169

Majmūʿat al-Rasāʾil al-Kubrā li-Ibn Taymiyya

مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Publisher Location

بيروت

وأولئك يتعلقون بقوله: ( لا يسأل عما يفعل ) والله يفعل ما يشاء. وهذا ذكره الله اثباتا لقدرته لا نفيا لحكمته وعدله، بل بين سبحانه أن يفعل ما يشاء ، فلا أحد يمكنه أن يعارضه إذا شاء شيئا بل هو قادر على فعل ما يشاء. بخلاف المخلوق الذى يشاء أشياء كثيرة، ولا يمكنه أن يفعلها ، ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (( لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لى إن شئت اللهم ارحمنى إن شئت فإن الله لا مكره له ولكن ليعزم المسألة، وذلك أنه إنما يقال أفعل كذا إن شئت لمن قد يفعله مكرها ، فيفعل ما لا يريد لدفع ضرر الاكراه عنه، والله تعالى لا مكره له فلا يفعل الا ما يشاء فقوله تعالى ( إن الله يفعل ما يشاء ويغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) ونحو ذلك هو لاثبات قدرته على ما يشاء وهذا رد لقول القدرية النفاة الذين يقولون : انه لم يشأ كل ما كان بل لا يشاء الا الطاعة ، ومع هذا فقد شاءها ولم يكن ممن عصاه وليس هو قادرا عندهم على أن يجعل العبد لا مطيعا ولا عاصياً .

فهذه الآيات التى يحتج بها المجبرة تدل على فساد مذهب النفاة كما أن الآيات التى يحتج بها النفاة التى تدل على أنه حكم عادل لا يظلم مثقال ذرة ، وأنه لم يخلق الخلق عبثا ونحو ذلك ، يدل على فساد قول المجبرة وليس فى هذه الآيات ولا هذه ما يدل على صحة قول واحدة من الطائفتين ، بل ما تحتج به كل طائفة يدل على فساد مذهب الأخرى، وكلا القولين باطل ، وهذا هو الذى نهى عنه النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذى فى المسند وغيره، وبعضه فى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر وعن النبى صلى الله عليه وسلم : (انه خرج على أصحابه وهم يتمارون فى القدر وهذا يقول ألم يقل الله

169