223

Majmūʿat al-Rasāʾil al-Kubrā li-Ibn Taymiyya

مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Publisher Location

بيروت

ذكر لهم المساكن ومنافع التي يسكنونها مساكن الحاضرة والبادية ومساكن المسافرين فقال تعالى: (والله جعل لكم من بيوتكم سكناً الآية) ثم ذكر إنعامه بالظلال التي تقيهم الحر والبأس فقال: (والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا - إلى قوله - كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون) ولم يذكر هنا ما يقي من البرد لأنه قد ذكره في أول السورة وذلك في أصول النعم لأن البرد يقتل فلا يقدر أحد أن يعيش في البلاد الباردة بلا دفء بخلاف الحر، فإنه أذى لكنه لا يقتل كما يقتل البرد، فإن الحر قد يتقى بالظلال واللباس وغيرهما، وأهله أيضاً لا يحتاجون إلى وقاية كما يحتاج إليه البرد، بل أدنى وقاية تكفيهم وهم في الليل وطرفي النهار، ولا يتأذون به تأذياً كثيراً بل لا يحتاجون إليه أحياناً حاجة قوية تجمع بينهما في قوله: (سرابيل تقيكم الحر. وسرابيل تقيكم بأسكم) ولا حذف في اللفظ ولا قصور في المعنى كما يظنه من لم يحسن القرآن، بل لفظه أتم لفظ ومعناه أكمل المعاني فإذا كان اللباس والرياش ينزل من ظهور الأنعام، وكسوة الأنعام منزلة من الأصلاب والبطون كما تقدم، فهو منزل من الجهتين فإنه على ظهور الأنعام لا ينتفع به بنو آدم حتى ينزل.

فقد تبين أن ليس في القرآن ولا في السنة لفظ نزول إلا فيه معنى النزول المعروف، هذا هو اللائق بالقرآن فإنه نزل بلغة العرب ولا تعرف العرب منزولا إلا بهذا المعنى، ولو أريد غير هذا المعنى لكان خطابا بغير لغتها، ثم هو استعمال اللفظ المعروف له معنى في معنى آخر بلا بيان، وهذا لا يجوز بما ذكرنا، وبهذا يحصل مقصود القرآن واللغة الذي أخبر الله تعالى أنه بينه

223