Maqālāt Islāmiyya - Majālis Āl Muḥammad
مقالات إسلامية - مجالس آل محمد
ثامنا: ماذا تمثل الجمهورية الإسلامية للمسلمين اليوم وما هو مشروعها وماذا يعني سقوطها ومن سيستفيد من ذلك ؟!
في هذا العصر توجد العديد من التحديات للإسلام والمسلمين تكاد تعصف بهذه الأمة فالمنكر أصبح معروفا والمعروف منكرا وأصبح الشباب مستوحشا من الدين وتعاليمه يستثقل كثيرا منها.
وفي ظل التأثير الكبير للفضائيات التي تروج للثقافة الغربية فإن الانحلال سيزداد في كل جيل سيأتي من أجيال الإسلام ما لم يكن المسلمون على قدر التحدي .
فالتحدي اليوم الذي يواجهه الإسلام هو تحد في طرح رؤية شاملة للحياة تلتزم بالدين وتحترم العلم والعقل وتلبي مستجدات العصر وتعالج مقولة الحقوق والحريات فلم يعد هناك مستقبل للتزمت والانغلاق والتحجر والتواكل.
وهذا التحدي يجب معالجته في إطار ثلاثة محاور :
المحور الأول : ضرورة وجود ثقالة سياسية للمسلمين :
يجب أن توجد ثقالة سياسية للمسلمين تتبنى مواقفهم وتدافع عن مصالحهم وأهم شرط في هذا الثقالة السياسية أن تكون مستقلة في قرارها عن أمريكا والغرب وصلبة وقوية فتكون قطبا دوليا في مواجهة الأقطاب الدولية الأخرى كأمريكا والصين وروسيا وأوروبا ، فإذا غابت هذه الثقالة السياسية فمن سيدفع بمصالح المسلمين نحو التحقق ؟! أنظمة تابعة للغرب بعيدة كل البعد عن الإسلام سواء كان في سلوكها أو في شرائعها ؟! أم الدول الغربية والصين وروسيا ؟! أم منظمات مجهولة الهوية والأهداف والمشروع لا نعرف عنها سوى أنها تقتل المسلمين وغير المسلمين قتلا جماعيا ؟!
المحور الثاني : ضرورة وجود عمق استراتيجي للمسلمين :
يجب أن يكون هناك عمق استراتيجي لهم يستطيعون اللجوء إليه كلما أعوزتهم الحاجة فيكون لهم درعا ويكون لهم رفدا يوفر لهم المال والسلاح المتطور والأمان والمعنويات لينطلقوا للقيام بواجباتهم مهما تكالب عليهم الغربيون ومهما حاصروهم على أن يكون ذلك العمق الاستراتيجي مستقلا بنفسه في زاده وعتاده يصنع الصناعة الثقيلة ولديه وسائل إعلامية متقدمة كالسينما وغير ذلك من أدوات القوة والعصر، فإذا لم يكن ثمة عمق استراتيجي للمسلمين فكيف سيمكنهم الصمود إذا ما تآمرت عليهم أنظمتهم وأعانت عدوهم عليهم (وهو ما يحدث فعلا هذه الأيام) ؟!
المحور الثالث : ضرورة وجود نموذج واقعي يجسد نظريات المسلمين :
يجب أن يوجد نموذج واقعي يجسد نظرياتهم في السياسة والمجتمع والاقتصاد والعلوم والفنون والعسكرية والحقوق والحريات لأن النموذج الواقعي يتكفل بنفسه في إقناع الكثيرين ويوفر الجهود ويؤمن الاستقطاب ويوحد الجهود ويجعلها تصب في خانة واحدة بدلا من ضياعها سدى وتشتتها ، فإذا لم يوجد نموذج واقعي للمسلمين يجسد نظرياتهم فمن السهل عزل هذا الجيل عن الإسلام باتهامه أنه غير واقعي وبأنه لا يتناسب مع روح العصر وبأنه متخلف وسبب للهزيمة فالنموذج لوحده كفيل بتفنيد كل هذه الشبه التي قد تعزل شريحة كبيرة من أفراد الأمة عن دينها وأمتها وفي نفس الوقت هو كفيل باستقطاب الكثير من أبناء الأمة فيعرفوا كيف يوحدون جهودهم ويجعلونها في نصرة الدين وقضاياه.
فهل هناك نظام سياسي في هذا العصر سوى إيران يوفر للمسلمين ثقالة سياسية وعمقا استراتيجيا ونموذجا واقعيا وفرصا أفضل لخوض التحدي العالمي المفروض على هذه الأمة ؟!
ولتوضيح ذلك نتطرق إلى ثلاث نقاط هي :
1- إيران أصبحت قطبا دوليا يكبر يوما فيوما يتفرد بأهدافه واستراتيجيته وأيديولوجيته وهو مستقل تماما عن الإرادة الأمريكية والغربية.
2- إيران أصبحت عمقا استراتيجيا لكثير من القوى الإسلامية والعربية كحماس وحزب الله وسوريا والسودان وغيرهم.
3- إيران أصبحت نموذجا واقعيا يمكن الاحتجاج به لبيان حضارة الإسلام فهي النظام الذي يحكمه علماء دين يطلقون لحاهم ويلتزمون بالشريعة ويفرضون الحجاب الشرعي ولكن ذلك لم يمنع من أن تكون إيران قوة إقليمية بل وقطبا عالميا مستقلا ومتفوقا بصناعته واقتصاده وسلاحه وسينماه وسياساته بل وحتى بديمقراطيته التي تعبر عن إرادة الشعب أكثر من ديمقراطية الأمريكيين وكل ذلك يفند بشكل تام مقولة العلمانيين التي تقرر "التعارض بين العلم والدين" أو التي تقرر "عدم واقعية الحكم بالإسلام".
وأرى من المفارقة أن يعمل بعض الإسلاميين على إثبات فشل التجربة الإسلامية في إيران !!
فإذا ما أثبتوا فشلها فكيف سيثبتون صحة نظرياتهم حول نجاح الحكومة الإسلامية ؟!
أم أن هناك فرقا بين أن تكون هذه الحكومة سنية أو شيعية ؟! فما هو الفرق حينئذ ؟!
إن إثبات فشل التجربة الإسلامية في إيران يعني فشل أي حكومة تقوم على أساس الدين الإسلامي وعلى أساس مقولة "دستورنا القرءان" وذلك الفشل سيكون حجة بيد العلمانية والإلحاد في وجوهكم فلا أدري كيف تغفلون عن ذلك ؟! أم أن التعصب والحسد قد أعماكم فطمس على بصيرتكم ؟!
ومن ناحية أخرى أليست الأصوات المنادية بضرورة وجود قوة مستقلة للمسلمين وهي تعادي إيران اليوم إنما تعادي الشعارات التي تطلقها وحالها كحال اليهود الذين انتظروا النبي فلما خرج تآمروا عليه لأنه لم يكن منهم ؟!
وأليست الأصوات المنادية باحترام الإرادة الجماهيرية الشعبية مناقضة لنفسها عندما تعادي الجمهورية الإسلامية التي قامت في إيران بإرادة شعبية عارمة ؟!
كما أن هناك سؤالا مهما يجب أن يجيبوا عليه : ما هو المشروع السياسي الإيراني ؟! أليس في تعزيز قوى الممانعة التي تواجه أمريكا وإسرائيل ؟! أليس في إيجاد متنفس للأنظمة العربية العميلة التي كانت تتحجج بالضعف وعدم القدرة على مواجهة أمريكا سياسيا وعسكريا ؟!
أيها الإخوان أيها الأعزاء أيها الغيارى أيها المؤمنون : من الواضح جدا أن قوة إيران هي قوة للمسلمين وفي نفس الوقت هي إضعاف للدور الأمريكي والإسرائيلي فمن غير المنطقي إذن أن يشتغل بعض المسلمين في محاربة إيران ومحاولة إضعافها لأنهم بذلك إنما يعملون على تقوية الدور الأمريكي والإسرائيلي ، فكيف يقبل بذلك الدور المشبوه بعض المشائخ ؟!
وللاختصار فليس لكم أيها المسلمون إلا واحدا من خيارين تاريخيين :
1- الخيار الأول هو نصرة إيران والتعاون معها والدفاع عنها والالتفاف حولها لتكون قوة عالمية تدافع عن الإسلام والمسلمين وتقف بوجه الأمركة والأمريكيين ، ولكي تعالجوا مخاوفكم المذهبية تجاه إيران وتشيعها يمكنكم التحاور معها في ذلك واشتراط تحييدها للمذهبية وعدم استخدام قوتها ونفوذها لأغراض مذهبية في مواجهة بقية المسلمين ، وهناك مؤشرات إيجابية من إيران بهذا الصدد يعرفها الدكتور يوسف القرضاوي جيدا وتعرفها حركة حماس وتعرفها سوريا والسودان وهذا ما يمليه علينا واجب وحدة الصف الذي ينادي به الجميع ويعرف أهميته.
2- الخيار الثاني هو خذلان إيران وتجاهلها والحذر منها وانتظار دولة لكل مذهب من مذاهب الإسلام (مع صعوبة ذلك بل شبه استحالته الآن) فالشافعية لن ينتصروا سوى للشافعيين والمالكية لن ينتصروا سوى للمالكيين والأحناف لن ينتصروا سوى للأحناف والسلفية لن ينتصروا سوى للسلفية والإخوان لن ينتصروا سوى للإخوان والزيدية لن ينتصروا سوى للزيديين والإباضية لن ينتصروا سوى للإباضيين فتتحول أمة الإسلام من أمة واحدة إلى أمم ومذاهب وطوائف محققة ما يطلبه الأعداء وتصبح مشتتة الجهود خائرة القوى وليس من البعيد أن تتناحر فيما بينها ليطيب لأعدائها المقام على أرضها وتدنيس مقدساتها طالما بقيت بهذه العقلية الضيقة المريضة.
وفي خضم ذلك الانتظار الطويل للدول المذهبية المتعددة تسود في مجتمعاتنا تيارات مذهبية وسياسية مجهولة الهوية والمشروع توجه أمتنا وترسم ملامحنا العالمية بما يعزز الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي التي تستبيح دماء المسلمين وأعراضهم لأي سبب وتوجه مدافعها إليهم أكثر مما توجهها نحو الغزاة المحتلين فلا شغل لها سوى شحن السنة ضد الشيعة وشحن السنة ضد السنة ومحاربة الإخوان المسلمين والعلماء والعقلاء في هذه الأمة وتؤلف كتبا من قبيل "الكلب العاوي يوسف القرضاوي" و"التصوف الكفري لزين العابدين الجفري" و"الكفر الرئيسي في قول الشيخ الكبيسي" وتختزل الدين في قضايا مثل "الصواعق في تحريم الأكل بالملاعق" و"المدية في تحريم تخفيف اللحية" و"الإنذار الشفوي في تحريم المولد النبوي" و"الشرك الخفي في زيارة قبر النبي" وتركز جهودها في إعادة نشر الإسلام بين المسلمين من زيدية وشافعية ومالكية وحنفية وإباضية وإثني عشرية فتغزوها في عقر دارها وتثير الفتن والقلاقل والشحناء والبغضاء والتكفير والتبديع في جميع مجتمعات المسلمين فتزيدهم تشتتا وتفرقا ، وتعمل للقضاء على جميع الآثار الحسية للإسلام كردم خندق الأحزاب الذي حفره النبي وصحابته بأيديهم وكتهديم قبور أهل البيت والصحابة وكتسوية بيت الزوجية للنبي وأم المؤمنين خديجة عليها السلام بالأرض.
كما تسود فيها جنبا إلى جنب مع تلك التيارات المجهولة حالة عامة بين الشباب الذي تربى على قنوات خليعة وبرامج أجنبية أصبح بها الانحراف نجومية والالتزام تخلفا ورجعية وأصبح بها المعروف منكرا والمنكر معروفا فيضيع الإسلام بين الإفراط والتفريط تحت شعارات مذهبية بغيضة.
فهذه هي الخيارات التاريخية المتروكة بين أيديكم أيها الغيارى والله تعالى سائلكم عنها وستقفون بين يدي نبيه عما قريب وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
مشائخ الخذلان والسذاجة :
أما عن بعض المشائخ السنيين في السعودية والكويت الذين يتجرأون على الإفتاء بتخذيل الناس عن نصرة حزب الله وأنه إنما أدى بمقاومته الشريفة إلى تدمير لبنان فإن أكبر دليل على التعصب المذهبي الذي نبع من خطابهم هو عدم قولهم في حماس نفس ما قالوه في حزب الله لأن حماس سنية فقط !! وإذا ما تجرأوا أكثر وأفتوا بتخذيل الناس عن نصرة حماس أيضا بسبب الضحايا التي تقع في صفوف الفلسطينيين فقد أهدروا ذروة سنام هذا الدين المتمثل في الجهاد وجعلوا من أنفسهم أسلحة تقاتل مع إسرائيل بل وتحسم لها المعارك قبل أن تخوضها وبهم وبأمثالهم يستتب الأمن والأمان لإسرائيل.
Page 165