149

Majmūʿat al-Rasāʾil al-Kubrā li-Ibn Taymiyya

مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Publisher Location

بيروت

عن العيان على رأى من أثبت المثل الأفلاطونية، فتثبت الماهيات الكلية مجردة عن الموصوفات ويدعى أنها قديمة أزلية، مثل إنسانية مجردة وحيوانية مجردة، وهذا خيال باطل، وهذا الذي جعله مجردا هو مجرد في الذهن وليس في الخارج كلي مجرد، وإذا قدر ثبوت كلي مجرد في الخارج وهو مسمى الوجود فهذا يتناول وجود المحدثات كلها كما يتناول وجود القديم، وهذا لا يكون مبدعاً لشيء ولا اختصاص له بصفات الكمال، فلا يوصف بأنه حي عليم قدير، إذ ليس وصفه بذلك بأولى من وصفه بأنه عاجز جاهل ميت، والخالق لابد أن يكون حيا علما قديرا سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ثم لو قدر أن هذا هو الخالق فهذا غير الأعيان الموجودة المخلوقة، فقد ثبت وجودان. أحدهما غير الآخر، وأحدهما محدث مخلوق، فيكون الآخر الخالق غير المخلوق، ولا يمكن جحد وجود الأعيان المعينة، ولكن الواحد من هؤلاء قد تغيب عن شهود المغيبات كما يغيب عن شهود نفسه، فيظن أن ما لم يشهده قد عدم في نفسه وفنى وليس كذلك، فإن ما عدم وفنى شهوده له وعلمه به ونظره إليه، فالمعدوم الفاني صفة هذا الشخص، وإلا فالموجودات في نفسها باقية على حالها لم تتغير، وعدم العلم ليس علما بالمعدوم، وعدم المشهود ليس شهودا للعدم، ولكن هذه الحال يعتري كثيرا من السالكين يغيب أحدهم عن شهود نفسه وغيره من المخلوقات، وقد يسمون هذا فناء واصطلاما، وهذا فناء عن شهود تلك المخلوقات لا أنها في نفسها فنيت، ومن قال: في مالم يكن وبقي مالم يزل، فالتحقيق إذا كان صادقا أنه فنى شهوده لما لم يكن ونفى شهوده لما لم يزل لا إن مالم يكن فنى في نفسه فإنه باق موجود، ولكن يتوهمون إذا لم يشهدوه أنه قد عدم في نفسه.

149