Maqālāt Islāmiyya - Majālis Āl Muḥammad
مقالات إسلامية - مجالس آل محمد
الحلقة الثانية :-
لعله من الأهمية بمكان قبل الدخول في الموضوع أن نوضح للقارئ الكريم ، وباختصار معاني بعض المصطلحات الكلامية لارتباطها بصلب موضوعنا وتكررها معنا بعد ذلك .
[ القديم والأزلي والحادث ]
اتفق علماء الكلام والأصول على أن القدم من صفات الله تعالى الذاتية كالعلم والقدرة ونحوه ، والحدوث من في صفات كل ماهو مخلوق ومحدث
وذلك أن القديم في اصطلاح المتكلمين هو : الموجود الذي لم يسبق بالعدم ( أي ليس مخلوقا ) وما من موجود على هذه الصفة إلا الخالق تبارك وتعالى ، وقد عرفه الإمام يحي بن حمزة عليه السلام بقوله : ( القديم هو مالا أول لوجوده ) .
وعليه فإن القديم هو الله سبحانه وتعالى ، ولا شيء يشاركه في القدم ، ولو شاركه شيء لكان قديما مثله ( لم يسبق بالعدم ) وبالتالي إلها آخر ، وهذا محال بالطبع لأنه ما من اله غير الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا شريك له ولا شبيه ، وكل ما سواه فهو مخلوق له ومحدث .
والحادث هو عكس القديم أي الموجود المسبوق بالعدم أو الكائن بعد أن لم يكن (المخلوق) .
أما الأزلي فهو في اصطلاح المتكلمين : ما لا أول له وهو الله سبحانه وتعالى ، لذا فإن القدم والأزلية تشتركان في المعنى .
ومن هنا جاء وصفهم لصفات الذات الإلهية ( الحياة والقدرة والعلم ونحوه ) بأنها أزلية قديمة أي أنها مرتبطة بذاته الأزلية القديمة ( بل هي عين ذاته كما أكدته العدلية ، وقائمة بذاته كما ذهب إليه الأشاعرة والحنابلة ) ، فلم يزل الله سبحانه حيا قادرا عالما قبل أن يكون معه شيء وقبل ان يخلق شيئا ، بخلاف صفات الفعل ( الخالقية والرازقية وغيرها ) فهي ليست أزلية قديمة وإنما اتصف الله بها بعد أن خلق المخلوقين فلا يقال بأن الله سبحانه وتعالى خالقا رازقا محييا مميتا ( في الأزل ) ، لأن ذلك يلزم منه وجود المخلوقين مع الله في الأزل ، وبالتالي انتفاء المخلوقية عنهم ، ومشاركته في القدم والأزلية ، ومن ثم في الألوهية خلافا لصفات الذات الثابتة له في الأزل والتي هي عين ذاته أساسا وليست شيئا آخر غير ذاته ، ولا أمرا زائدا على الذات ، نحو قادر عالم بصير سميع حي غني حكيم ، وغير ذلك من الصفات الجارية على الذات لا باعتبار أمر يفعله - كما عرفها الإمام يحي بن حمزة عليه السلام - في مقابل الجارية على الذات باعتبار أمر يفعله ( كالخلق والرزق ونحوه من صفات الفعل ) .
ونعود الى حديثنا .
[ معنى خلق القرآن وقدمه ]
لا يختلف اثنان من المسلمين في أن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى الذي أنزله على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - وهو الذي نتلوه في المحاريب ونقرأه في المصاحف بنصه وحرفه دون زيادة أو نقصان وقد خصه الله تعالى بما لم يخص به سائر الكتب السماوية السابقة التي أنزلها على أنبيائه ورسله ، حيث تكفل بحفظه من التحريف والتبديل والتغيير والضياع ... الخ ، قال تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون )
وهو باقي مابقي الدهر ، وسيظل محفوظا مصانا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
أما بالنسبة لمسألة كونه مخلوقا أم قديما ؟ فهي مسألة خلافية لا علاقة لها مطلقا بما تقدم ، كما أن موضوعها لا يدور حول القرآن تحديدا وحصرا من حيث اختصاصه بالإسلام والمسلمين ، وإنما يدور أساسا حول كلام الله بوجه عام المتمثل في القرآن الكريم بشكل خاص مع إيمانهم بالطبع بالكتب السماوية السابقة له من حيث أنها كتب منزله من عند الله تعالى ، وهي كلامه سبحانه وتعالى قبل أن يجري عليها ما جرى ، فإن قيل بأن كلامه قديما أزليا كان القرآن كذلك وسائر الكتب السابقة ، وإن قيل بأنه مخلوق محدث كان القرآن كذلك وسائر الكتب السماوية أيضا .
وعليه فإن القول بأن القرآن قديم ( أو غير مخلوق ) لا يعني - كما يتصوره البعض - أن هناك مصحفا قديما مكتوبا بحرفه ونصه على النحو الذي هو بين أيدينا اليوم ، كان مع الله في الأزل ثم أنزله بعد ذلك على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكذلك الحال بالنسبة للكتب الأخرى ، لأن ذلك مصادم تماما لعقيدة التوحيد ، باعتباره إثباتا واضحا وصارخا لقدماء آخرين مع الله ( مستقلين بذواتهم ) ، وبالتالي آلهة أخرى مع الله سبحانه وتعالى .
والقائلون بقدم القرآن - وإن كان فيه شيء من ذلك وفق ما يلزم عن قولهم كما سنبينه لاحقا - إلا أنهم لا يقولون بذلك التصور على ذلك النحو ، ولا يقصدونه بقولهم ذاك وإنما يعني أن كلام الله الذي نقرأه مكتوبا بين دفتي المصحف الذي بين أيدينا قديم أزلي ، تكلم الله به في الأزل ! قبل أن يخلق أحدا من الخلق المكلفين والمخاطبين بكلامه ذاك ، وكذلك الحال بالنسبة للكتب الأخرى وكلامه فيها الذي أنزله بعد ذلك على أنبيائه ورسله !!..
أما بالنسبة للقائلين بخلق القرآن فقد أكدوا من خلال قولهم هذا بأن كلام الله الذي نقرأه في القرآن ليس أزليا قديما ولا تكلم الله به في الأزل ، وإنما خلقه وأحدثه وفصل آياته وأحكمه وأنزله على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ناهيك عن أن القول بقدمه يلزم منه إشراك قديم آخر مع الله وبالتالي إله آخر باعتبار أن القدم من صفات الإله ، وهذا مناف لعقيدة التوحيد ، وهو محور المسألة بالنسبة للعدلية ، ذلك أن موضوعها بالنسبة لهم متعلقة بالدرجة الأولى بعقيدة التوحيد وما تقتضيه من وجوب تنزيه الله عن أن يشاركه أحد في القدم وبالتالي في الألوهية ( وسيتضح ذلك اكثر لاحقا ) .
هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإن الخلاف حول القرآن على هذا النحو الذي بيناه سابقا ، ترتب عليه خلاف حول إحدى صفات الله عزوجل وهي صفة التكلم بالنسبة للعدلية ، والكلام بالنسبة لمخالفيهم ، مع اتفاقهم - لفظا - على وصف الله تعالى بأنه متكلم ، غير أنهم اختلفوا في معنى كونه متكلما تبعا لخلافهم حول مسألة القرآن ، ذلك أن القول بقدم القرآن وقدم سائر كلام الله المنزل على رسله على اختلاف كتبه كان يعني أن الله سبحانه وتعالى متكلم بكلام أزلي قديم ، أي لم يزل متكلما كما لم يزل قادرا عالما !! ، وهو ما قالوه بالفعل لتصبح صفة التكلم التي عبروا عنها بالكلام من صفات الله الأزلية القديمة ، ليلحقوها بصفات الذات مثلها مثل القدرة والعلم ، وحتى لا يكون كلام الله الذي وصفوه بالأزلية والقدم شيئا مستقلا ومنفصلا عن الذات ، ما يعني وجود قديم آخر غير الله مستقل بذاته ، فقد قالوا بأن كلام الله قائم بذاته ، كما هو قولهم في سائر صفات الذات .
وعليه فإن المتكلم عندهم من قام بالكلام .
أما بالنسبة للقائلين بخلق القرآن فالمتكلم عندهم من فعل الكلام ، مؤكدين بأن المتكلمية كالرازقية والخالقية من صفات الفعل وليست من صفات الذات ، وأن التكلم هي الصفة أما الكلام فهو أثرها وليس هو نفسه الصفة ، وهو قائم بغير ذاته ، كونه فعلا من أفعاله يحدثه ويخلقه كيفما شاء إذا أراد مخاطبة المخلوقين كما كلم موسى عليه السلام ، وسمع موسى عليه السلام الكلام من تجاه الشجرة ، والله سبحانه لا يتكلم بآلة ولا جارحة ولا صوت ، وإنما يخلق الكلام خلقا .
هذا باختصار هو موضوع هذه المسألة ومعنى خلق القرآن وقدمه ، وهو ما أردت أن أوضحه للقارئ الكريم بداية ، وسنفصل القول في ذلك ونعرض الأدلة والإشكالات التي طرحها كل فريق أمام الآخر في الحلقات القادمة بمشيئة الله ، ولكن بعد أن نبين الأسباب الحقيقية لنشأة هذه المسألة والقول بخلق القرآن باعتباره أول القولين ظهورا .
[ أسباب نشوء هذه المسألة وعلاقتها بالخلاف بين الإسلام والمسيحية ]
لم تكن مسألة القرآن أمخلوق أم غير مخلوق ؟ مطروحة من قبل في أوساط المسلمين ولا كان هناك ما يدعوا إلى إثارتها بينهم ، أو طرحها أو بحثها ..، ناهيك عن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتكلم فيها ، ولا خاض فيها أحد من الصحابة ولا ورد في كتاب الله تعالى لفظ (مخلوق) صراحة في وصف القرآن فضلا عن قديم أو غير مخلوق ، وبرغم أن الله سبحانه قد وصف القرآن بأنه محدث في قوله تعالى : ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) ، ومجعول في قوله تعالى : ( إنا جعلناه قرآنا عربيا ) ، وجعلناه : أي خلقناه ، إلا أنه كان من الطبيعي أن يفاجأ أغلب المسلمين بالقول صراحة بأن القرآن مخلوق ، ويحدث ردود أفعال عكسية لديهم ، لاسيما أن لفظ (مخلوق) بالذات قد بدا - في أذهانهم - وكأنه مناف لقدسية القرآن بل ومعارض لكونه منزلا ، ناهيك عن ارتباطه ( في وجدان العامة بسوء فهم على درجة كبيرة من الخطورة ، فمن ناحية لقد كاد يلتبس عليهم لفظ الخلق بلفظ الاختلاق ، بل إن هذا المفهوم من معاني لفظ الخلق ، وليس مجرد تشابه لفظي ) .(1)
إضافة إلى التباس آخر ( لا يقل خطورة عن السابق في أذهان العامة هو ما يلزم عن تصور المخلوق حيا أنه لابد أن يموت ، إن كل مخلوق فان ) . ( 2) .
إلا أن نشوء هذه المسألة لم يكن أساسا نتيجة خلاف فكري وقع ابتداء بين فريقين من المسلمين ، ولا كان مجرد ترف فكري أو إرضاء للأهواء كما لازال يتصوره الكثيرون اليوم ويرددونه تبعا لاتهامات أسلافهم ، وإنما هو في الحقيقة - التي لازالت خافية وغائبة عن الكثيرين - نتيجة الخلاف الرئيسي بين الإسلام والمسيحية ، المتمثل في الاعتقاد بألوهية المسيح عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا افضل الصلاة وأتم التسليم ، وكان الخوض فيها من قبل فريق من علماء ومتكلمي المسلمين ضرورة فرضها واجب الدفاع عن العقيدة الإسلامية ، والحاجة الماسة إلى صياغة ثوابتها ومضامينها القرآنية المجملة ومواقفها الحاسمة من ذلك الاعتقاد بالنسبة للمسيحية ، ومن سائر المعتقدات الضالة والباطلة بالنسبة للديانات الأخرى ، صياغة فكرية كلامية وإثباتها بأدلة عقلية في مواجهة الحملة الفكرية الشرسة - الظاهرة والخافية والمتنوعة الوسائل والأساليب - التي تعرض لها الإسلام والمسلمون آنذاك من قبل أصحاب الديانات الأخرى بعد تغلبه على بلدانهم ، ودخول الكثير من أبنائها في الإسلام ، ليواجه تلك المعتقدات التي كان من بينها - فيما يخص موضوعنا - صلب العقيدة المسيحية المتمثل في الاعتقاد بألوهية المسيح عليه السلام .
أما علاقة ذلك بمسألة ( كلام الله ) هل هو مخلوق أم قديم ؟ فيعود إلى كون المشكلة الأساسية التي واجهتها المسيحية على إثر ظهور القول بألوهية المسيح عليه السلام ، وإقراره في عهد الدولة الرومانية من قبل المجامع المسكونية فيما عرف بمجمع ( نيقية ) الذي انعقد عام 325ه ، هي أن من صفات الإله أنه قديم وأزلي ، ولم يسبق بعدم ، وأيما شيء سبق بعدم فهو مخلوق محدث ، والقول بألوهية المسيح عليه السلام يلزم منه أن يكون المسيح قديما وأزليا ، في حين انه عليه السلام ذو طبيعة إنسانية محدثة لا يمكن إنكارها ولدته أنثى جزئية محدثة مخلوقة ( السيدة مريم عليها السلام ) ، أي انه ليس له وجود سابق على مولده فكيف تلد إلها والإله قديم أزلي ؟!! ( ناهيك عن الإشكالات الأخرى ) .
الأمر الذي جعل اعتقادهم ذلك مرهون بإثبات قدم المسيح وأزليته ، وبالأحرى - بعد تبنيهم لذلك المعتقد الخطير - إثبات وجود قديم مغاير لطبيعة الإنسان وسابق على مولده ، ومتقدم - منذ الأزل - على ( التجسد ) الذي قالوا بحدوثه بعد ذلك ممثلا - كما ذهبوا إليه - في نزوله واتصال الألوهية بالإنسانية وامتزاجهما واتحادهما في جسد المسيح ، على نحو اختلفت الكنائس المسيحية آنذاك في كيفيته بعد أن اتفقت بفرقها الثلاث ( الملكانية وهم الكاثوليكية ، واليعاقبة وهم الأرثوذكسية ،والنساطرة ) ، على القول : ( إن الله واحد بالجوهرية ثلاثة بالأقنومية ) ، والأقانيم هي الصفات ( الوجود والعلم والحياة ) ، أو هي أشخاص : الأب - ويعني بمد الألف في اللغة السريانية ( الله ) ويريدون به الذات - والإبن وروح القدس ، وأن الأقنوم الثاني الذي يشير إلى العلم قد تجسد في شخص المسيح ..) ( 3 ) .
وكان الأساس الذي انطلقوا منه وبنوا عليه فكرة قدم المسيح وأزليته وبالتالي ألوهيته ما علموه من قبل وبلغهم أمره وهو ما خص به نبي الله عيسى عليه السلام دون سواه - نتيجة خصوصية مولده أصلا ومعجزة ولادته من غير أب - من وصفه بأنه ( كلمة الله ) التي مثلت بالنسبة لهم العلم ( الأقنوم الثاني ) - باعتبارها مظهرا له - واعتبروها دالة على قدم المسيح وأزليته ومن ثم ألوهيته !!.. حيث ( أجمع المسيحيون على أن كلمة الله في دلالتها على السيد المسيح قديمة ) . ( 5)
ومعلوم أن القرآن الكريم قد وصف المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام دون سواه من الأنبياء والرسل بأنه ( كلمة الله ) التي كان مفهومها في وصف المسيح عليه السلام - لدى المسلمين - مغايرا تماما لما ذهب إليه النصارى من قبل نتيجة قولهم بألوهيته ، ولم تكن تمثل - لدى المسلمين - مصطلحا خاصا يرتبط به عليه السلام كما هو الحال للنصارى ، وإنما تدل -باعتبارها لفظا مفردا - على كلمات الله وكلام الله الذي يتمثل بدوره في القرآن الكريم بشكل خاص ، إضافة إلى دلالتها على أن الله سبحانه ( متكلم ) .
كما أن( كلمة الله ) لم تكن تنصرف في أذهان المسلمين إلى المسيح عليه السلام ، ناهيك عن أن غالبيتهم العظمى لم يكونوا على اطلاع بعلم اللاهوت لدى النصارى وآرائهم وأفكارهم ويجهلون ما تعنيه ( الكلمة الإلهية ) لديهم وما حملته من دلالة على قدم المسيح ومن ثم ألوهيته .
وقد استغل بعض رجالات النصارى وعلمائهم - الذين بقوا على دينهم وآلمهم تغلب الإسلام على بلدانهم ودخول الكثير من المسيحين في دين الله أفواجا - استغلوا ما جاء في القرآن الكريم من وصف المسيح بأنه( كلمة الله ) وإقرار المسلمين جميعا بذلك ، في إثارة مسالة كلمة الله هل هي مخلوقة أم غير مخلوقة ؟ والترويج لفكرة قدم ( كلمة الله ) في أوساطهم ودفعهم إلى تبنيها والإقرار بها بشكل أو بآخر ، لاسيما أن المسلم سينفر - عند مجادلته وطرح الأمر عليه - من القول بأن كلمة الله مخلوقة ،أو تصور أن الله كان ولا كلمة معه ، لا بخلفية دلالتها على قدم المسيح بالطبع ولا إدراك ما يترتب عليه بهذا الخصوص ، وإنما بخلفية دلالتها تلقائيا على ( كلام الله ) المتمثل بدوره في القرآن ، وما يتبادر إلى الذهن من قيامها بقولنا ( علم الله ) الذي لا يجوز أن يكون مخلوقا محدثا ، ناهيك عن أن لفظ مخلوق سيبدو وكأنه مناف لقدسية كلام الله وللقرآن تحديدا ، ومعارض لكونه منزلا ومصانا من التحريف أو التبديل .... الخ ، ما يجعل فكرة القدم أقرب إلى الأذهان وأسرع نفاذا وتقبلا ..!!!
ومن هنا كان ظهور الرأي الإسلامي المعارض من قبل المتكلمين الأوائل الذين جادلوا بعض علماء النصارى وأدركوا أبعاد ذلك الطرح وانطلقوا من عقيدة التوحيد الثابتة وحقيقة بشرية المسيح عليه السلام وكونه عبد الله ورسوله في مواجهة فكرة قدم الكلمة لدى النصارى وإبطال ما يترتب عليها من الحكم بقدم المسيح عليه السلام وبالتالي ألوهيته ، وذلك خلال إنكار قدم الكلمة والقول بأنها مخلوقه والتأكيد بأن الله سبحانه وتعالى كان ولم يكن معه شيء في الأزل لا كلمة ولا غيرها ، وكل كلامه مخلوق محدث ، وكان من الطبيعي أن ينصرف هذا القول في بداياته الأولى لدى بعض من تسامعوا به من المسلمين إلى القرآن الذي هو كلام الله ، ويقال بأن هذا يعني بأن القرآن مخلوق؟ ليأتي الرد بالإيجاب بالطبع ، ويصبح القرآن هو عنوان المسألة البارز والمتناقل بعد ذلك في أوساط المسلمين هنا وهناك ، ليواجه القول بخلقه نفورا واستنكارا منذ البداية ، ويجد القائلون به أنفسهم أمام مواجهة ومعارضة ضمن الدائرة الإسلامية نفسها ولأسباب فكرية تخص العقلية المسلمة الغالبة ، والنظرة للقرآن الذي بات مقاومة القول بقدمه والتأكيد على خلقه - بالنسبة لأولئك المتكلمين - أمرا يدفعهم إليه ما يحمله هذا القول من مضاهاة لقول النصارى في المسيح ، وإشراك القرآن مع الله في القدم ، وتمكين النصارى - في حال الحكم بقدم كلام الله - من إقامة الحجة من كتاب الله على قدم المسيح الذي وصفه القرآن بأنه كلمة الله .
وحسبنا شاهدا على دور النصارى آنذاك في إثارة المسألة والعمل على تسريب فكرة القدم وترويجها في أوساط العامة ودفعهم إلى تبنيها ليحتجوا بعد ذلك بما جاء في القرآن الكريم من وصف المسيح بأنه كلمة الله على معتقدهم ، حسبنا شاهدا على ذلك أن أحد علمائهم قام بتأليف كتاب آنذاك ينتصر فيه للمسيحية ضد الإسلام وكانت تلك المسألة المتعلقة بصلب العقيدة المسيحية على رأس موضوعاته وذلك بهدف تعليم النصراني كيف يحاجج المسلم ، وهو يوحنا الدمشقي أو يحي الدمشقي الذي كان في خدمة الدولة الأموية !! ( وعملت أسرته بالإدارة المالية للدولة الرومانية ثم الإسلامية وكان أبوه سرجيوس وكيلا ماليا ثم وزيرا لمعاوية ، كذلك اشتغل يوحنا للخليفة الأموي هشام بن عبد الملك ثم استقال لخدمة الدير ،واليه ينسب إليه أول كتاب في النقاش بين المسيحية والإسلام : حوار بين مسيحي وشرقي مسلم ... ) (6).
ومما جاء فيه بخصوص موضوعنا قوله مخاطبا النصراني : ( إذا قال لك المسلم : ما تقول في المسيح ؟ فقل له : إنه كلمة الله حتى يجيبه المسلم قائلا : " كلمة الله ألقاها إلى مريم وروح منه " فإن أجاب بذلك فاسأله : هل كلمة الله وروحه مخلوقة أم غير مخلوقه ؟ فإن قال : مخلوقة فيرد عليه : بأن الله كان إذا ولم تكن له كلمة ، قال يحي : فإن قلت ذلك فسيفحم المسلم لأن من يرى هذا الرأي زنديق في نظر المسلمين ) (7) .
ولنلاحظ أن الرجل كان يعمل في خدمة هشام بن عبد الملك ثم استقال أي انه ألف كتابه في العقد الثالث من القرن الثاني ، وان المسألة كانت قد أثيرت بالفعل من قبل ، وتدل عبارته الأخيرة أن القول بأن كلام الله مخلوق قد ظهر ، وأن من يقول به أصبح متهما بالزندقة في أوساط المسلمين ..!! .
الهوامش : -
(1 ، 2 ) الدكتور أحمد محمد صبحي ( في علم الكلام ) ج1 ص136 ،137 .
(3) المصدر السابق ، ج1 ص53 .
(4) المصدر السابق ، ج1 ص56 .
(5) المصدر السابق ج1 ص53 .
(6 ، 7 ) الدكتور أحمد صبحي ( في علم الكلام ) ج1 ص30 ، 31 الحلقة الثالثة :-
Page 170