158

Majmūʿat al-Rasāʾil al-Kubrā li-Ibn Taymiyya

مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Publisher Location

بيروت

(فصل) ثم حدث في آخر عصر الصحابة القدرية، فكانت الخوارج تتكلم في حكم الله الشرعي، أمره ونهيه وما يتبع ذلك من وعده ووعيده، وحكم من وافق ذلك ومن خالفه ومن يكون مؤمناً وكافراً، وهي مسائل الأسماء والأحكام، وسموا محكمة لخوضهم في التحكيم بالباطل، وكان الرجل إذا قال لا حكم إلا لله، قالوا: هو محكم: أي خائض في حكم الله، خاض أولئك في شرع الله بالباطل، وأما القدرية: خاضوا في قدره بالباطل، وأصل ضلالهم ظنهم أن القدر يناقض الشرع، فصاروا حزبين: حزباً يعظمون الشرع والأمر والنهي والوعد والوعيد واتباع ما يحبه الله ويرضاه، وهجر ما يبغضه وما يسخطه، وظنوا أن هذا لا يمكن أن يجمع بينه وبين القدر، فقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه كما قطعت الخوارج ما أمر الله به أن يوصل من اتفاق الكتاب والسنة وأهل الجماعة، ففرقوا بين الكتاب والسنة، وفرقوا بين الكتاب وجماعة المسلمين، وفرقوا بين المسلمين، فقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وكذلك القدرية. فصاروا حزبين: حزباً يغلب الشرع فيكذب بالقدر وينفيه أو ينفي بعضه، وحزباً: يغلب القدر فينفي الشرع في الباطن أو ينفي حقيقته ويقول: لا فرق بين ما أمر الله به وما نهى عنه في نفس الأمر الجميع سواء، وكذلك أولياؤه وأعداؤه وكذلك ما ذكر أنه يحبه وذكر أنه يبغضه، لكنه فرق بين المتماثلين بمحض المشيئة يأمر بهذا وينهى عن مثله، جحدوا الفرق والفصل الذي بين التوحيد والشرك، وبين الإيمان والكفر، وبين الطاعة والمعصية، وبين الحلال والحرام. كما أن أولئك وإن أقروا بالفرق فأنكروا الجمع، وأنكروا أن يكون الله على كل شيء قدير، ومنهم من أنكر أن يكون الله بكل شيء عليماً، وأنكروا

158