Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām
ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
Publisher
دار القاسم
Publication Year
1427 AH
٧- حديث بلال في شأن التمر:
قال ابن القيم - رحمه الله -:
وأما حديث بلال في شأن التمر وقول النبي ﷺ له: «بع التمر بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيباً».
فقال شيخنا: ليس فيه دلالة على الاحتيال بالعقود التي ليست مقصودة لوجوه:
أحدها: أن النبي ﷺ أمره أن يبيع سلعته الأولى ثم يبتاع بثمنها سلعة أخرى، ومعلوم أن ذلك إنما يقتضي البيع الصحيح ومتى وجد البيعان على الوجه الصحيح جاز ذلك بلا ريب، ونحن نقول: كل بيع صحيح يفيد الملك، لكن الشأن في بيوع قد دلت السنة وأقوال الصحابة على أن ظاهرها وإن كان بيعاً فإنها ربا وهي بيع فاسد ومعلوم أن مثل هذا لا يدخل في الحديث، ولو اختلف رجلان في بيع مثل هذا: هل هو صحيح أو فاسد، وأراد أحدهما إدخاله في هذا اللفظ: لم يمكنه ذلك حتى يثبت أنه بيع صحيح ومتى أثبت أنه بيع صحيح لم يحتج إلى الاستدلال بهذا الحديث فتبين أنه لا حجة فيه على صورة من صور النزاع البتة.
قلت: ونظير ذلك أن يحتج به محتج على جواز بيع الغائب، أو على البيع بشرط الخيار أكثر من ثلاث، أو على البيع بشرط البراءة وغير ذلك من أنواع البيوع المختلف فيها، ويقول المنازع: الشارع قد أطلق الإذن في البيع ولم يقيده.
وحقيقة الأمر: أن يقال إن الأمر المطلق بالبيع إنما يقتضي البيع الصحيح، ونحن لا نسلم له أن هذه الصورة التي تواطآ فيها على ذلك بيع صحيح.
الوجه الثاني: أنَّ الحديث ليس فيه عموم لأنه قال «وابتع بالدراهم جنيباً» والأمر بالحقيقة المطلقة ليس أمراً بشيء من قيودها، لأن الحقيقة مشتركة بين الأفراد والقدر المشترك ليس هو ما يميز كل واحد من الأفراد عن الآخر ولا هو مستلزم له فلا يكون الأمر بالمشترك أمراً بالمميز بحال، نعم هو مستلزم لبعض تلك القيود لا بعينه فيكون عاماً لها على سبيل البدل، لكن ذلك لا يقتضي العموم بالأفراد على سبيل الجمع وهو المطلوب فقوله «بع هذا الثوب» لا يقتضي الأمر ببيعه من زيد أو عمرو ولا بكذا وكذا ولا بهذه السوق أو هذا، فإن اللفظ لا دلالة له على شيء من ذلك، لكن إذا أتى بالمسمى حصل ممتثلاً من جهة وجود تلك الحقيقة لا من جهة وجود تلك القيود،
342