329

Majmūʿat al-Rasāʾil al-Kubrā li-Ibn Taymiyya

مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Publisher Location

بيروت

ثم أكثر هؤلاء يثبتون علة غائية للفعل، وهي بعينها الفاعلة لكونهم متناقضين فإنهم يثبتون له العلة الغائية ويثبتون لفعله العلة الغائية، ويقولون مع هذا ليس له إرادة بل هو موجب بالذات لا فاعل بالاختيار.

وقولهم باطل من وجوه كثيرة. منها أن يقال: هذا القول يستلزم أن لا يحدث شيء، وإن كان كلما حدث حدث بغير إحداث محدث، ومعلوم أن بطلان هذا بين من بطلان التسلسل وبطلان الترجيح بلا مرجح، وذلك أن العلة التامة المستلزمة لمعلولها يقترن بها معلولها، ولا يجوز أن يتأخر عنها شيء من معلولها، فكل ما حدث من الحوادث لا يجوز أن يحدث عن هذه العلة التامة، وليس هناك ما يصدر عنه الممكنات سوى الواجب بنفسه الذي سماه هؤلاء علة تامة، فإذا امتنع صدور الحوادث عنه وليس هناك ما يحدثها غيره لزم أن يحدث بلا محدث، وأيضاً فلو قدر أن غيره أحدثها، فإن كان واجباً بنفسه كان القول فيه كالقول في الواجب الأول، وأصل قولهم أن الواجب بنفسه علة تامة تستلزم مقارنة معلولها له، فلا يجوز أن يصدر على قولهم عن العلة التامة حادث لا بواسطة ولا بغير واسطة، لأن تلك الواسطة إن كانت من لوازم وجوده كانت قديمة معه فامتنع صدور الحوادث عنها وإن كانت حادثة كان القول فيها كالقول في غيرها، وإن قدر أن المحدث لحوادث غير واجب بنفسه، كان ممكناً مفتقراً إلى موجب يجب به، ثم إن قيل إنه محدث كان من الحوادث، وإن قيل إنه قديم كان له علة تامة مستلزمة له وامتنع حينئذ حدوث الحوادث عنه، فإن الممكن لا يوجد هو ولا شيء من صفاته وأفعاله إلا عن الواجب بنفسه فإذا قدر حدوث الحوادث عن ممكن قديم معلول لعلة قديمة قيل: هل حدث فيه سبب يقتضي الحدوث أم لا فإن قيل

329