125

Majmūʿat al-Rasāʾil al-Kubrā li-Ibn Taymiyya

مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Publisher Location

بيروت

ومن تدبر ما ذكروه في كتبهم تبين له أنهم لم يقيموا حجة على وجوده، فلاهم أثبتوه وأثبتوا له ما يستحقه، ولا نزهوه ونفوا عنه ما لا يجوز عليه، إذ كان إثباته هو إثبات حدوث الجسم، ولم يقيموا على ذلك دليلاً، والنفي اعتمدوا فيه على ذلك، وهم متناقضون فيه لو كانوا أقاموا دليلاً على نفي كونه جسماً فكيف إذا لم يقيموا على ذلك دليلاً وتناقضوا.

وهذا مما يتبين لك أن من خرج عن الكتاب والسنة، فليس معه علم لا عقلي ولا سمعي، لا سيما في هذا المطلوب الأعظم، لكنهم قد يكونون معتقدين لعقائد صحيحة عرفوها بالفطرة العقلية وبما سمعوه من القرآن ودين المسلمين، فقلوبهم تثبت ما تثبت وتنفى ما تنفى بناء على هذه الفطرة المكملة بالشرعة المنزلة، لكنهم سلكوا هذه الطرق البدعية وليس فيها علم أصلاً، ولكن يستفاد من كلامهم إبطال بعضهم لقول المبطل الآخر وبيان تناقضه، ولهذا لما ذكروا المقالات الباطلة في الرب جعلوا يردونها بأن ذلك تجسيم، كما فعل القاضي أبو بكر في هداية المسترشدين وغيره، فلم يقيموا حجة على أولئك المبطلين، وردوا كثيراً مما يقول اليهود بأنه تجسيم، وقد كان اليهود عند النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وكانوا أحياناً يذكرون له بعض الصفات كحديث الخبر، وقد ذم الله اليهود على أشياء كقولهم: إن الله فقير وأن يده مغلولة. وغير ذلك. ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم قط أنهم يجسمون ولا أن في التوراة تجسيماً ولا عابهم بذلك ولا رد هذه الأقوال الباطلة بأن هذا تجسيم كما فعل ذلك من فعله من النفاة، فبين أن هذه الطريقة مخالفة للشرع والعقل، وأنها مخالفة لما بعث الله به رسوله ولما فطر عليه عباده، وأن أهلها من جنس الذين قالوا: (لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب

125