113

Majmūʿat al-Rasāʾil al-Kubrā li-Ibn Taymiyya

مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Publisher Location

بيروت

وهم لم يقصدوا نفي القديم والواجب، فإن هذا لا يقصده أحد من العقلاء لا مسلم ولا كافر، إذ كان خلاف ما يعلمه كل أحد ببديهة عقله، فإنه إذا قدر أن جميع الموجودات حادثة عن عدم لزم أن كل الموجودات حدثت بأنفسها، ومن المعلوم ببداهة العقول أن الحادث لا يحدث بنفسه ولهذا قال تعالى: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون) وقد قيل: خلقوا من غير شيء من غير رب خلقهم. وقيل: من غير مادة. وقيل: من غير عاقبة وجزاء، والأول مراد قطعاً فإن كل ما خلق من مادة أو لغاية فلا بد له من خالق.

﴿ومعرفة الفطر﴾ أن المحدث لا بد له من محدث أظهر فيها من أن كل محدث لا بد له من مادة خلق منها وغاية خلق لها، فإن كثيراً من العقلاء نازع في هذا وهذا، ولم ينازع في الأول طائفة. قال: إن هذا العالم حدث من غير محدث أحدثه. بل من الطوائف من قال: إنه قديم بنفسه واجب بنفسه ليس له صانع، وأما أن يقول إنه محدث حدث بنفسه بلا صانع، فهذا لا يعرف عن طائفة معروفة وإنما يحكى عمن لا يعرف، ومثل هذا القول وأمثاله يقوله من يقوله ممن حصل له فساد في عقله صار به إلى السفسطة، والسفسطة تعرض لآحاد الناس وفي بعض الأمور، ولكن أمة من الأمم كلهم سوفسطائية في كل شيء هذا لا يتصور، فلهذا لا يعرف عن أمة من الأمم أنهم قالوا بحدوث العالم من غير محدث، وهؤلاء لما اعتقدوا أن كل موصوف أو كل ما قامت به صفة أو فعل مشيئته فهو محدث ويمكن لزمهم القول بحدوث كل موجود، إذ كان الخالق جل جلاله متصفاً بما يقوم به من الصفات والأمور الاختياريات، مثل أنه متكلم بمشيئته وقدرته، ويخلق ما يخلقه بمشيئته وقدرته، لكن هؤلاء اعتقدوا انتفاء هذه الصفات عنه، لاعتقادهم صحة القول

(٨ - مجموعة الرسائل)

113