112

Majmūʿat al-Rasāʾil al-Kubrā li-Ibn Taymiyya

مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Publisher Location

بيروت

العالم بنفسه، وقالوا هو الله وأنكروا أن لا يكون العالم رب مباين للعالم، إذ كان ثبوت القديم الواجب بنفسه لابد منه على كل قول، وفرعون ونحوه من أنكر الصانع ما كان ينكر هذا الوجود المشهود، فلما كان حقيقة قول أولئك يستلزم أنه ليس موجود قديم ولا واجب، لكنهم لا يعرفون أن هذا يلزمهم، بل يظنون أنهم أقاموا الدليل على إثبات القديم الواجب بنفسه.

﴿ولكن وصفوه﴾ بصفات الممتنع فقالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا هو صفة، ولا موصوف، ولا يشار إليه ونحو ذلك من الصفات السلبية التي تستلزم عدمه، وكان هذا مما تنفر عنه العقول والفطر، ويعرف أن هذا صفة المعدوم الممتنع لا صفة الموجود، فدليلهم في نفس الأمر يستلزم أنه ما ثم قديم ولا واجب، ولكن ظنوا أنهم أثبتوا القديم والواجب، وهذا الذي أثبتوه هو ممتنع فما أثبتوا قديماً ولا واجباً، جاء آخرون من جهتهم فرأوا هذا مكابرة، ولا بد من إثبات القديم والواجب. فقالوا: هو هذا العالم، فكان قدماء الجهمية يقولون: إنه بذاته في كل مكان، وهؤلاء قالوا: هو غير الموجودات، والموجود القديم الواجب هو نفس الوجود المحدث الممكن، والحلول هو الذي أظهرته الجهمية للناس حتى عرفه السلف والأئمة وردوه، وأما حقيقة قولهم فهو النفي أن لا داخل العالم ولا خارجه، ولكن هذا لم تسمعه الأئمة ولم يعرفوا أنه قولهم إلا من باطنهم، ولهذا كان الأئمة يحكون عن الجهمية أنه في كل مكان، ويحكون عنهم وصفه بالصفات السلبية وشاع عند الناس أن الجهمية يصفونه بالسلوب حتى قال أبو تمام:

جهمية الأوصاف إلا أنها قد حليت بمحاسن الأشياء

112