176

Majmūʿat al-Rasāʾil al-Kubrā li-Ibn Taymiyya

مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Publisher Location

بيروت

يقولون لا يمكن معرفته من كلامهم. بل يعرف بطريق آخر، أما المعقول عند طائفة وأما المكاشفة عند طائفة، إما قياس فلسفي وإما خيال صوفي، ثم بعد ذلك ينظر في كلام الرسول فما وافق ذلك قبل، وما خالفه إما أن يفوض وإما أن يؤول، وهذه طريقة كثير من أهل الكلام الجهمية والمعتزلة وهي طريقة خيار الباطنية والفلاسفة الذين يعظمون الرسول وينزهونه عن الجهل والكذب، لكن يدخلون في التأويل، وأبو حامد الغزالي لما ذكر في كتابه طرق الناس في التأويل، وأن الفلاسفة زادوا فيه حتى انحلوا وأن الحق بين جحود الحنابلة وبين انحلال الفلاسفة، وأن ذلك لا يعرف من جهة السمع، بل يعرف الحق بنور يقذف في قلبك ثم ينظر في السمع فما وافق ذلك قبلته وإلا فلا، وكان مقصوده بالفلاسفة المتأولين خيار الفلاسفة، وهم الذين يعظمون الرسول عن أن يكذب للمصلحة، ولكن هؤلاء وقعوا في نظير ما فروا منه، نسبوه إلى التلبيس والتعمية وإضلال الحق بل إلى أن يظهر الباطل ويكتم الحق.

وابن سينا وأمثاله لما عرفوا أن كلام الرسول لا يحتمل هذه التأويلات الفلسفية، بل قد عرفوا أنه أراد مفهوم الخطاب، سلك التخييل وقال إنه خطاب الجمهور بما يخيل إليهم مع علمه أن الحق في نفس الأمر ليس كذلك فهؤلاء يقولون أن الرسل كذبوا للمصلحة، وهذا طريق ابن رشد الحفيد وأمثاله من الباطنية، فالذين عظموا الرسل من هؤلاء عن الكذب نسبوهم إلى التلبيس والإضلال، والذين أقروا بأنهم بينوا قالوا: أنهم كذبوا للمصلحة، وأما أهل العلم والإيمان فيتفقون على أن الرسل لم يقولوا إلا بالحق وأنهم بينوه مع علمهم بأنهم أعلم الخلق بالحق فهم الصادقون المصدوقون،

176