150

Majmūʿat al-Rasāʾil al-Kubrā li-Ibn Taymiyya

مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Publisher Location

بيروت

ومن هنا دخلت طائفة في الاتحاد والحلول، فأحدهم قد يذكر الله حتى يغلب على قلبه ذكر الله ويستغرق في ذلك، فلا يبقى له مذكور مشهود لقلبه إلا الله ويفنى ذكره وشهوده لما سواه، فيتوهم أن الأشياء قد فنيت وأن نفسه فنيت، حتى يتوهم أنه هو الله وأن الوجود هو الله.

ومن هذا الباب غلط أبي يزيد ونحوه حيث قال: ما في الجبة إلا الله، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع، وبين أنه يعبر بالفناء عن ثلاثة أمور أحدها: أنه يغني بعبادة الله عن عبادة ما سواه، وبمحبته وطاعته وخشيته ورجائه والتوكل عليه عن محبة ما سواه، وطاعته وخشيته ورجائه والتوكل عليه. وهذا هو حقيقة التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب. وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله فقد فنى من قلبه التأله لغير الله، وبقي في قلبه تأله الله وحده، وفنى من قلبه حب غير الله وخشية غير الله والتوكل على غير الله، وبقي في قلبه حب الله وخشية الله والتوكل على الله، وهذا الفناء يجامع البقاء فيخلي القلب عن عبادة غير الله مع تجلي القلب بعبادة الله وحده كما قال صلى الله عليه وسلم لرجل: ((قل أسلمت لله وتخليت)) وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله بالنفي مع الإثبات، نفي إلهية غيره مع إثبات إلهيته وحده، فإنه ليس في الوجود إله إلا الله ليس فيه معبود يستحق العبادة إلا الله فيجب أن يكون هذا ثابتًا في القلب، فلا يكون في القلب من يألهه القلب ويعبده إلا الله وحده، ويخرج من القلب كل تأله لغير الله، ويثبت فيه تأله الله وحده. إذ كان، ليس ثم إله إلا الله وحده، وهذه الولاية لله مقرونة بالبراءة والعداوة لكل معبود سواه ولمن عبدهم قال تعالى عن الخليل عليه السلام: (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين) وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون.

150