ومن لطيف أنظار الأئمة، ومستحسن سيرهم استخراج بعضهم من مجمل
حكم بعض ما يكون أصلح للمحكوم عليه في بعض الأحوال اقتداء بما حكاه الله سبحانه من حكم داود وسليمان - عليهما السلام - في غرم ما استهلكته غنم قوم من غلة حرث قوم آخرين؛ فحكم داود - عليه السلام - بوجوب غرم ذلك حكما مجملا من غير تعيين وقت، وذلك هو ظاهر الحكم الواجب الذي لا خلاف فيه، ونظر سليمان - عليه السلام - في ذلك بتوفيق الله سبحانه له فعلم أن الغرم من غلة الغنم أصلح لأهلها، وأنه لا خلل في ذلك على أهل غلة الحرث لأجل تأخر وقت حصاد تلك الغلة كتأخر غلة الغنم؛ فصوب الله سبحانه حكمه بذلك، ولم يخط أباه بل قال سبحانه: {ففهمناها سليمان وكلا ءاتينا حكما وعلما} [الأنبياء:79]، فتأمل ذلك وما أشبهه.
[ذكر ما طريق معرفته من مسائل الفقه الرجوع فيه إلى حكم الحاكم وأمثلته وأحكامه]
وأما النوع الرابع: وهو ما طريق معرفته الرجوع فيه إلى حكم الحاكم؛ فمن أمثلته تقدير الحكومات فيما لا أرش له من الجنايات، ومقادير واجب النفقات، والتوسط بالصلح فيما تساوت فيه الأيمان أو البينات، وما أشبه ذلك من الأحكام التي لا يجوز أن ينظر فيها إلا من ينصبه إمام الحق إلا على وجه الإحتساب في أوقات الفترات لمن يجوز له الإحتساب من أهل الدين والعلم والورع.
Page 342