون كلام الله قائما بذاته ، ذلك أن الكلام - من حيث الحقيقة والماهية - ليس سوى هذه الحروف والأصوات والألفاظ المسموعة المركبة منها ، ومن البديهي والمعلوم بالضرورة أن كل مركب حادث ، لم يكن ثم كان ، ومن المعلوم بالضرورة أيضا أن الحروف والأصوات حادثة ومخلوقه لم تكن ثم كانت ، ومحال أن تكون أزلية قديمة ، بدليل أن الحروف منظومة ومتوالية والكلمات المكونة منها متتابعة يتلو بعضها بعضا ، واللاحق منها ينعدم في وجود سابقه أنها مسبوقة ، أي بالعدم حصلت بعد أن لم تكن ، وما ثبت عدمه انتفى وامتنع قدمه ، والقديم لا يجوز عليه العدم بالطبع ، أما الأصوات فهي مقطوعة ومسموعة ، وكل مسموع هو حادث ، وهو غير الخالق له ، ومحال أن يكون صفته ، فما بالك والكلام - الذي نطلقه أو نسمعه - مركب من حروف وأصوات .

ومن المعلوم لكل أحد أن كلام الله الذي بين دفتي المصحف الشريف مكتوبا ونقرأه ونسمعه ، مؤلف من كلمات وألفاظ مسموعة مركبه من هذه الحروف والأصوات المتتابعة والمتتالية التي لاشك في حدوثها وكونها أصل في معقول الكلام وحقيقته ، وبالتالي يستحيل أن يكون كلام الله - بما فيه القرآن - أزليا قديما ، لأن القول بذلك يلزم منه القول بأزلية وقدم هذه الحروف والأصوات والألفاظ المركبة التي نقرأها في مصاحفنا ونسمعها بآذاننا ، وهذا محال بالطبع ومن قال به فقد جحد وأنكر الضروريات ، وأثبت في نفس الوقت قدماء آخرين مع الله وبالتالي آلة أخرى ، هذا من جهة ، ومن جهة ثانية يستحيل أن يكون كلام الله قائما بذاته ، -كما ذهبوا إليه - لأن ذلك يعني أن تلك الحروف والأصوات ( الحادثة والمخلوقة ) قائمة بذاته تعالى وحالة فيها ، ومحال أن يكون الله محلا للحوادث باتفاق الجميع ، وبالتالي لا يمكن أن يكون كلامه تعالى قائما بذاته .

ولو كان ما بين الدفتين من الحروف والألفاظ والكلمات التي نقرأها بأصواتنا وتنطلق من ألسنتنا وحلوقنا هي كلام الله الأزلي القائم بذاته تعالى وهي بالتالي صفة الله تعالى - باعتبار أن كلامه عندهم هو صفته - للزم أن تكون صفة الله حاله في ذات كل أحد من الناس !!.. وهذا يبطل قولهم .

وبرغم كل تلك الإشكالات الخطيرة والإلزامات الشنيعة والضرورات العقلية التي لا يمكن إنكارها أو تجاوزها إلا أن الحنابلة ( وهم السلفيون اليوم ) تفردوا من بين سائر الفرق الإسلامية - لاسيما تلك التي توافقهم في القول بأزلية كلام الله وأن القرآن غير مخلوق - بإثبات قدم تلك الألفاظ والحروف صراحة !! ، والقول كما جاء في العقيدة الواسطية لابن تيمية - تقديم مصطفى العالم - ص : 51 بأن ( القرآن هو هذه الألفاظ المقروءه بالألسنة والمحفوظة في الصدور والمكتوبة في الصحف .. فالذي نقرأه هو كلام الله تعالى الأزلي القديم القائم بذاته تعالى ...! وقرآتنا له بأصواتنا لا تخرجه عن كونه كلام الله الذي تكلم به بحروفه ومعانيه ليست الألفاظ دون المعاني ولا المعاني دون الألفاظ ) (2) ..!!!

وقد أنكر الفخر الرازي - وهو من علماء الأشاعرة - ذلك أشد الإنكار في كتابه معالم أصول الدين ، واعتبره جحدا للضروريات التي أطبق عليها العقلاء - أي حدوث تلك الحروف والألفاظ والأصوات - ورد عليهم ، وخلاصة ما قرره أن قولهم بقدم القرآن ( وهو الذي بين الدفتين ) يلزم منه أمران ممتنعان على الذات الإلهية :أن يكون القديم محلا للحوادث ، وأن يحل القديم في الحادث (3) .. وبهذا يكون الأشاعرة - برغم قولهم بأزلية كلام الله وان القرآن غير مخلوق - قد خالفوا الحنابلة في ذلك بل وأنكروا عليهم كما رأينا بعد أن أدركوا أن لامناص من موافقة القائلين بخلق القرآن ، في كون الحروف والأصوات ( الكلام اللفظي ) حادثة ، وان ما بين الدفتين ليس قديما أزليا ، وإنما هو حادث ومخلوق .

وبرغم أن هذا يعني أن القرآن مخلوق ، إلا أنهم أكدوا في نفس الوقت بأن القرآن غير مخلوق وأن كلام الله أزلي وقائم بذاته تعالى !!..

وغاية ما هنالك انهم أرادوا أن يتخلصوا من تلك الإلزامات الشنيعة التي تترتب على القول بقدم ما بين الدفتين أي قدم الحروف والألفاظ ، وأرادوا في نفس الوقت الحفاظ على فكرة أزلية كلام الله وأن القرآن غير مخلوق

فقالوا : بأن كلامه تعالى الأزلي- عندهم - ليس هو هذه الحروف والأصوات ، وإنما هو كما جاء في قواعد العقائد للغزالي ص182 : ( وصف قائم بذاته ليس بصوت ولا حرف بل لا يشبه كلامه كلام غيره كما لا يشبه وجوده وجود غيره ) (4) أي انهم أنكروا حقيقة الكلام الذي هو الكلمات والألفاظ المؤلفة من الأصوات والحروف ( الكلام اللفظي )

إذا ما هو الكلام ؟

قالوا - كما جاء في قواعد العقائد للغزالي ص 183 - : ( والكلام بالحقيقة كلام النفس وإنما الأصوات قطعت حروفا للدلالات كما يدل عليها تارة بالحركات والإشارات ) (5) .

وقال الرازي في المحصل : ( أما أصحابنا فقد اتفقوا على أن الله تعالى ليس بمتكلم بالكلام الذي هو للحروف والأصوات بل زعموا أنه متكلم بكلام النفس ) (6) .. وعبروا عنه بالكلام النفسي والكلام الأزلي ، وقالوا عنه : " انه بمعنى قائم في ذات المتكلم به ، وان الألفاظ في الحقيقة ليست كلاما وإنما هي دوال على ذلك المعنى القائم في النفس أو الكلام النفسي الذي هو الكلام حقيقة عندهم !!

وعليه قالوا - كما جاء في معالم أصول الدين ص67 - 68 : ( القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق ، وهو مكتوب في مصاحفنا ، محفوظ في قلوبنا ، مقروء بألسنتنا ، مسموع بآذاننا ، غير حال فيها ) ( 7 ) ، ومعنى غير حال فيها : أن الكلام الدال غير الكلام المدلول عليه ، وهو ما يؤكده قول الشهرستاني - وهو أحد علماء الاشاعرة - في الملل والنحل 1/96 بأن : ( العبارات والألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء عليهم السلام ، - ومنها القرآن بالطبع - دلالات على الكلام الأزلي ، والدلالة مخلوقه محدثة ، والمدلول قديم أزلي ، والفرق بين القراءة والمقروء والتلاوة والمتلو ، كالفرق بين الذكر والمذكور فالذكر محدث والمذكور قديم ) (8) .

وقد استدل الأشاعرة على أن الكلام هو الكلام النفسي وليس اللفظي بما مفاده أن المتكلم عندما يتكلم بلغة الألفاظ إنما يعبر بها عن فكرة أو إحساس لديه ويعبر بالكلام اللفظي عما يعتمل في نفسه من أفكار وأحاسيس ، مؤكدين من جهة أخرى بأن الكلام اللفظي محال أن يكون كلام الله الأزلي القائم بذاته لأنه مركب من حروف وأصوات ، وكل مركب حادث ، ويستحيل أن يتصف بالصفة الحادثة .. وهم يستدلون بهذا وكأن فكرة أزلية كلام الله حقيقة مطلقة وثابتة وبالتالي لامناص من القول بالكلام النفسي !!!

[ وقد رد القائلون بخلق القرآن بما نختصره في التالي :- ]

أولا : إن أبناء اللغة لا يقولون للساكت ، وكذلك للأخرس إنه متكلم مع أن المعاني قائمة في نفسها ، وعندما يتوسل إلى إبراز تلك المعاني من خلال الإشارات فإن ذلك لا يعد كلاما .

ثانيا: إن التعبير بالكلام اللفظي عما يعتمل في النفس أي عن الكلام النفسي - كما عبروا عنه - يعني أن الألفاظ تدل على المعنى الموجود في الذهن ، وهذا في الحقيقة ينطبق على المخلوق أما الخالق فمحال ، وفي ذلك تشبيه له بالمخلوقين .

ثالثا : إن الكلام النفسي لا يمكن تصوره وتعقله في الذهن ، وما لا يمكن تصوره لا يمكن إثباته ، ناهيك عن أن يكون هناك دليل عليه من السمع في حق الله تعالى ، يقول الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام ردا على الأشاعرة بهذا الخصوص : ( لا يخلو حال من أثبت على لله تعالى حالة في الأزل بكونه متكلما : إما أن نقول بثبوت الحروف والأصوات مع هذه المتكلمية في الأزل أو لا نقول ، فإن قال : إن هذه الحالة ثابتة في الأزل مع هذه الحروف والأصوات فهذا باطل ، لأن هذه الحروف لاشك في حدوثها فيستحيل حصولها في الأزل ، وإن قال بثبوت هذه في الأزل من دون هذه الحروف فهو محال ، لأن هذه الحروف أصل في معقول حقيقة الكلام ، إذا لا يعقل كلاما من دونها فثبت أن القول بإثبات هذه الحالة يؤدي إلى المحال ، وما أدى إلى المحال فهو محال ) (9) ، أي أن القول بأزلية كلام الله في الحالتين محال ، ولا مناص من القول بحدوثه ، باعتبار أن القول بالكلام النفسي يبطل ويتعين الثاني أي الكلام اللفظي وهذا لاشك في حدوثه .

رابعا : إن قولهم بأن كلامه تعالى وصف أو معنى قائم بذاته مغاير لهذه الصفة والأصوات ، يعني بأن ما نقرأه في القرآن ليس هو كلام الله وإنما هو ما يدل عليه !!!

وهذا مردود بنص القرآن الكريم في قوله تعالى : ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله )

فدل ذلك على ان ما بين الدفتين بحروفه وألفاظه هو كلام الله ، وما من شيء يسمع غيرها ... والعجيب أنهم تكلفوا تأويل الآية بما يتفق مع رأيهم ، وقالوا بأن المراد : حتى يسمع ما يدل على كلام الله أو مدلول كلام الله .

ومن هنا جاء تأكيد الحنابلة والسلفية - كما مر معنا سابقا - في قولهم بأن كلام الله الأزلي عندهم ( ما بين الدفتين ) هو ( الذي تكلم به بحروفه ومعانيه ليس الألفاظ دون المعاني ، ولا المعاني دون الألفاظ ) ، غير أنهم اثبتوا بذلك قدم هذه الألفاظ وتكلم الله بها في الأزل ، وهو محال كما بيناه ، وفيه إنكار للضروريات وجعل الله محلا للحوادث وغير ذلك من الإلزامات الشنيعة ، واتفقوا - أي الحنابلة - مع الزيدية والمعتزلة والإمامية والاباضية على أن الكلام الذي نعرفه هو هذه الألفاظ والكلمات المؤلفة من الحروف والأصوات ( الكلام اللفظي ) في مقابل ما ذهب إليه الإشاعرة من القول بالكلام النفسي الذي لاشك في بطلانه ومصادمته لحقيقة الكلام وعدم إمكانية تصوره أو تعقله أصلا ، ناهيك عن امتناعه في حق البارئ عزوجل إذا أخذناه بمعنى التعبير عن المعنى الموجود في الذهن .

[ خلاصة القول ]

ان الأشعرية والسلفية ( الحنابلة ) قالوا بأن الكلام هو صفة الله وليس المتكلم ، واتفقوا على القول بأن الكلام أزلي قائم بذاته تعالى مع فارق أن القائم بذاته عند الأشاعرة هو المعنى الأزلي ( الكلام النفسي ) ، وعند السلفية الحروف والأصوات ( الكلام اللفظي ) ، وأن معنى كونه تعالى متكلما عند الأشاعرة هو اختصاصه بهذه الصفة القديمة القائمة بذاته والمغايرة لهذه الحروف والأصوات ، وعند السلفية : أنه متكلم بكلام أزلي قائم بذاته هو الكلام اللفظي وليس شيء آخر .

أما بالنسبة للعدلية القائلين بخلق القرآن : فالتكلم عندهم هو الصفة ، وليس الكلام الذي هو فعل من أفعاله عندهم ، وقائم بغير ذاته ، ومعنى كونه متكلما أي يخلق تلك الحروف والأصوات ويحدث الكلام المكون منها ، وينشأه كيف شاء . ويتكلم بلا صوت ولا آلة ولا جارحة لأنه خالق كل ذلك ، ومحال أن يكون محلا لشي من ذلك .

[ مضامين القرآن الكريم تشهد ببطلان قدمه ]

أكد القائلون بخلق القرآن بأن وجوه الكلام في القرآن من أمر ونهي وخبر واستخبار ووعد ووعيد تدل في حد ذاتها على استحالة قدم القرآن واستحالة أن يتكلم الله به في الأزل مستدلين بعدة استدلالات من القرآن نفسه منها :

1- أن القرآن الكريم لو كان قديما أو تكلم الله بما فيه أزلا بحروفه وألفاظه - كما ذهبت إليه السلفية - للزم من ذلك الكذب عليه تعالى ، وإيضاح ذلك فيما أورده الإمام يحيى بن حمزة من أنه لو كان قديما : لكان قوله تعالى : ( ولقد نادانا نوح ) ، وقوله : ( وأوحينا إلى إبراهيم ) ....( وآتينا داود زبورا ) وسائر الأخبار والقصص كذبا لا محاله لان الأخبار عن وقوع ما لم يقع في الماضي يكون كذبا والكذب على الله تعالى محال .(10)

2- أن القرآن لو كان قديما للزم منه العبث والقبيح على الله تعالى ، ذلك أن في القرآن أوامر مثل قوله تعالى : ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) وحصول ذلك في الأزل قبل وجود المخلوقين والمكلفين المخاطبين بذلك قبيح وعبث ولا شك أنهما ممتنعان في حق الله تعالى .

3- لو كان قديما للزم منه العبث والهذيان ، ذلك أن في القرآن الكريم ( يا إبراهيم ....) ( يا موسى إني أنا الله ...) ومناداة أنبيائه قبل أن يخلقوا عبث وهذيان واضحان تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ..... إلى آخر ما هنالك مما يلزم نسبة القبائح إلى الله جل وعلا ، وثبوت امتناعها في حقه تعالى أمر لاشك فيه ولا ريب وبذلك يبطل أن يكون القرآن قديما ، وإذا بطل قدمه ثبت حدوثه وخلقه .

ونضيف إلى ذلك ما أكده القائلون بخلق القرآن من استحالة أن يكون الكلام - كما زعموا - ثابت لله كسائر صفاته القديمة ، لأن ذلك يلزم منه حصول النقص في حقه تعالى ، والنقص عليه تعالى محال وبيانه كما أوضحه الإمام يحي بن حمزة أنه : ( لو كان الله تعالى متكلما بكلام قديم لكان لابد وأن يفيد بكلامه فائدة ليخرج الكلام بها عن أن يكون عبثا ، وتلك الفائدة لا يخلو حالها : إما أن تكون راجعة إلى الكلام نفسه ، أو إلى غيره ، أما الفائدة الراجعة إلى نفسه فنحو أن يتكلم ليطرب الله ، كما في التغني ، أو يكرره ليحرز حفظه أو للتعبد به كما تعبد الله بقراءة القرآن فالفوائد الراجعة إلى الكلام نفسه لا تخلو من هذه الوجوه والله تعالى منزه عن هذه المنافع .

وأما الفائدة الراجعة إلى غير الكلام فنحو أن يخاطب به غيره ليفهم مراده ونهيه وإخباره بأمر من الأمور ولما لم يكن في الأزل من يفيد بكلامه هذه الفائدة كان كلامه سفها وعبثا وهذيانا ، تعالى الله عن هذه المقالة وسخف هذه الجهالة علوا كبيرا ، فثبت أنه يلزم من قدم الكلام الذي زعموه حصول النقص في حقه تعالى وهو محال ) . (11)

الهامش :-

(1 )شرح الأساس الكبير للعلامة أحمد بن محمد بن صلاح الشرفي، تحقيق الدكتور أحمد عطا الله عارف ج2 ص93 .

(2) خلاصة علم الكلام للدكتور عبدالهادي الفضيلي ص124 .

(3) المصدر السابق ص125 ، 126 .

( 4 ، 5 ، 6 ) المصدر السابق ص117 ، 118 .

( 7 ، 8 ) المصدر السابق ص126 .

(9) شرح الأساس الكبير للعلامة الشرفي ج2 ص95 .

(10) المصدر السابق ج2 ص94 .

(11) المصدر السابق ج2 ص101 .

Page 171