Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām
ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
Publisher
دار القاسم
Publication Year
1427 AH
إذا تبين ذلك فليس في الحديث أنه أمره أن يبتاع من المشتري ولا أمره أن يبتاع من غيره ولا بنقد البلد ولا غيره ولا بثمن حال أو مؤجل فإنَّ هذه القيود خارجة عن مفهوم اللفظ ولو زعم زاعم أن اللفظ يعم هذا كله كان مبطلاً لكن اللفظ لا يمنع الأجزاء إذا أتى بها. وقد قال بعض الناس إن عدم الأمر بالقيود يستلزم عدم الأجزاء إذا أتى بها إلا بقرينة، وهذا غلط بَيِّنٌ فإن اللفظ لا تعرَّض فيه للقيود بنفي ولا إثبات ولا الإتيان بها ولا تركها من لوازم الامتثال وإن كان المأمور به لا يخلو عن واحد منهما ضرورة وقوعه جزئياً مشخصاً فذلك من لوازم الواقع، لا أنه مقصود الأمر وإنما يستفاد الأمر بتلك اللوازم أو النهي عنها من دليل منفصل.
وقد خَرج بهذا الجواب عن قول من قال لو كان الابتياع من المشتري حراماً لنهى عنه، فإن مقصوده إنما هو بيان الطريق التي يحصل بها اشتراء التمر الجيد لمن عنده رديء، وهو أن يبيع الرديء بثمن ثم يبتاع بالثمن جيداً، ولم يتعرض لشروط البيع وموانعه فلا معنى للاحتجاج بهذا الحديث على نفي شرط مخصوصٍ، كما لا يحتج به على نفي سائر الشروط، وهذا بمنزلة الاحتجاج بقوله تعالى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتْبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] على جواز أكلِّ كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، وعلى حِلِّ ما اختلف فيه من الأشربة، ونحو ذلك فالاستدلال بذلك استدلال غير صحيح بل هو من أبطل الاستدلال، إذ لا تعرض في اللفظ لذلك ولا أريد به تحليل مأكول ومشروب وإنما أريد به بيان وقت الأكل والشرب وانتهائه.
وكذلك من استدل بقوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢] على جواز نكاح الزانية قبل التوبة، وصحة نكاح المحلل وصحة نكاح الخامسة في عدة الرابعة أو نكاح المتعة أو الشغار أو غير ذلك من الأنكحة الباطلة كان استدلاله باطلا.
وكذلك من استدل بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] على حل بيع الكلب أو غيره مما اختلف فيه فاستدلاله باطل، فإن الآية لم يرد بها بيان ذلك وإنما أريد بها الفرق بين عقد الربا وبين عقد البيع وأنه - سبحانه - حرم هذا وأباح هذا فأما أن يفهم منه أنه أحلٍ بيع كل شيء فهذا غير صحيح وهو بمنزلة الاستدلال بقوله تعالى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] على حل كل مأكول ومشروب
343